رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
09:27 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الجليد الفضائي ليس فوضويًا: اكتشاف يغير فهم نشأة الكواكب

الجليد الذي ظنناه عشوائيًا في المذنبات قد يحمل مفاتيح الحياة ونشأة الكواكب بفضل بنية مخفية

هل الجليد الفضائي
هل الجليد الفضائي يحمل ذاكرة من تاريخه الكوني؟ - illustration

    في أعماق الكون البارد، يكشف الجليد الفضائي عن أسراره الصغيرة... بلوراته الدقيقة قد تغير نظرتنا للحياة والنشأة والكواكب!

    كشف بحث مشترك بين جامعتي كوليدج لندن وكامبريدج أن الجليد الفضائي ليس عشوائيًا تمامًا، بل يحتوي على بلورات صغيرة تعكس بنية معقدة. تُظهر هذه النتائج أهمية الجليد في نشأة الكواكب وإمكانية نقله للمركبات العضوية عبر المذنبات، ما يدعم فرضية بانسبيرميا. كما تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة لفهم المواد غير المتبلورة، مثل الألياف الزجاجية، وتساعد في تطوير تقنيات استكشاف الفضاء.


    لماذا الجليد في الفضاء ليس عشوائيًا كما اعتقدنا؟
    هل يمكن للجليد الفضائي نقل الحياة؟ - illustration

    اكتشاف علمي جديد: الجليد في الفضاء ليس مادة عشوائية بالكامل كما كان يُعتقد

     

    كشفت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة كوليدج لندن وجامعة كامبريدج ونُشرت في مجلة Physical Review B أن الجليد المنتشر في الفضاء ليس عشوائيًا بالكامل كما ظنت الأبحاث السابقة، بل يحتوي على بلورات صغيرة جدًا تعكس بنية أكثر تعقيدًا مما كان معروفًا. هذا الاكتشاف يتحدى الاعتقاد السائد بأن الجليد الفضائي يشبه الماء السائل في طبيعته غير المنتظمة، ويفتح الباب أمام إعادة تفسير دور الجليد في تشكيل الكواكب والمجرات.

    أهمية خصائص الجليد في الكون ودورها في نشأة الكواكب والمجرات

     

    يُعتبر الجليد مكونًا أساسيًا في العمليات الكبرى داخل الكون، بدءًا من تكوّن الكواكب إلى تطور المجرات وحركة المادة عبر الفضاء. وأوضح الدكتور مايكل بي. ديفيز الذي قاد البحث خلال دراسته للدكتوراه في الفيزياء والفلك في جامعتي كوليدج لندن وكامبريدج، أن التوصل إلى فهم أكثر دقة للشكل الذري للجليد الأكثر شيوعًا في الكون يمنحنا نظرة أعمق إلى كيفية ولادة الأجسام السماوية وتطورها.

    محاكاة حاسوبية دقيقة تكشف بنية الجليد الفضائي المعقدة

     

    ركز الباحثون في هذه الدراسة على الجليد غير المتبلور منخفض الكثافة، الذي يُعد الشكل الأكثر شيوعًا للجليد في الفضاء ويوجد بكثرة في المذنبات والأقمار الجليدية وسحب الغبار الكونية حيث تولد النجوم والكواكب. من خلال محاكاة حاسوبية متقدمة، جُمّدت صناديق افتراضية مليئة بجزيئات الماء عند درجات حرارة تصل إلى -120 مئوية باستخدام معدلات تبريد متنوعة. وأظهرت النتائج أن اختلاف معدلات التبريد أفرز نسبًا متباينة من الجليد البلوري وغير المتبلور، إذ وصلت نسبة البلورات أحيانًا إلى 20%، وهو ما تطابق مع بيانات حيود الأشعة السينية التي تُستخدم لدراسة انحراف الأشعة عن ذرات الجليد وتحديد بنيته الدقيقة.

    وفي تجارب أخرى، أنشأ الباحثون صناديق افتراضية أكبر حجمًا تحتوي على عدد هائل من البلورات الصغيرة المتقاربة، ما أدى إلى نشوء مناطق فاصلة مضطربة أعطت بنية مشابهة للنموذج الأول بنسبة بلورات وصلت إلى نحو 25%.

    تجارب مخبرية تثبت أن للجليد الفضائي «ذاكرة» من حالاته السابقة

     

    لم تكتفِ الدراسة بالمحاكاة النظرية، بل امتدت إلى تجارب مخبرية شملت تصنيع عينات حقيقية من الجليد غير المتبلور منخفض الكثافة بطرق تحاكي الطبيعة، مثل ترسيب بخار الماء على أسطح شديدة البرودة كما يحدث في حبيبات الغبار داخل السحب النجمية. كما جرى إنتاجه عبر تسخين الجليد غير المتبلور عالي الكثافة الذي يتكون عند ضغط الجليد العادي في درجات حرارة منخفضة للغاية.

