رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:58 م calendar السبت 18 يوليو 2026

هل يحمل حمضك الوراثي خطر الإصابة بالجلطات الوريدية؟

اكتشاف ثلاث طفرات جينية ترتبط بخطر مرتفع لتجلط الدم في الساق بنسبة تصل إلى 180%.

كيف ترتبط الجينات
كيف ترتبط الجينات بالجلطات الوريدية؟ - illustration

سكون تام في الأوردة، ثم جلطة! الجلطات الوريدية ليست فقط بسبب الجلوس الطويل، بل قد تكون مطبوعة في حمضك الوراثي

توصلت دراسة من جامعة لوند إلى أن ثلاث طفرات جينية خطيرة قد ترفع خطر الإصابة بالجلطات الوريدية بنسبة تصل إلى 180%، ما يعزز دور العوامل الوراثية في تكوين الجلطات. النتائج تدعو إلى تحديث طرق الوقاية وتخصيص العلاج وفقًا للمخاطر الجينية. وتشير الدراسة إلى أن أكثر من نصف حالات الجلطات الوريدية في السويد لها خلفية وراثية، مما يُبرز الحاجة لفحوصات جينية مبكرة واعتماد نهج "الطب الشخصي" لتقليل مضاعفاتها.


ما دور الطفرات الجينية في تجلط الدم؟
كيف تؤثر الجينات على خطر الإصابة بالجلطات الوريدية؟ - illustration

جامعة لوند تكشف العلاقة بين الجينات والجلطات الوريدية وتدعو لتحديث طرق الوقاية والعلاج

 

في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Research and Practice in Thrombosis and Haemostasis، كشف باحثون من جامعة لوند السويدية عن اكتشاف ثلاث طفرات جينية تزيد خطر الإصابة بـ الجلطات الوريدية في الساق بنسبة قد تصل إلى 180%. وتُعد هذه النتائج تقدمًا نوعيًا في فهم الأسباب الوراثية للجلطات الدموية، التي غالبًا ما تكون مميتة، رغم أنها لا تحظى بنفس الاهتمام الذي تحظى به الجلطات الشريانية في الأوساط الطبية والإعلامية.

الجلطات الوريدية والشريانية: فروق جوهرية في الأسباب والمخاطر

 

تختلف الجلطات الوريدية عن الجلطات الشريانية من حيث الآلية والمخاطر. بينما تنشأ الجلطات الشريانية بسبب انفجار ترسبات الكوليسترول في الشرايين وتنشيط الصفائح الدموية، تؤدي إلى نوبات قلبية أو سكتات دماغية، تتشكل الجلطات الوريدية عندما يتباطأ تدفق الدم أو يركد، خصوصًا في أوردة الساق. في هذه الحالة، ينشط الجسم نظام التخثر، مما يؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية. وإذا تحركت الجلطة إلى الرئتين، فقد تُسبب الانصمام الرئوي، وهي حالة طارئة مهددة للحياة.

نصف حالات الجلطات الوريدية في السويد تعود لأسباب جينية

 

بحسب البروفيسور بنغت زولر من مستشفى سكونه الجامعي وجامعة لوند، فإن أكثر من 10,000 شخص يُصابون سنويًا في السويد بـ جلطة وريدية، وأن ما يقرب من نصف هذه الحالات تُعزى إلى عوامل وراثية. وتشير الإحصاءات إلى أن التقدم في العمر يزيد من المخاطر، إذ يعاني 10% من الأشخاص فوق سن 80 من تجلط دموي خلال حياتهم. كذلك فإن زيادة الطول والوزن يؤثران سلبًا على تدفق الدم في الأوردة، ويرفعان من خطر التجلط بسبب ضعف العودة الوريدية وتأثير الجاذبية.

نمط الحياة والسمنة: عوامل تكميلية تعزز خطر الإصابة بالجلطات الوريدية

 

تلعب السمنة وقلة النشاط البدني دورًا مهمًا في تعزيز خطر التجلط الوريدي، إذ تؤثر بشكل مباشر على الدورة الدموية وتزيد من نشاط بعض عوامل التخثر في الدم. وبينما لا تزال العلاقة بين النظام الغذائي وخطر الجلطات غير حاسمة، إلا أن بعض الدراسات أظهرت أن الأطعمة فائقة التصنيع قد ترفع من المخاطر، في حين تساهم الأنظمة الغذائية النباتية الغنية بالألياف والأوميغا-3 في تقليلها. ومن المثير للاهتمام أن الصيادين التجاريين – الذين يستهلكون كميات كبيرة من الأسماك – سجلوا معدلات منخفضة نسبيًا من التجلط.

الجينات المسؤولة عن الجلطات الوريدية: ABO وF8 وVWF

 

اعتمد الباحثون على بيانات من دراسة "Malmö Kost Cancer" التي شملت أكثر من 30,000 شخص، وتم خلالها تحليل 27 جينًا مرتبطًا بتخثر الدم. حددت الدراسة ثلاث طفرات جينية خطرة في جينات:

ABO، F8، وVWF، وقد تبين أنها تزيد خطر التجلط بنسبة تتراوح بين 10% إلى 30% لكل طفرة. أما الأشخاص الذين يحملون خمس طفرات متراكبة، فقد ارتفع لديهم الخطر بنسبة مذهلة وصلت إلى 180%.

