رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
03:43 م calendar السبت 18 يوليو 2026

كيف تؤثر جينات أصدقائك على صحتك العقلية؟ دراسة تكشف الروابط الجينية الخفية وتأثيرها على سلوكياتنا

دراسة جديدة توضح أن أصدقائنا قد يؤثرون في صحتنا النفسية بطرق غير متوقعة عبر جيناتهم، مما يسلط الضوء على دور البيئة الاجتماعية في تشكيل المخاطر الصحية.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

توصلت دراسة جديدة إلى أن “الجينات الاجتماعية” - أي التأثير الجيني لأصدقائنا على صحتنا وسلوكياتنا - قد تكون مرتبطة باضطرابات الصحة العقلية وإدمان المواد. اكتشف فريق بحثي بقيادة جيسيكا سالفاتور من جامعة روتجرز أن الاستعدادات الجينية لدى الأصدقاء تؤثر على مخاطر تعرض الأفراد لاضطرابات نفسية مثل الاكتئاب واضطرابات القلق وإدمان المخدرات. تسلط الدراسة الضوء على أهمية البيئة الاجتماعية للأفراد ودورها في التأثير على الصحة العقلية، مما يفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تدخل جديدة ترتكز على الشبكات الاجتماعية للحد من المشكلات الصحية.


صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

مدخل إلى الدراسة: الروابط الخفية بين الأصدقاء والصحة العقلية

 

لطالما كان لاختيار الأصدقاء تأثير كبير على حياة الأفراد وسلوكياتهم، وهو ما عكسته المقولة التقليدية “اختر أصدقائك بحكمة”. لكن دراسة حديثة كشفت عن أن هذا التأثير قد يمتد لأبعاد أعمق مما كنا نتصور، وصولاً إلى مستوى الجينات. قاد فريق بحثي من جامعة روتجرز الأمريكية دراسة فريدة من نوعها حول مفهوم “الجينات الاجتماعية”، حيث تشير إلى أن التركيب الجيني لأصدقائنا قد يؤثر على صحتنا العقلية، وحتى على مخاطر تعاطي المواد المخدرة والكحول. وفقًا للدكتورة جيسيكا إ. سالفاتور، أستاذة الطب النفسي بجامعة روتجرز، تشير الدراسة إلى أن البيئة الجينية للأصدقاء تشكل عاملًا مؤثرًا على الصحة العقلية للفرد. وأوضحت أن الاستعدادات الجينية للأقران قد تكون مرتبطة بخطر تعرض الأفراد للاضطرابات النفسية أو اضطرابات استخدام المواد المخدرة في مرحلة البلوغ.

فهم “الجينات الاجتماعية” وتأثيرها على الصحة العقلية

 

يعتمد مفهوم “الجينات الاجتماعية” على دراسة تأثير الجينات التي يحملها الآخرون على المخاطر الصحية للفرد. ووفقًا للدكتورة سالفاتور، تُعد هذه الدراسة من بين المحاولات الأولى لاستكشاف كيفية تأثير الجينات الاجتماعية على الصحة العقلية. حيث توفر هذه الجينات إشارة إلى كيفية تأثير الجينات التي يحملها الأصدقاء على سلوكياتنا الصحية والنفسية، وتوسع فهمنا للروابط الاجتماعية وتأثيراتها.

وتمثل الدراسة التي نُشرت في “مجلة الطب النفسي الأمريكية” (American Journal of Psychiatry) تقدمًا مهمًا في علم الجينوم الاجتماعي، حيث تعتمد على نموذج جيني قائم على التفاعلات بين الأصدقاء بدلًا من التركيز فقط على التركيب الجيني الفردي للفرد.

تحليل قاعدة بيانات سويدية

 

لتحقيق نتائج موثوقة، اعتمد الفريق البحثي على قاعدة بيانات سويدية شاملة شملت أكثر من 1.5 مليون فرد، وُلدوا بين عامي 1980 و1998 لأبوين سويديين. تم تحديد أصدقاء الدراسة وفقًا لموقعهم الجغرافي ومدرستهم خلال فترة المراهقة، مما أتاح للفريق فهمًا أفضل للبيئة الجينية المحيطة بالفرد خلال تلك الفترة الحساسة من حياته.

استخدم الباحثون سجلات طبية وصيدلانية لتوثيق حالات الاضطرابات النفسية واستخدام المواد المخدرة لدى هؤلاء الأفراد في مرحلة البلوغ. بالإضافة إلى ذلك، تم تطوير نماذج جينية تحاكي كيفية تأثير التركيب الجيني للأصدقاء على استعدادات الأفراد للتعرض لمخاطر صحية.

