مجرات مخفية قد تعيد رسم خريطة الكون! دراسة حديثة تكشف أدلة على مجموعة غير مرئية من المجرات في أماكن بعيدة
باستخدام تقنيات غير تقليدية، اكتشف العلماء مجرات مخفية تفتح الباب أمام أسئلة كونية جديدة.
هل يمكن أن تكون هناك مجرات مخفية تمامًا عن أعيننا؟ اكتشاف جديد قد يُحدث ثورة في فهمنا لعدد المجرات وكيف تطورت عبر الزمن.
توصل فريق بحثي دولي إلى اكتشاف محتمل لمجموعة من المجرات "المخفية" في الكون باستخدام أداة SPIRE من مرصد Herschel. تم الحصول على أعمق صورة للأشعة تحت الحمراء، مما كشف عن مجرات باهتة لم ترصدها تقنيات المراقبة السابقة. هذه النتائج قد تغيّر النماذج الحالية حول تطور وعدد المجرات. من المتوقع أن تعزز هذه الاكتشافات دور التلسكوبات المستقبلية مثل PRIMA، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم نصف الكون "المظلم" والمخفي عن الضوء المرئي.

اكتشاف مجرات مخفية قد تعيد تشكيل فهمنا لتطور الكون
في دراسة جديدة نُشرت في Monthly Notices of the Royal Astronomical Society، كشف فريق من الباحثين بقيادة STFC RAL Space وImperial College London عن أدلة محتملة على وجود مجموعة من المجرات "المخفية"، والتي قد تؤدي إلى تغيير جذري في النماذج الحالية لعدد المجرات وتطورها عبر الزمن. إذا تم تأكيد وجود هذه المجرات، فإنها لن تُعيد فقط تشكيل فهمنا لعدد المجرات في الكون، بل ستساعد أيضًا في تفسير الانبعاثات الطاقية في الضوء تحت الأحمر، وهو أحد الألغاز الكونية التي لم تُحل بعد.
أعمق صورة للكون في الأشعة تحت الحمراء تكشف عن أدلة غير مسبوقة
اكتُشفت هذه المجرات المحتملة عند تحليل أعمق صورة تم التقاطها على الإطلاق للكون في الأطوال الموجية البعيدة من الأشعة تحت الحمراء. تضم هذه الصورة حوالي 2000 مجرة بعيدة، وتم إنشاؤها باستخدام بيانات من أداة SPIRE التابعة لمرصد Herschel Space Observatory، وهو مشروع تابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي عمل بين عامي 2009 و2013. قادت الدراسة الدكتور كريس بيرسون من STFC RAL Space، والذي أوضح أن هذا العمل دفع حدود إمكانيات مرصد Herschel إلى أقصى مدى، مما سمح بالكشف عن مجرات قد تكون غير مرئية بطرق الرصد التقليدية. وأشار إلى أن هذه المجرات الباهتة جدًا قد تكون مسؤولة عن الانبعاثات الطاقية الخافتة التي نراها في الكون، مما يعزز فهمنا للكون في الأطوال الموجية الطويلة.
تجميع صور لرصد أكثر المجرات غبارًا في الكون
لتكوين هذه الصورة العميقة، قام العلماء بتكديس 141 صورة معًا، مما أدى إلى إنتاج ما يُعرف بـ Herschel-SPIRE Dark Field، وهي أعمق صورة للأشعة تحت الحمراء البعيدة حتى الآن. هذه الصورة أعمق بخمس مرات من أعمق صورة سابقة التقطها مرصد Herschel، وهي أيضًا أكثر عمقًا بمرتين على الأقل من أي صورة أخرى التقطها هذا التلسكوب.
بفضل هذه التقنية، تمكن الباحثون من رصد المجرات الأكثر غبارًا، وهي الأماكن التي تتشكل فيها معظم النجوم الجديدة في الكون. كما استطاعوا تحليل كيفية تغير عدد المجرات مع سطوعها وقياس مساهمة كل مجرة في إجمالي الطاقة المشعة في الكون.
تحديات تحليل البيانات وسط ازدحام المجرات
لكن هذه الصورة العميقة كانت مليئة بالمجرات إلى درجة أن بعضها بدأ بالاندماج مع بعضها البعض، مما جعل من الصعب تمييز كل مجرة بشكل فردي. وفقًا لـ توماس فارنيش، طالب الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، والذي كان المؤلف الرئيسي للدراسة الثانية، فإن هذا الازدحام الشديد كان تحديًا رئيسيًا في تحليل البيانات.
أوضح فارنيش أنه للتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون تقنيات إحصائية متقدمة لتحليل الأجزاء الأكثر ضبابية من الصورة، مما مكّنهم من نمذجة التوزيع الأساسي للمجرات غير المرئية بوضوح في الصورة الأصلية. وأضاف: "ما وجدناه هو دليل محتمل على وجود مجموعة جديدة تمامًا من المجرات الباهتة، والتي كانت مخفية في الضبابية ولم يكن من الممكن اكتشافها بالطرق التقليدية".

هل يمكن أن تغيّر هذه المجرات فهمنا لنشأة الكون؟
إذا تم تأكيد وجود هذه المجموعة الجديدة من المجرات، فقد يؤدي ذلك إلى "كسر" جميع النماذج الحالية التي تفسر عدد المجرات وتطورها. يأمل الباحثون في تأكيد وجود هذه المجرات باستخدام تلسكوبات تعمل بأطوال موجية أخرى، وذلك لفهم طبيعتها ودورها في تاريخ الكون. ووفقًا للدكتور بيرسون، فإن نصف المعلومات التي نعرفها عن الكون تأتي من الضوء المرئي، بينما يُخفي الغبار الكوني النصف الآخر، إذ يتم امتصاص ضوء النجوم وإعادة انبعاثه كإشعاع تحت أحمر بارد. وأكد أنه لفهم تطور الكون بشكل كامل، لا بد من دراسة السماء في كل من الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء ذات الأطوال الموجية الطويلة.
مستقبل دراسة الكون في الأشعة تحت الحمراء
كان مرصد Herschel هو التلسكوب الفضائي الأكبر للأشعة تحت الحمراء حتى تم استبداله بـ James Webb Space Telescope في عام 2021. ومع ذلك، لا تزال بياناته تقدم اكتشافات مذهلة بعد أكثر من عشر سنوات من توقفه عن العمل. ويؤكد الدكتور ديفيد كليمنتس، عالم الفلك في Imperial College London والمشارك في البحث، أن أرشيف Herschel لا يزال يُسهم في تحقيق اكتشافات جديدة، لكنه شدد على ضرورة تطوير جيل جديد من التلسكوبات العاملة في نطاق الأشعة تحت الحمراء البعيدة. هنا يأتي دور PRIMA، وهو مشروع مقترح لناسا بدعم من مؤسسات بريطانية مثل RAL Space وجامعات Sussex وImperial College London وCardiff University. ويهدف مشروع PRIMA إلى سد الفجوة بين المراصد الحالية مثل James Webb Space Telescope والتلسكوبات الراديوية، حيث سيتضمن تلسكوبًا بقطر 1.8 متر مُصممًا خصيصًا لدراسة الأشعة تحت الحمراء البعيدة. يعد PRIMA واحدًا من اثنين من المشاريع المقترحة لمهمة ناسا المقبلة بقيمة مليار دولار، ومن المتوقع أن يتم اتخاذ القرار النهائي بشأنه في عام 2026.





