تطور القدرات المعقدة للإنسان قد يعود إلى أسلاف مشتركة مع القردة
دراسة جديدة تكشف عن تطور القدرات اللغوية والثقافية لدى البشر قبل انفصالهم عن القردة، مما يغير فهمنا للتطور البشري.
دراسة جديدة نشرت في مجلة PeerJ تظهر أن القدرات الأساسية للغة البشرية والثقافة التكنولوجية قد تكون تطورت قبل انفصال البشر عن القردة العليا منذ ملايين السنين. البحث استند إلى تحليل سلوكيات الشمبانزي البري في غينيا، حيث أظهرت النتائج أن الشمبانزي قادر على تنظيم سلوكيات معقدة مشابهة لتلك التي يستخدمها البشر في الحياة اليومية. هذه الاكتشافات تعزز من الفهم المتجدد حول التطور المشترك بين الإنسان والقردة وتفتح أبوابًا جديدة لفهم تطور اللغة واستخدام الأدوات لدى البشر.

دراسة جديدة تكشف عن جذور القدرات اللغوية والثقافية التقنية لدى البشر قبل انقسامهم عن القردة
دراسة حديثة نشرت في مجلة PeerJ بتاريخ 5 ديسمبر 2024، تشير إلى أن القدرات الأساسية التي تشكل أساس اللغة البشرية والثقافة التقنية ربما تطورت قبل انقسام البشر عن القردة قبل ملايين السنين. وتتميز العديد من السلوكيات البشرية بتعقيدها مقارنة بسلوكيات الحيوانات الأخرى، حيث تتطلب إنتاج تسلسلات معقدة مثل اللغة المنطوقة أو صناعة الأدوات. تشمل هذه السلوكيات القدرة على تنظيم الأفعال ضمن أجزاء هرمية مترابطة، وفهم العلاقات بين عناصر متباعدة داخل التسلسل نفسه.
على سبيل المثال، حتى المهام البسيطة نسبيًا، مثل إعداد كوب من الشاي أو القهوة، تتطلب تنفيذ سلسلة من الخطوات بترتيب صحيح (مثل غلي الماء قبل سكبه). يقوم البشر بتقسيم هذه المهام إلى أجزاء قابلة للحل (مثل غلي الماء، وإحضار الحليب وأكياس الشاي)، ويتألف كل جزء من مجموعة أفعال (مثل الإمساك، السحب، الفتح، السكب). والأهم، يمكن للبشر فصل هذه الأفعال بمراحل أخرى غير متصلة مباشرة (مثل التوقف لتنظيف الحليب المسكوب قبل المتابعة). حتى وقت قريب، لم يكن من المعروف ما إذا كانت هذه القدرة على تنظيم السلوكيات بشكل مرن مقتصرة على البشر أم موجودة أيضًا لدى القردة.
دراسة على الشمبانزي في البرية
في هذه الدراسة الجديدة، قام الباحثون بفحص سلوك الشمبانزي البري، أقرب أقرباء البشر، أثناء استخدام الأدوات، ودرسوا ما إذا كانت أفعالهم منظمة بتسلسلات تشبه السلوكيات البشرية، بدلاً من كونها مجرد استجابات انعكاسية بسيطة. قاد البحث جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسات دولية من المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وألمانيا، وسويسرا، واليابان.
اعتمدت الدراسة على قاعدة بيانات طويلة الأمد من تسجيلات الفيديو للشمبانزي في غابة بوسو في غينيا. يظهر الشمبانزي في هذه التسجيلات وهو يستخدم الحجارة كمطارق وسنادين لكسر قشور المكسرات الصلبة، وهو أحد أكثر السلوكيات الطبيعية توثيقًا من حيث تعقيد استخدام الأدوات لدى الحيوانات البرية. سجل الباحثون حوالي 8,260 فعلًا أثناء معالجة الشمبانزي لأكثر من 300 جوزة. تضمنت الأفعال خطوات مثل الإمساك بالجوز، تمريره بين اليدين، وضعه على السندان، وغيرها.
