دراسة تكشف: الجيوب الأنفية الكبيرة منعت أقارب التماسيح القديمة من أن يصبحوا غطاسين أعماق مثل الحيتان
توصل فريق دولي من العلماء إلى أن التحولات التشريحية لدى الثالاطوصوكيان، أقارب التماسيح التي عاشت في عصور الديناصورات، كانت عاملًا حاسمًا في عدم قدرتها على التكيف ككائنات غاطسة في الأعماق البحرية، على عكس الحيتان والدلافين التي طورت تكيفات فريدة للعيش في أعماق المحيطات.
تظهر دراسة حديثة أن الجيوب الأنفية الكبيرة لدى الثالاطوصوكيان، أقارب التماسيح القديمة، كانت عقبة أمام تحولها إلى كائنات قادرة على الغوص في الأعماق البحرية. استخدم فريق دولي من الباحثين التصوير المقطعي لدراسة 11 جمجمة من الثالاطوصوكيان و14 نوعًا من التماسيح الحديثة. وكشفت النتائج أن اتساع الجيوب الأنفية أثر سلبًا على قدرتهم على تحمل الضغوط البحرية. بالمقارنة، تمكنت الحيتان والدلافين من تطوير جيوب أنفية مغلقة، مما ساعدها على التكيف بشكل أفضل مع الحياة في الأعماق. تسلط هذه الدراسة الضوء على كيفية تأثير التغيرات التشريحية على تاريخ تطور الأنواع البحرية.

دراسة تكشف أن الجيوب الأنفية منعت أقارب التماسيح القديمة من التحول إلى غطاسين أعماق مثل الحيتان
توصل فريق دولي من علماء الحفريات البيولوجية إلى أن الجيوب الأنفية الكبيرة لدى “ثالاطوصوكيان”، وهي أقارب التماسيح التي عاشت في عصور الديناصورات، حالت دون قدرتها على التكيف كغطاسين في أعماق البحار، على عكس الحيتان والدلافين التي تطورت لهذه الغاية. وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة Royal Society Open Science.
تحديات التكيف مع أعماق البحار
يقول الدكتور مارك يونغ، المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة ساوثهامبتون: “تطورت الثالاطوصوكيان لتصبح كائنات بحرية، لكنها كانت محدودة في استكشاف الأعماق بسبب جيوبها الأنفية الضخمة”. ويشير البحث إلى أن الحيتان والدلافين طورت جيوبًا أنفية مغلقة داخل جماجمها، بينما نمت لديها جيوب هوائية خارج الجمجمة. هذه التغيرات ساعدتها على تحمل الضغوط المتزايدة في الأعماق التي تصل إلى مئات الأمتار في حالة الدلافين وآلاف الأمتار للحيتان، دون إلحاق ضرر بالجمجمة.
نوعان مختلفان من “ثالاطوصوكيان” وتكيفات محدودة
تألفت الثالاطوصوكيان من مجموعتين رئيسيتين:
1. تيليوصوريداي (Teleosauridae)
كانت تشبه التماسيح، وعاشت في المياه الساحلية، حيث اعتمدت على أساليب الصيد التي تناسب بيئتها.
2. ميتريورنشيداي (Metriorhynchidae)
طورت هذه المجموعة أجسامًا انسيابية وأطرافًا تشبه الزعانف، مع ذيول ملائمة للسباحة، مما مكنها من التكيف بشكل أفضل مع الحياة في المحيطات.
رغب الباحثون من جامعة ساوثهامبتون وجامعة إدنبرة ومؤسسات أخرى في معرفة ما إذا كانت الثالاطوصوكيان قد طورت تكيفات مشابهة لتلك التي حدثت لدى الحيتان والدلافين. ولتحقيق ذلك، استخدموا التصوير المقطعي لدراسة 11 جمجمة من الثالاطوصوكيان، بالإضافة إلى جماجم 14 نوعًا من التماسيح الحديثة وستة أنواع أخرى من الأحافير.
التغييرات التطورية في الجيوب الأنفية
اكتشف الباحثون أن الجيوب الأنفية في علبة الدماغ لدى الثالاطوصوكيان قد تقلصت بشكل ملحوظ خلال تطورها من كائنات برية إلى مائية. هذا الانخفاض في حجم الجيوب الأنفية يشبه ما حدث لدى الحيتان والدلافين عندما تحولت هذه الكائنات إلى الحياة المائية بالكامل. ومع ذلك، توسعت الجيوب الأنفية في أنوف “ميتريورنشيداي” بشكل أكبر مما جعلها غير قادرة على الغوص بعمق.
يعود السبب في ذلك إلى أن الهواء داخل الجيوب الأنفية يتعرض لضغط هائل عند الغوص، مما قد يؤدي إلى أضرار في الأنف أو حتى انهياره، نتيجة عدم قدرتها على معادلة الضغوط المتزايدة. هذه التغيرات في التركيب التشريحي تلقي الضوء على القيود التي واجهتها الثالاطوصوكيان في التكيف مع البيئات البحرية العميقة.
دور الغدد الملحية في التخلص من الأملاح
أوضح الباحثون أن الثالاطوصوكيان كانت تعتمد على الغدد الملحية للتخلص من الأملاح الزائدة في أجسامها، تمامًا كما تعتمد السحالي البحرية الحديثة والطيور البحرية على هذه الغدد. ولفت الفريق الانتباه إلى أن الجيوب الأنفية الكبيرة والمعقدة لدى “ميتريورنشيداي” قد ساعدتها في تصريف الغدد الملحية بطريقة مشابهة لما تقوم به بعض السحالي البحرية.
قال الدكتور مارك يونغ: “الأملاح الزائدة قد تؤدي إلى تراكمات يمكن أن تسد القنوات، ولذلك تلجأ بعض الطيور إلى هز رؤوسها لطرد الملح، بينما تعتمد السحالي البحرية على العطس.” وأضاف: “في حالة ميتريورنشيداي، قد تكون توسعات الجيوب الأنفية قد أدت إلى ضغط الغدد الملحية داخل الجمجمة، مما أوجد تأثيرًا مشابهًا للعطس لطرد الأملاح الزائدة."
نظرة جديدة على التحولات التطورية في الكائنات البحرية
تسلط هذه الدراسة الضوء على كيفية تأثير التحولات التطورية الكبرى في الكائنات الحية على التشريح البيولوجي والتاريخ التطوري للأنواع. علقت الدكتورة جوليا شاواب، الباحثة من جامعة مانشستر والمؤلفة المشاركة في الدراسة، قائلة: “من المدهش أن نرى كيف تأقلمت الكائنات القديمة، مثل الثالاطوصوكيان، مع الحياة البحرية بطرق مميزة تختلف عن الحيتانيات الحديثة.”
في ختام الدراسة، أضاف الدكتور مارك يونغ: “انقرضت الثالاطوصوكيان في العصر الكريتاسي المبكر، لذا لن نعرف أبدًا إذا كان بإمكانها مع مرور الوقت التكيف لتصبح كغطاسين أعماق مثل الحيتان. كما أن الحاجة إلى تصريف الغدد الملحية ميكانيكيًا قد تكون شكلت حاجزًا أمام تطورها للتخصص في بيئة الأعماق البحرية.”
تُظهر هذه النتائج أهمية فهم التاريخ التطوري لكيفية تطور الكائنات البحرية وتكيفها مع بيئاتها، مما يسهم في إثراء معرفتنا بالتحولات التطورية عبر الزمن.