هذه النسبة توازي في خطورتها ما يُعرف بطفرات "عامل Vلايدن"، التي توجد لدى حوالي 10% من سكان السويد.

وبينما يقتصر وجود "عامل V لايدن" على الأوروبيين الهنود، فإن الطفرات الثلاث الجديدة تنتشر بين الشعوب العالمية بنسبة تتراوح بين 5% إلى 50%، مما يفتح المجال أمام دراسات عالمية حول تحديد مدة العلاج بـ مضادات التخثر بناءً على الخصائص الوراثية للفرد.

طفرات جينية نادرة ترفع خطر الجلطات الوريدية بنسبة 180%
ما دور الطفرات الجينية في تجلط الدم؟ - illustration

متى تزداد احتمالية الإصابة بالجلطات الوريدية؟ محفزات طبية وسلوكية ترفع خطر التجلط

 

تزداد احتمالية الإصابة بـ الجلطة الوريدية في حالات معينة تُعرف بأنها محفزات مباشرة لتنشيط نظام التخثر داخل الجسم. من أبرز هذه الحالات، الاستلقاء لفترات طويلة بعد العمليات الجراحية أو البقاء في الفراش إثر المرض أو الإصابة، حيث يؤدي ذلك إلى ركود الدم داخل الأوردة، مما يرفع احتمالات التجلط. كما أن السفر لفترات طويلة، خاصة في الرحلات الجوية التي تتطلب الجلوس لعدة ساعات دون حركة، يمثل خطرًا على تدفق الدم الطبيعي، وبالتالي يُعد من العوامل المعروفة في تكوين الجلطات. الإصابة بالالتهابات، لا سيما تلك التي تؤثر على جدران الأوعية الدموية، تُعد محفزًا إضافيًا يسبب تنشيطًا مفرطًا لعوامل التخثر. كذلك فإن الحمل يُمثل مرحلة فسيولوجية خاصة ترتفع فيها عوامل التجلط وتقل مستويات بعض البروتينات الواقية، مما يجعل النساء الحوامل أكثر عرضة للإصابة بـ الجلطات الوريدية، خصوصًا في الفترات المتقدمة من الحمل أو بعد الولادة. يُشير الأطباء إلى أن هذه الحالات تتطلب متابعة طبية دقيقة، خاصة عند وجود عوامل وراثية للتخثر.

الوقاية من الجلطات الوريدية: نمط حياة نشط وتحليل وراثي لتحديد عوامل الخطر

 

تشير التوصيات الطبية الحديثة إلى أن الوقاية من الجلطات الوريدية تتطلب تبني نمط حياة نشط يتضمن الحفاظ على الحركة المنتظمة وتفادي الجلوس أو الاستلقاء لفترات طويلة دون انقطاع، خاصة أثناء السفر أو بعد العمليات الجراحية. كما يُعد ارتداء الجوارب الضاغطة مفيدًا في الحالات التي تستدعي الوقوف أو الجلوس لساعات طويلة. في حالات الخطر المرتفع، مثل الخضوع لجراحات كبرى أو الإصابة بأمراض مزمنة كالأورام، يتم اللجوء إلى مضادات التخثر للحد من احتمالية تكوّن الجلطات. ومن العوامل المؤثرة أيضًا الامتناع عن التدخين، إذ يساهم التبغ في زيادة لزوجة الدم وتنشيط عوامل التجلط. وبالنسبة للنساء، يُنصح بتفادي استخدام حبوب منع الحمل الهرمونية أو الخضوع للعلاج الهرموني في حال وجود تاريخ عائلي للإصابة بالجلطات أو إذا كانت السيدة نفسها قد عانت من جلطة في السابق. كذلك يمكن أن يكون تحليل الاستعداد الوراثي للتخثر خطوة مهمة في تقييم احتمالات الخطر بدقة، وتحديد الحاجة للتدخل المبكر في الحالات ذات الحساسية الوراثية المرتفعة.

الطب الشخصي وتخصيص العلاج: مستقبل إدارة الجلطات الوريدية بناءً على الجينات

 

تفتح هذه النتائج العلمية الطريق نحو تطبيقات أوسع لمفهوم الطب الشخصي، الذي يعتمد على تحليل الصفات الوراثية لكل مريض لتخصيص البروتوكولات العلاجية والوقائية. وفي ضوء النتائج التي توصل إليها فريق جامعة لوند، يؤكد البروفيسور زولر أهمية تبني نهج فردي لتقييم خطر الإصابة بالجلطات الوريدية، بدلًا من الاعتماد على التوصيات العامة الموحّدة. هذا التوجه المستقبلي يُعد حجر الأساس في تقنيات الطب الحديث، حيث يمكن من خلال فهم دقيق للعوامل الوراثية المساهمة في التجلط أن يتم ضبط جرعات الأدوية، ومدتها، واختيار العلاجات الأقل خطرًا، بما يقلل من المضاعفات ويحسّن نتائج العلاج على المدى الطويل. في عالم تتقدم فيه تقنيات فحص الحمض النووي بسرعة، يصبح تخصيص العلاج وفق التركيب الجيني مسارًا واعدًا في مكافحة الجلطات الدموية الوريدية وتقليل نسب الوفاة المرتبطة بها.

تم نسخ الرابط