جينات الأصدقاء وتأثيرها المباشر على المخاطر الصحية

 

أظهرت النتائج أن الاستعدادات الجينية للأصدقاء ترتبط بشكل مباشر بمخاطر تعرض الأفراد للاضطرابات النفسية واضطرابات استخدام المواد. كما كانت التأثيرات أكثر وضوحًا بين زملاء الدراسة مقارنةً بالأصدقاء الجغرافيين، مما يشير إلى أن التواصل المباشر والتفاعل اليومي قد يزيد من تأثير الجينات الاجتماعية. وجد الباحثون أن أقوى التأثيرات كانت بين زملاء الدراسة في المرحلة الثانوية العليا، وخاصةً أولئك الذين كانوا يتشاركون في نفس المسار المهني أو الأكاديمي بين أعمار 16 و19 عامًا. وكانت التأثيرات الجينية الاجتماعية للأقران في المدرسة أكثر وضوحًا في حالات اضطرابات استخدام المخدرات والكحول مقارنةً بالاكتئاب واضطرابات القلق.

صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

دلالات على التفسير العلمي للجينات الاجتماعية

 

تقدم نتائج هذه الدراسة دعمًا قويًا لفكرة تأثير البيئة الجينية للأصدقاء على السلوكيات والمخاطر الصحية. وتوضح الدكتورة سالفاتور أن هذه النتائج تشير إلى أن الاستعدادات الجينية للأصدقاء قد تؤثر على صفاتهم الظاهرة، والتي بدورها تؤثر على سلوكيات ومخاطر الأفراد المحيطين بهم. هذا التفسير يشير إلى أن جينات الأصدقاء يمكن أن تؤدي دورًا رئيسيًا في تشجيع بعض السلوكيات، سواء كانت إيجابية أو سلبية. ومع ذلك، أوضحت سالفاتور أن التأثيرات الجينية للأصدقاء لم تكن مرتبطة بتأثيرات فعلية للأصدقاء أنفسهم على الأفراد، بمعنى أن الاستعدادات الجينية للأصدقاء كانت مرتبطة بخطر التعرض للاضطراب، حتى في حال عدم ظهور تلك الاضطرابات في سلوكيات الأصدقاء.

أهمية الدراسة وتأثيرها على التدخلات الاجتماعية

 

تشير هذه النتائج إلى أهمية التدخلات الاجتماعية التي تستند إلى شبكات الأصدقاء وتأثيراتهم في معالجة الاضطرابات النفسية. حيث أوضحت الدكتورة سالفاتور أن هذه الدراسة تلقي الضوء على أهمية التوجه إلى تطوير استراتيجيات جديدة للتدخلات الاجتماعية التي تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الجينية البيئية، وليس فقط المخاطر الفردية.

وأشارت إلى أن هذه النتائج توضح الدور الذي قد يلعبه “تأثير الأصدقاء” في تحسين صحة الأفراد من خلال استخدام شبكات الأصدقاء كوسيلة لتعزيز الدعم والتأثير الإيجابي.

الآفاق المستقبلية للأبحاث حول الجينات الاجتماعية

 

تفتح هذه الدراسة بابًا جديدًا لأبحاث الجينوم الاجتماعي، مما قد يدفع العلماء إلى إجراء دراسات أعمق لفهم تأثير البيئة الجينية المحيطة بالفرد، سواء كانت عبر الأصدقاء أو الأسرة أو المجتمع. وتهدف الأبحاث المستقبلية إلى استكشاف العلاقة بين الجينات الاجتماعية والمخاطر الصحية بشكل أعمق، من خلال النظر في كيفية تأثير العوامل الجينية الأخرى - مثل تأثير الأصدقاء الجدد أو العلاقات العاطفية - على السلوكيات الصحية.

تأمل الدكتورة سالفاتور وفريقها أن تسهم هذه الدراسة في توجيه المجتمع البحثي نحو فهم أعمق لطرق تأثير الشبكات الاجتماعية على الأفراد. كما أشارت إلى أن هذا الفهم قد يساعد في تطوير برامج صحية واجتماعية جديدة تعتمد على مفهوم “العلاقات الجينية” ودورها في تحسين الصحة العامة.

الجينات الاجتماعية وتأثيرها على حياتنا اليومية

 

تظهر نتائج هذه الدراسة أن الجينات الاجتماعية، أو تأثير البيئة الجينية للأصدقاء، قد تكون لها تداعيات طويلة الأمد على صحة الأفراد وسلوكياتهم. ومن هنا، تكتسب أهمية جديدة لتحذيرات الأهل حول اختيار الأصدقاء بعناية. تؤكد الدراسة أن جينات الأصدقاء قد تؤثر بشكل غير مباشر على المخاطر الصحية والنفسية، مما يضيف بُعدًا جديدًا لفهمنا لعلاقة الأصدقاء والصحة.

تقدم هذه الدراسة رؤية جديدة لفهم الصحة العامة من منظور الشبكات الاجتماعية، وتطرح توجهات مستقبلية قد تغير من طبيعة التدخلات الصحية والاجتماعية، وتؤكد أن استثمار الجهود في دراسة الشبكات الجينية الاجتماعية قد يحمل إمكانات كبيرة لتعزيز الصحة العامة وتحسين جودة حياة الأفراد.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط