رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:46 م calendar السبت 18 يوليو 2026

العلماء يستعيدون أول مقطع طويل من الصخور العبائية: خطوة غير مسبوقة نحو فهم أسرار الأرض وأصل الحياة

في إنجاز تاريخي، تمكن العلماء من استعادة مقطع طويل من الصخور العبائية التي تشكل معظم باطن الأرض، مما يفتح الباب أمام اكتشافات علمية قد تعيد تشكيل فهمنا لتاريخ الأرض وتكشف أسرارًا عن أصل الحياة.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في إنجاز غير مسبوق، استعاد علماء الجيولوجيا مقطعًا طويلًا من الصخور العبائية من قاع المحيط الأطلسي، يُعد خطوة جوهرية لفهم تركيبة الأرض وتطورها، ويقدم أدلة حول كيفية تكوّن البراكين وعلاقتها بالنشاط العبائي. كما يكشف البحث عن تفاعلات كيميائية بين المعادن والمياه قد تكون مفتاحًا لأصل الحياة على الأرض. هذه الاستعادة، التي تأتي بعد محاولات استمرت لعقود، تمثل طفرة كبيرة في علوم الأرض، حيث توفر فهماً أعمق لدور العباءة في الدورة العالمية للعناصر وتأثيراتها البيئية والحياتية.


صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

استعادة مقطع طويل من الصخور العبائية: إنجاز علمي غير مسبوق

 

نجح فريق علمي عالمي في استعادة مقطع طويل من الصخور العبائية بعمق يصل إلى 1,268 مترًا، وهو إنجاز اعتبر خطوة تاريخية في مجال الجيولوجيا. هذه الصخور تُعد من أقدم الصخور التي تشكلت في باطن الأرض، وهي تُعرف بأنها من مكونات العباءة، التي تعد الطبقة الأكثر سمكًا في الأرض، وتوجد تحت القشرة الأرضية. ويأمل العلماء أن تتيح هذه العينات المستخرجة لهم فهمًا أفضل حول كيفية نشوء الأرض وتطورها، وأثر العباءة في تزويد الأرض بالعناصر الكيميائية الضرورية للحياة، كالكربون والهيدروجين.

كيف تم تنفيذ عملية استعادة الصخور العبائية؟

 

تمكنت سفينة الحفر المحيطية JOIDES Resolution، التابعة لبرنامج الاكتشافات البحرية الدولية (IODP)، من استعادة هذا المقطع الطويل خلال حملة استكشافية بعنوان “Building Blocks of Life, Atlantis Massif” والتي أُجريت في ربيع عام 2023. وقد تمت العملية من منطقة “نافذة تكتونية” في الحافة الوسطى للأطلسي، حيث يمكن للوصول إلى الصخور العبائية في قاع المحيط. يُعد هذا الإنجاز الأول من نوعه منذ أن بدأت المحاولات في أوائل الستينيات. وقد حظيت هذه الحملة بدعم وتنسيق من العديد من الدول والمؤسسات، حيث اشتركت أكثر من 20 دولة في البرنامج، مما يعكس أهمية هذا الاكتشاف وأثره المحتمل على مختلف تخصصات العلوم البيئية والجيوفيزيائية.

نتائج الدراسة الأولية: فهم جديد لتكوين العباءة

 

منذ استعادة هذه الصخور العبائية، يعمل العلماء على دراسة تركيبها ومكوناتها المعدنية، وقد أسفرت النتائج عن مفاجآت عديدة. أظهرت الدراسات أن الصخور المستعادة تحتوي على كميات عالية من المغنيسيوم، بينما تحتوي على كميات أقل بكثير من معدن البيروكسين مقارنةً بتوقعات العلماء. ويمثل هذا التكوين دليلاً على حدوث انصهار عميق وكثيف للعباءة في مرحلة مبكرة من تكوين الأرض.

يقول البروفيسور يوهان ليسنبرغ من جامعة كارديف، “استعادة هذه الصخور هو إنجاز مهم، لكنها تتجاوز مجرد قيمة علمية. فهي تمنحنا نظرة عميقة على مكونات الأرض وتطورها.”

تأثيرات الانصهار وكيفية تغذية البراكين بالصهارة


أظهرت الدراسة أن عمليات الانصهار التي تعرضت لها هذه الصخور وقعت في أعماق بعيدة جدًا من الأرض، وأنها تشكلت بفعل انتقال الصهارة من باطن الأرض إلى السطح عبر قنوات في العباءة. هذا الاكتشاف قد يغير الطريقة التي يفهم بها العلماء كيفية تشكل البراكين، خاصة تلك التي توجد في قاع المحيط. إذ أن البراكين البحرية تُشكل جزءًا كبيرًا من النشاط البركاني على سطح الأرض.