نتائج تشير إلى تخطيط وتنظيم شبيه بالبشر
باستخدام نماذج إحصائية متطورة، اكتشف الباحثون أن تسلسلات أفعال الشمبانزي تتضمن علاقات بين الأفعال تتوافق مع الأنماط التي تظهر في السلوكيات البشرية. نصف الشمبانزي البالغين كانوا قادرين على ربط أفعال بعيدة داخل التسلسل بشكل لم يكن ليحدث إذا كانت الأفعال مترابطة بشكل بسيط وآلي. يشير ذلك إلى أن الشمبانزي يخطط لتسلسلات الأفعال ويعدل أدائه أثناء التنفيذ.
ستركز الأبحاث المستقبلية على فهم كيفية ظهور هذه العلاقات في تنظيم الأفعال، والتي يمكن أن تشمل توقف الشمبانزي لإعادة ضبط الأدوات قبل المتابعة، أو إحضار عدة مكسرات في وقت واحد لمعالجتها في تسلسل طويل. هذه النتائج تقدم دليلًا إضافيًا على المرونة التقنية التي تشبه البشر.
تنوع بين الأفراد وسلوكيات مشابهة للبشر
تشير النتائج إلى أن معظم الشمبانزي ينظم الأفعال بطريقة مشابهة للبشر من خلال إنتاج "أجزاء" قابلة للتكرار. ومع ذلك، لوحظت اختلافات بين الأفراد، مما يشير إلى أن استراتيجيات تنظيم السلوكيات قد لا تكون عالمية لدى الشمبانزي كما هي عند البشر.

أبعاد تطورية وثقافية للحفاظ على الشمبانزي
قال الدكتور إليوت هوارد-سبينك، الباحث الرئيسي في الدراسة (الذي كان يعمل سابقًا في قسم الأحياء بجامعة أكسفورد، ويعمل الآن في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوانات): "إن القدرة على تنظيم الأفعال الفردية بمرونة داخل تسلسلات استخدام الأدوات كانت على الأرجح مفتاحًا لنجاح البشر عالميًا. وتشير نتائجنا إلى أن الجوانب الأساسية للسلوكيات التسلسلية البشرية ربما تطورت قبل آخر سلف مشترك للبشر والشمبانزي، ثم تم تطويرها بشكل أكبر خلال تطور الإنسان اللاحق".
من جهته، صرح البروفيسور تيبو غروبر، الباحث المشارك من جامعة جنيف: "هناك اهتمام متجدد بفكرة التطور المشترك بين اللغة واستخدام الأدوات الحجرية في تطور الإنسان. وتساهم دراستنا في هذا النقاش. بينما يمكننا بسهولة ربط نتائجنا باستخدام الأدوات الحجرية عند أسلاف البشر، فإن كيفية ارتباطها بتطور سلوكيات معقدة أخرى مثل اللغة تبقى مجالًا مثيرًا للأبحاث المستقبلية".
وأوضحت البروفيسورة دورا بيرو، الباحثة المشاركة من جامعة روتشستر: "هناك اعتراف متزايد بأهمية الحفاظ على السلوكيات الثقافية لدى الحيوانات البرية، مثل استخدام الأدوات الحجرية لدى شمبانزي غرب أفريقيا، ودمجها في جهود الحفظ. الشمبانزي البري وثقافاته معرضة لخطر الانقراض بشكل حرج، ومع ذلك تسلط أبحاثنا الضوء على مقدار ما يمكننا تعلمه من أقرب أقربائنا عن تاريخنا التطوري".
خطوات مستقبلية في البحث
نظرًا لأن العديد من القردة العليا تمارس سلوكيات تغذية تقنية معقدة، فمن المرجح أن تكون القدرة على إنشاء تسلسلات معقدة مشتركة بين أنواع القردة. ومع ذلك، هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لتأكيد هذه الفرضية، وهو ما سيعمل عليه الفريق في المستقبل.
كما يخطط الباحثون للتحقيق في كيفية تنظيم الشمبانزي للأفعال داخل أجزاء ذات مستوى أعلى أثناء استخدام الأدوات. وسيهدف البحث إلى توضيح القواعد التي يتبعها الشمبانزي في إنشاء هذه التسلسلات السلوكية، ودراسة كيفية ظهور هذه الهياكل أثناء تطور الأفراد وتغيرها خلال حياتهم.




