موجات حر غير متوقعة تهدد العالم وسط الاحترار العالمي المستمر.
دراسة جديدة تكشف عن موجات حر متطرفة تهدد حياة البشر والبيئة في ظل الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة العالمية.
تشير دراسة جديدة نشرتها مجلة PNAS إلى ظاهرة متزايدة من موجات الحر المتطرفة التي تضرب مناطق معينة على مستوى العالم، مما يهدد حياة البشر ويسبب دمارًا في البيئة. هذه الموجات تؤدي إلى وفيات جماعية وتدمير المحاصيل، مع تصاعد أثرها بسبب التغيرات في التيار النفاث الناتجة عن الاحترار العالمي. تشير النتائج إلى أن هذه الظاهرة قد تصبح أكثر شدة في المستقبل، مما يستدعي استجابة عالمية عاجلة من خلال تحسين البنية التحتية وتعزيز نظم الإنذار المبكر لمواجهة التحديات الصحية والاقتصادية المتزايدة.

موجات الحر المتطرفة: ظاهرة جديدة تهدد العالم وسط ارتفاع درجات الحرارة
سجل عام 2023 أعلى متوسط درجة حرارة على الإطلاق، بزيادة بلغت 2.12 درجة فهرنهايت عن متوسط القرن العشرين، متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجل عام 2016. وكانت السنوات العشر الماضية شاهدة على أعلى درجات حرارة سنوية مسجلة. ومع صيف 2024 الذي يُعتبر الأكثر حرارة حتى الآن، يتجه العام لتحطيم المزيد من الأرقام القياسية. لكن وسط هذه الزيادة في درجات الحرارة العالمية، تظهر ظاهرة جديدة تثير القلق: موجات حرارية إقليمية شديدة لا يمكن تفسيرها أو التنبؤ بها عبر نماذج الاحترار العالمي التقليدية. دراسة حديثة نشرت في مجلة PNAS تقدم أول خريطة عالمية لهذه المناطق، التي تظهر كـ "بقع ساخنة" على كل قارة باستثناء القارة القطبية الجنوبية.
موجات حر غير متوقعة
كشفت الدراسة أن هذه الموجات الحرارية المتطرفة، التي تضرب بشكل متكرر مناطق معينة، تسببت في قتل عشرات الآلاف من الأشخاص، وإتلاف المحاصيل والغابات، وإشعال حرائق مدمرة.
قال كاي كورنهوبير، الباحث الرئيسي في الدراسة وعالم المناخ بمرصد Lamont-Doherty بجامعة كولومبيا: "هذه الموجات الحرارية هي نتيجة تفاعلات فيزيائية ربما لا نفهمها بالكامل بعد. تصبح هذه المناطق كأنها أفران مؤقتة."
أين تقع المناطق الأكثر تضررًا؟
ركزت الدراسة على موجات الحر خلال الـ 65 عامًا الماضية، ووجدت أن المناطق الأكثر تأثرًا تشمل:
- وسط الصين.
- اليابان وكوريا.
- شبه الجزيرة العربية.
- شرق أستراليا.
- أجزاء متفرقة من أفريقيا، كندا، وغرينلاند.
- أقصى جنوب أمريكا الجنوبية.
- سيبيريا، تكساس، ونيو مكسيكو.
أظهرت الدراسة أن شمال غرب أوروبا كان الأكثر تأثرًا، حيث تسببت موجات الحر في وفاة نحو 60,000 شخص في 2022 و47,000 شخص في 2023. هذه المناطق تشهد ارتفاع درجات الحرارة القصوى بمعدل ضعف سرعة ارتفاع متوسط درجات الحرارة الصيفية.
أسباب الظاهرة
بينما يتزايد الاحترار العالمي، فإن أسباب هذه الظاهرة المتطرفة لا تزال غير واضحة بالكامل. توضح الدراسة أن تغيرات في التيار النفاث (Jet Stream)، وهو تيار هوائي سريع يدور حول نصف الكرة الشمالي، قد تكون أحد الأسباب. "مع ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي بوتيرة أسرع من بقية الأرض، يبدو أن ذلك يزعزع استقرار التيار النفاث، مما يؤدي إلى تكوين موجات روسبي (Rossby Waves) التي تحبس الهواء الساخن في مناطق معتدلة لفترات طويلة"، وفقًا لكورنهوبير.

أمثلة لموجات الحر
شمال غرب المحيط الهادئ وكندا (يونيو 2021):
موجة حر استمرت 9 أيام سجلت درجات حرارة قياسية تجاوزت المتوسطات اليومية بـ 30 درجة مئوية (54 درجة فهرنهايت). مدينة ليتون في كولومبيا البريطانية وصلت إلى 121.3 فهرنهايت، قبل أن تدمرها الحرائق في اليوم التالي.
شمال غرب أوروبا (2022-2023):
شهدت ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، وهولندا موجات حر تسببت في آلاف الوفيات.
التأثيرات الصحية والاقتصادية
قال كورنهوبير:"نظرًا لطبيعتها غير المسبوقة، ترتبط هذه الموجات الحرارية بتأثيرات صحية شديدة وخسائر فادحة في الزراعة والبنية التحتية. نحن غير مهيئين لمواجهتها، وقد لا نكون قادرين على التكيف بالسرعة الكافية."
في الولايات المتحدة، على الرغم من جاهزيتها النسبية، لا تزال الحرارة المفرطة تقتل أكثر من أي ظاهرة جوية أخرى، بما في ذلك الأعاصير والفيضانات. في عام 2023، سجلت البلاد 2,325 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، وهو ضعف المعدل منذ 1999.
الحاجة إلى استجابة عاجلة
اقترحت الدراسة تسمية موجات الحر، على غرار الأعاصير، لزيادة الوعي العام ودفع الحكومات لاتخاذ إجراءات وقائية.
مستقبل موجات الحر
النتائج تشير إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات التكيف مع التغير المناخي. من تحسين البنية التحتية وتطوير نظم إنذار مبكر، إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، يجب أن تكون الاستجابة على مستوى التهديد المتزايد.
كما أشار الباحثون إلى أن موجات الحر المتطرفة قد تصبح أكثر تكرارًا وشدة، مما يجعل من الضروري تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه الظاهرة غير المسبوقة.