    بعد ذلك، سخّن العلماء هذه العينات تدريجيًا حتى بدأت تتكون البلورات. المثير أن بنية الجليد الناتج اختلفت باختلاف الطريقة التي تشكل بها الجليد غير المتبلور في البداية، خاصة من حيث نسبة الجزيئات التي اصطفّت في ترتيب سداسي الأضلاع. هذا التباين اعتُبر دليلًا غير مباشر على أن الجليد غير المتبلور منخفض الكثافة يضم في الواقع بلورات دقيقة جدًا. ولو كان هذا الجليد عشوائيًا بالكامل كما افترض العلماء سابقًا، لما احتفظ بهذه «الذاكرة البنيوية» من تاريخه السابق.

    انعكاسات على نظرية بانسبيرميا ونقل اللبنات الأولى للحياة عبر المذنبات

     

    أحد أهم أبعاد هذه النتائج يتمثل في علاقتها بفرضية بانسبيرميا التي تشير إلى أن اللبنات الأساسية للحياة ربما وصلت إلى الأرض محمولة على مذنبات جليدية. إذ لطالما اعتبر الجليد غير المتبلور منخفض الكثافة وسيطًا مثاليًا لنقل الأحماض الأمينية البسيطة إلى كوكبنا. إلا أن الدكتور ديفيز بيّن أن البنية شبه البلورية التي كشفتها الدراسة تعني أن هناك فراغًا أقل في هذا النوع من الجليد لاحتواء هذه الجزيئات العضوية. ورغم ذلك، أكد أن النظرية تظل ممكنة، إذ ما تزال هناك مناطق عشوائية داخل هذا الجليد قادرة على احتجاز المركبات الضرورية لنشأة الحياة.

    هل يمكن للجليد الفضائي نقل الحياة؟
    لماذا الجليد في الفضاء ليس عشوائيًا كما اعتقدنا؟ - illustration

    تأثير محتمل على التكنولوجيا الحديثة مثل الألياف الزجاجية

     

    لفت البروفيسور كريستوف سالزمان من قسم الكيمياء في جامعة كوليدج لندن إلى أن هذا الاكتشاف لا يغير فقط نظرتنا للجليد الفضائي، بل قد تكون له تبعات مهمة على فهم المواد غير المتبلورة عمومًا. فالألياف الزجاجية التي تُستخدم لنقل البيانات لمسافات طويلة تعتمد على بقاء الزجاج غير متبلور كي تعمل بكفاءة. وأضاف سالزمان أن إمكانية احتواء مثل هذه المواد على بلورات صغيرة قد تعطي فرصة جديدة لتحسين أدائها إذا أمكن التحكم في إزالتها.

    الجليد بين حماية المركبات الفضائية وتزويدها بالوقود

     

    أوضح الدكتور ديفيز أيضًا أن الجليد في الفضاء يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في حماية المركبات الفضائية من الإشعاع أو حتى تزويدها بالوقود عبر تحويله إلى هيدروجين وأكسجين. ما يجعل فهم خصائصه وبنيته الدقيقة ضرورة أساسية لدعم خطط استكشاف الفضاء المستقبلية.

    مسار تاريخي لاكتشاف أشكال الجليد غير المتبلور ودلالاته المستقبلية

     

    الجدير بالذكر أن الجليد غير المتبلور اكتُشف لأول مرة في ثلاثينيات القرن الماضي عندما كُثّف بخار الماء على سطح معدني بارد إلى -110 درجات مئوية، بينما ظهر نوعه عالي الكثافة في ثمانينيات القرن الماضي عند ضغط الجليد العادي تحت درجات حرارة تقارب -200. وفي عام 2023، تمكّن نفس الفريق البحثي من اكتشاف نوع متوسط الكثافة له نفس كثافة الماء السائل، أي أنه لا يطفو ولا يغوص في الماء.

    واختتم الأستاذ المشارك أنجيلوس ميكايليدس من جامعة كامبريدج بالتأكيد على أن «الماء هو أساس الحياة، ورغم ذلك ما زلنا نجهل عنه الكثير. وربما تكون الأشكال غير المتبلورة من الجليد هي المفتاح لفهم العديد من أسرار الماء التي ما زالت تحيّر العلماء.»

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط