ميانمار تحت وطأة الصراع: انهيار الاقتصاد، تصاعد المقاومة، وتدخل الصين في موازين القوى
سقوط لاشيو يعيد تشكيل الصراع في ميانمار.. تقدم المعارضة، انهيار الاقتصاد، وتحولات في موقف الصين.
ميانمار تواجه انهيارًا عسكريًا واقتصاديًا.. كيف أعادت خسائر الجيش ترتيب المشهد السياسي ودفع الصين إلى تغيير استراتيجيتها؟
تعيش ميانمار مرحلة غير مسبوقة من الصراع، حيث فقد الجيش السيطرة على مناطق واسعة، بينما تحقق المعارضة تقدمًا ملحوظًا. وأثارت هزيمة الجيش في لاشيو موجة من الاضطرابات السياسية، وسط تغيير في موقف الصين، التي بدأت بدعم استقرار النظام بدلاً من المعارضة. ورغم توقف الضربات الجوية، لا تزال الحياة صعبة للسكان، حيث يعانون من انهيار اقتصادي حاد، نقص في الغذاء، وتزايد الفقر. ومع تصاعد المخاوف من مجاعة وشيكة في ولاية راخين، يبقى الوضع في البلاد معقدًا ومفتوحًا على جميع السيناريوهات.

مدينة لاشيو بعد القتال.. دمار واسع ومخاوف مستمرة رغم غياب القوات العسكرية
تشهد شوارع مدينة لاشيو في شمال شرق ميانمار هدوءًا غير معتاد، حيث أغلقت معظم المدارس أبوابها، باستثناء تلك التي يديرها متطوعون من المقاومة المؤيدة للديمقراطية. ورغم توقف القتال، لا تزال الخدمات الأساسية مثل الكهرباء معطلة، مما أجبر السكان على الاعتماد على الطاقة الشمسية لشحن هواتفهم، بينما يعتمدون على الحطب والفحم للطهي.
ويصف أحد سكان المدينة البالغ من العمر 40 عامًا، المشاهد المروعة التي شهدها خلال القتال قائلاً:
“رأينا الكثير من المدنيين الذين فقدوا حياتهم خلال المعارك. كانت الجثث منتشرة في الشوارع والمنازل، بعضها كان متحللًا بالفعل، بينما كان البعض الآخر قد توفي حديثًا”. عاشت أسرته تحت القصف الجوي المستمر، حيث كانوا يختبئون في ملاجئ مؤقتة كلما اقتربت الطائرات الحربية. ورغم توقف القتال، لا تزال آثار الدمار واضحة، والخوف من المستقبل يسيطر على السكان.
هزيمة مدوية للجيش في لاشيو.. نقطة تحول في الصراع العسكري
تحولت لاشيو إلى مركز لهزيمة تاريخية للجيش الميانماري، بعد أن فقد السيطرة عليها لصالح جيش التحالف الديمقراطي الوطني لميانمار (MNDAA) في أغسطس الماضي، رغم أشهر من الضربات الجوية المكثفة. ويعد سقوط لاشيو أول خسارة عسكرية كبيرة للجيش، حيث فقد أحد أهم مقراته الإقليمية الأربعة عشر، إلى جانب فقدان مدينة استراتيجية تقع على الحدود مع الصين. هذه الهزيمة أثارت غضب المؤيدين للعسكر، حيث طالب بعضهم باستقالة قائد المجلس العسكري مين أونغ هلاينغ.
تصاعد المقاومة.. الجيش يفقد السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد
رغم الدعم المتزايد الذي تتلقاه الطغمة العسكرية من الصين، فإنها فقدت السيطرة على أجزاء كبيرة من ميانمار، مع دخول الصراع عامه الخامس.
وتواجه القوات الحكومية مقاومة شرسة من مجموعة من الفصائل، بما في ذلك:
• قوات الدفاع الشعبية التي تأسست بعد انقلاب 2021 لاستعادة الديمقراطية.
• الجماعات المسلحة العرقيةالتي تسعى إلى الاستقلال.
ووفقًا لـ “مرصد السلام في ميانمار”، فإن المعارضة سيطرت على 95 مدينة، كما فقد الجيش أكثر من 200 قاعدة عسكرية و14 مدينة في ولاية كاتشين الشمالية، بما في ذلك مراكز تعدين المعادن النادرة.
تشير التقديرات إلى أن المجلس العسكري يسيطر فقط على 21% من أراضي البلاد، لكنه لا يزال يحتفظ بالمراكز الحضرية الكبرى. وتعهد الجيش بإجراء انتخابات هذا العام، في خطوة تدعمها الصين، لكن المراقبين يشككون في إمكانية تنفيذها وسط هذا الوضع الأمني المتدهور.

الصين تغير موقفها من الأزمة.. تدخل استراتيجي لحماية المصالح
بعد سقوط لاشيو، تصاعدت التكهنات حول إمكانية تحرك المعارضة جنوبًا نحو مدينة ماندالاي الاستراتيجية، والتي يمكن أن تكون محطة للزحف إلى العاصمة نايبيداو. دفعت هذه المخاوف الصين إلى تعديل استراتيجيتها، فبعد أن كانت تدعم هجمات التحالف الديمقراطي الوطني ضد الجيش، بدأت بفرض قيود على تدفق الموارد عبر حدودها. ويرى المحللون أن الصين، رغم عدم رضاها عن إدارة المجلس العسكري، إلا أنها تخشى انهياره بشكل فوضوي، مما قد يخلق فراغًا سياسيًا خطيرًا يهدد استثماراتها الضخمة في ميانمار.
لاشيو تحت سيطرة المعارضة.. مخاوف جديدة رغم غياب الجيش
رغم إعلان الصين عن وقف إطلاق النار، إلا أن تفاصيل الاتفاق غير واضحة، فيما لا تزال لاشيو تحت سيطرة التحالف الديمقراطي الوطني. بدأ السكان في العودة إلى المدينة مع رفع حظر التجول العسكري، لكن هناك مخاوف من إجبار المدنيين على التجنيد الإجباري من قبل القوات المسيطرة، رغم نفي التحالف لهذه المزاعم. كما يثير فرض الأحكام العرفية في المدينة قلق الحقوقيين، خاصة بعد تنفيذ إعدامات علنية في مدينة لاوكاي، التي تسيطر عليها نفس الفصائل المسلحة.
تفشي الفقر ومخاوف من مجاعة في راخين.. أزمة إنسانية متفاقمة
تعاني لاشيو من أزمة اقتصادية حادة، حيث تضاعفت تكلفة المعيشة مقارنة بالمدن الكبرى مثل يانغون وماندالاي. . وأدت الحرب إلى ارتفاع معدلات الفقر، حيث يعيش نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يواجه ثلث السكان خطر الانزلاق إلى نفس المصير. وحذرت الأمم المتحدة من خطر المجاعة الوشيكة في ولاية راخين، نتيجة الحصار التجاري والتصعيد العسكري. كما تعاني الخدمات الصحية والتعليمية من انهيار شبه كامل. ويشهد ميانمار هجرة جماعية للشباب، بعد فرض التجنيد الإجباري من قبل الجيش، مما أدى إلى فرار أعداد كبيرة من المدن.




