إندونيسيا توسّع دور الجيش في الشؤون المدنية وسط مخاوف من عودة الحكم الاستبدادي وتقليص الديمقراطية
توسيع صلاحيات الجيش في إندونيسيا يثير انتقادات واسعة، والمجتمع المدني يحذر من مخاطر عسكرة المؤسسات المدنية وتقويض الإصلاحات الديمقراطية.
إقرار قانون جديد يمنح العسكريين أدوارًا مدنية يثير جدلاً واسعًا في إندونيسيا، وسط اتهامات بانتهاك الشفافية والعودة إلى هيمنة الجيش على الحياة السياسية.
أقرّ البرلمان الإندونيسي قانونًا جديدًا يوسّع دور الجيش في المؤسسات المدنية، ما أثار جدلًا واسعًا حول مخاطر عودة الحكم الاستبدادي. يسمح القانون للعسكريين بتولي مناصب حكومية في 14 مؤسسة دون الحاجة للاستقالة من الخدمة، مما يعيد للأذهان حقبة الديكتاتور سوهارتو. وبينما دافعت الحكومة عن التعديلات باعتبارها ضرورة لمواكبة التحديات الأمنية، وصفها النشطاء بأنها تهديد مباشر للديمقراطية. ومع تزايد الدور العسكري في إدارة الدولة، يتخوف المراقبون من تقويض الإصلاحات الديمقراطية التي تم تحقيقها منذ عام 1998.

إندونيسيا تُقر قانونًا جديدًا يوسّع نفوذ الجيش في الحكومة المدنية
أقرّ البرلمان الإندونيسي، بدعم من الرئيس برابوو سوبيانتو، تعديلات على قانون الجيش لعام 2004، تتيح للعسكريين شغل مناصب مدنية في 14 مؤسسة حكومية دون الحاجة إلى الاستقالة من الخدمة، بعدما كانت تقتصر على 10 مؤسسات فقط. هذه الخطوة أثارت مخاوف من عودة النفوذ العسكري إلى السياسة، في مشهد يعيد إلى الأذهان حقبة الديكتاتور سوهارتو، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية لعقود.
الاحتجاجات تعمّ المدن الكبرى وسط اتهامات بتمرير القانون بسرية
شهدت مدن إندونيسية مثل جاكرتا وسورابايا احتجاجات واسعة، حيث ندد المتظاهرون بتنامي النفوذ العسكري في الحياة المدنية. وعبّر الناشطون عن غضبهم بسبب غياب الشفافية في مناقشة القانون، إذ تم تمريره بسرعة ودون مشاورات كافية مع المجتمع المدني. ديماس باغوس أريا، من منظمة “كونتراس” لحقوق الإنسان، وصف تمرير القانون بأنه “عملية سرية” تمت بعيدًا عن أعين الشعب. وأضاف أن “التعديلات نُوقشت في جلسات مغلقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكأنها لا تخص المصلحة العامة”، مؤكدًا أن ذلك يعدّ انتهاكًا للإجراءات الدستورية.
وزير الدفاع ينفي وجود أجندة استبدادية خلف القانون الجديد
على الجانب الآخر، دافع وزير الدفاع سيفري شمس الدين، وهو جنرال سابق، عن القانون، مؤكدًا أن الهدف منه هو “تحديث الجيش ليتماشى مع التغيرات الجيوسياسية والتكنولوجية”، وليس إعادة عقارب الساعة إلى عهد الديكتاتورية. وأضاف في تصريحات إعلامية: “لم نعد نتبع نظام “النظام الجديد”، بل نركز على تطوير قواتنا المسلحة مع احترام الديمقراطية وسيادة القانون”.
المخاوف تتزايد بشأن عودة “الوظيفة المزدوجة” للجيش
خلال عهد سوهارتو، كان الجيش يلعب دورًا مزدوجًا في حماية الأمن وإدارة الحكومة، حيث كان الضباط العسكريون يشغلون مناصب وزارية ومقاعد في البرلمان، وهو ما عُرف آنذاك بـ “الوظيفة المزدوجة” للقوات المسلحة. أل أراف، من منظمة “إمبارسيال” الحقوقية، أوضح أن الخطر الحقيقي يكمن في “تحويل الجيش من مؤسسة دفاعية إلى قوة مسيطرة على القطاعات المدنية، مما يهدد التوازن الديمقراطي”.

المناصب المدنية التي سيشغلها العسكريون بموجب القانون الجديد
وفقًا للتعديلات، يمكن لضباط الجيش تولي مناصب في المؤسسات التالية:
• مجلس الأمن القومي والسياسة الدفاعية.
• الأمانة العامة للرئاسة ومجلس الأمن الرئاسي.
• وكالة الاستخبارات الحكومية.
• هيئة الأمن السيبراني وإدارة الكوارث ومكافحة الإرهاب.
• مكتب المدعي العام والمحكمة العليا.
أدوار عسكرية بارزة في إدارة شؤون الدولة
بالرغم من تعهد برابوو سوبيانتو خلال حملته الانتخابية بالالتزام بالإصلاحات الديمقراطية، إلا أن حكومته أظهرت اتجاهًا متزايدًا نحو تعزيز دور الجيش في إدارة شؤون الدولة. ففي خطوة غير مسبوقة منذ سقوط سوهارتو، عيّن الرئيس اللواء نوفيل هلمي براتسيتيا رئيسًا لوكالة التخزين الغذائي الحكومية، وهو أول جنرال نشط يشغل هذا المنصب منذ عقود. كما تم تعيين الميجور تيدي إندرا ويجايا سكرتيرًا لمجلس الوزراء، مما يعكس زيادة تأثير الجيش في القرارات الاقتصادية والاجتماعية.
اتهامات بتقويض الاحترافية العسكرية وتحويل الجيش إلى أداة سياسية
حذّر نشطاء حقوق الإنسان من أن منح الجيش مهامًا تتجاوز دوره الدفاعي سيؤدي إلى تقويض احترافيته العسكرية. وأكد ديماس باغوس أريا أن “دور الجيش هو حماية البلاد، وليس إدارة البرامج الاجتماعية أو العمل كأداة سياسية للحكومة”. وأضاف أن هذا القانون “يعكس توجهًا مقلقًا لاستغلال الجيش كأداة لإدارة شؤون الدولة، بدلًا من التركيز على مهامه الدفاعية”.
تداعيات قانون الجيش على مستقبل الديمقراطية في إندونيسيا
مع استمرار المعارضة للقانون، يرى مراقبون أن تمريره يشكّل نقطة تحول في مستقبل الحكم في إندونيسيا. ورغم تأكيد الحكومة أن القانون يهدف إلى التكيف مع تحديات العصر، إلا أن النقاد يخشون أن يكون بداية لعودة الحكم العسكري تحت غطاء قانوني.




