ملايين الأطفال حول العالم يواجهون خطر الإصابة بأمراض قاتلة بسبب تراجع التغطية العالمية للقاحات
تُظهر دراسة دولية جديدة تدهورًا ملحوظًا في برامج تطعيم الأطفال في العديد من الدول، محذّرة من تداعيات وخيمة جراء انخفاض التمويل وتزايد الشكوك المجتمعية، وتدعو إلى إجراءات عاجلة لمعالجة الفجوة في الوصول للقاحات
التدهور المستمر في برامج اللقاح العالمية يعرّض ملايين الأطفال لأمراض مميتة يمكن الوقاية منها بالكامل، ويهدد استقرار الصحة العامة في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
أفادت دراسة حديثة نشرتها مجلة "لانسيت" الطبية بأن جهود تلقيح الأطفال ضد الأمراض القاتلة قد شهدت ركودًا حادًا خلال العقد الأخير، حيث سجّلت نسب التغطية تراجعًا كبيرًا في عدد من الدول، بما فيها الغنية. يُعد هذا الركود تهديدًا مباشرًا لصحة ملايين الأطفال، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص الرعاية الطبية. وأوضحت الدراسة أن جائحة كوفيد-19 فاقمت الوضع من خلال تعطيل البرامج الروتينية، في حين تُفاقم الشكوك المجتمعية والمعلومات المضللة حول اللقاحات الأزمة بشكل متسارع. الباحثون يدقّون ناقوس الخطر من احتمال عودة أمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا، داعين الحكومات إلى توسيع الوصول العادل للقاحات ودعم أنظمة الرعاية الصحية الأساسية.

الركود العالمي في تلقيح الأطفال يهدد استقرار الصحة العامة
سلّطت الدراسة الضوء على أن تغطية لقاحات الطفولة، التي كانت تتقدم بثبات لعقود، قد بدأت في التراجع منذ عام 2010، مشيرة إلى توقف شبه تام في التوسع بمجال التحصين. ووفقًا للبيانات، فإن بعض الدول باتت تُسجّل انخفاضًا حادًا، وخصوصًا في اللقاحات الأساسية مثل الحصبة. هذا التباطؤ لا يقتصر على الدول ذات الموارد الضعيفة، بل يمتد إلى دول ذات نظم صحية متقدمة، مما يثير القلق من عودة الأمراض المعدية التي اعتُبرت منتهية منذ سنوات.
جائحة كوفيد-19 سبّبت انتكاسة خطيرة في جهود التطعيم
الجائحة تسببت بتعطيل واسع في أنشطة التلقيح الروتيني، حيث أغلقت المراكز الصحية، وأُجّلَت حملات اللقاح لأشهر طويلة، مما زاد عدد الأطفال غير المطعّمين. بحلول عام 2023، سجّلت الدراسة قرابة 16 مليون طفل حول العالم لم يتلقوا أي تطعيمات، معظمهم في إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، حيث الأنظمة الصحية تعاني من ضعف البنية التحتية وقلة الموارد.
غياب العدالة في التوزيع يُعمّق الأزمة في المجتمعات الفقيرة
رغم أن الدول الفقيرة تتحمل العبء الأكبر من أزمة اللقاحات، إلا أن التراجع طاول دولًا أوروبية والولايات المتحدة أيضًا. الباحثون وجدوا أن الأطفال في المجتمعات المهمشة والفئات السكانية الفقيرة في الدول الغنية يواجهون نفس العوائق تقريبًا من حيث الوصول إلى اللقاحات. وتعود الأسباب إلى خفض الميزانيات المخصّصة للصحة العامة، إضافة إلى تصاعد التيارات الرافضة للقاحات داخل تلك المجتمعات.
المعلومات المضللة والقلق المجتمعي يشكّلان حاجزًا إضافيًا
حذر الباحثون من تنامي دور المعلومات الزائفة في إضعاف الثقة باللقاحات، خصوصًا بعد تفشي التضليل أثناء جائحة كورونا. كثير من الأهل أصبحوا مترددين في تطعيم أطفالهم، نتيجة الخوف والشكوك التي تروّج لها بعض الجهات عبر الإنترنت. وأكد الباحثون أن مواجهة هذه الظاهرة يتطلب جهودًا تعليمية وإعلامية، تبدأ من المدارس وتنتهي بوسائل الإعلام الكبرى.

دعوات لتعزيز الأنظمة الصحية الأولية في جميع الدول
يوصي معدّو الدراسة بأن تكون الأولوية حاليًا لإعادة بناء الثقة في أنظمة الرعاية الصحية وتعزيز قدراتها، خصوصًا في المناطق التي دمرتها الحروب أو الكوارث. الدكتور جوناثان موسر شدّد على أن التطعيم الروتيني للأطفال هو أكثر الوسائل فعالية لحمايتهم، إلا أن استمرار الانقسام في السياسات الصحية والتمويل سيؤدي إلى نتائج كارثية على الأجيال القادمة.
التمويل الدولي ينخفض والنتائج قد تكون كارثية
أعرب البروفيسور أندرو بولارد عن قلقه من أن التخفيضات الحادة في تمويل الصحة العالمية ستؤدي إلى تراجع أكبر. وقال: "المزيد من الأطفال سيدخلون المستشفيات، وسيعانون من إعاقات دائمة أو الموت نتيجة أمراض يمكن منعها تمامًا بلقاحات بسيطة". وأضاف أن الوقت لم يعد يسمح بالتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة.
الاضطرابات السياسية والحروب تعرقل الوصول للقاحات
أشار الدكتور ديفيد إليمان إلى أن الحروب وعدم الاستقرار السياسي في عدد متزايد من الدول تمثل عائقًا رئيسيًا أمام إيصال اللقاحات. ومع تقليص المساعدات من الدول المانحة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أصبحت فرق الصحة عاجزة عن تغطية المناطق الأكثر احتياجًا. وأكد أن وضع السياسات بناءً على آراء غير علمية يزيد من تفاقم ما وصفه بـ"العاصفة المثالية".