وأضاف فريق الباحثين أن تحليل القنوات التي تنقل الصهارة عبر العباءة إلى سطح الأرض سيساهم في فهم كيفية تغذية هذه البراكين بالصهارة، ومدى تأثيرها على النشاط البركاني في مناطق معينة من الكوكب.

صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

التأثيرات البيئية: أصل الحياة وتفاعلات المعادن مع مياه البحر

 

من بين النتائج الأخرى للدراسة، وجد الباحثون أن تفاعل المعادن الموجودة في الصخور العبائية، مثل الأوليفين، مع مياه البحر ينتج جزيئات وعناصر يمكن أن تكون أساسية في نشوء الحياة. يُعتقد أن هذه التفاعلات كانت تلعب دورًا أساسيًا في إنتاج جزيئات الهيدروجين وجزيئات أخرى قد تُستخدم كغذاء للكائنات الحية الأولية.

توضح الدكتورة سوزان كيو لانغ من مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات، “الصخور العبائية التي استعدناها تعود إلى مراحل تاريخية مبكرة من عمر الأرض، ويمكن أن تمنحنا نظرة حول البيئات الفيزيائية والكيميائية التي ساعدت في نشوء الحياة.”

تقول لانغ أيضًا إن هذه التفاعلات الكيميائية بين الأوليفين والمياه توفر مصدرًا ثابتًا للطاقة والمغذيات، مما يسمح للكائنات الحية القديمة بالاستمرار والبقاء في بيئات قاسية عبر ملايين السنين.

المزيد من التحليلات والاستكشافات المستقبلية

 

فيما لا تزال هذه الدراسة في مراحلها الأولية، يعتزم الفريق الدولي المشارك في الحملة استكمال تحليلات الصخور العبائية على مدار السنوات القادمة. يهدف الباحثون إلى تعميق فهمهم لعمليات الانصهار والتكوين الكيميائي للعباءة وكيفية تأثيرها على النظام البيئي الأرضي.

يقول الدكتور أندرو مككايغ من جامعة ليدز، وهو أحد الأعضاء الرئيسيين في الحملة: “هذه الصخور توفر لنا فرصة نادرة لدراسة تاريخ الأرض من منظور كيميائي وفيزيائي عميق. ستكون البيانات التي جمعناها موردًا علميًا طويل الأمد للعلماء في مختلف التخصصات.” ويتوقع أن تسهم هذه الدراسات في توفير فهم أكبر للتبادل الكيميائي بين الصخور والمحيط، وفهم كيفية تأثير هذه التفاعلات على المحيط الحيوي والأنظمة البيئية.

أهمية استعادة الصخور العبائية لتطوير علم الأرض

 

يُعد هذا الاكتشاف خطوة كبيرة نحو تطوير فهمنا لدور العباءة في بنية الأرض وتاريخها. ففهم تركيبة الصخور العبائية وعمليات الانصهار يمكن أن يسهم في معرفة كيفية تطور قشرة الأرض وكيفية تشكل المحيطات والغلاف الجوي، وهي عوامل رئيسية لنشوء الحياة على الأرض.

ومن خلال توفير معلومات جديدة عن تاريخ الأرض، يمكن لهذا الاكتشاف أن يسهم أيضًا في استراتيجيات التنمية المستدامة، بما في ذلك إدارة الموارد الطبيعية والتصدي للتغيرات المناخية، حيث يمكن فهم عمليات التفاعل بين الصخور والمحيطات بشكل أفضل.

آفاق واسعة لتطوير البحث العلمي

 

من خلال هذا الاكتشاف، يُفتح أمام علماء الأرض والجيولوجيا مسار جديد للتعلم والفهم حول أصل كوكبنا. يمكن أن تسهم هذه الصخور العبائية المستعادة في تقديم نظريات جديدة حول كيفية نشوء الحياة وتطورها، وكيفية تفاعل مكونات الأرض مع بعضها البعض عبر العصور.

يعكس هذا الإنجاز أهمية التعاون الدولي في مجال العلوم، إذ أن تعاون العلماء من مختلف الدول مكّن من تحقيق هذه الخطوة الكبيرة. ويأمل العلماء أن توفر هذه الصخور أدلة إضافية تمكنهم من رسم صورة أكثر دقة عن أصل الحياة وكيفية تشكل الأرض، ليبقى هذا الاكتشاف جزءًا من رحلة مستمرة لاكتشاف أسرار كوكبنا.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط