زياد الرحباني يرحل بعد معاناة طويلة مع تليف الكبد
رحل الصوت الذي غنّى لبنان الموجوع وضحك على آلامه، زياد الرحباني يغادر تاركًا وراءه إرثًا فنيًا لا يُنسى، ومسرحًا لا يسدل ستائره بسهولة.
زياد الرحباني يرحل جسدًا ويبقى وجدانًا ومسرحًا نابضًا بالحياة والفكر والنقد والوجع اللبناني.
أحدثت وفاة زياد الرحباني، الموسيقار والمسرحي اللبناني، صدمة واسعة في الأوساط الثقافية والسياسية والفنية. عن عمر يناهز 69 عامًا، رحل ابن فيروز وعاصي بعد صراع طويل مع تليف الكبد. لكنه لم يترك وراءه فراغًا، بل تراثًا ضخمًا من الأغاني والمسرحيات الجريئة التي لم تكفّ يومًا عن نقد الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني. الجنازة الرسمية التي أقيمت له في بيروت، والحفاوة الإعلامية العالمية، جسدت رمزية هذا الفنان الذي رفض الصمت وظلّ صوتًا للمقاومة والناس حتى آخر أنفاسه.

نهاية حكاية فنية استثنائية: وفاة زياد الرحباني تشعل الحزن في لبنان
توفي زياد الرحباني يوم السبت، 26 يوليو 2025، بعد صراع طويل مع مرض تليف الكبد في أحد مستشفيات بيروت. خبر وفاته كان كالصاعقة على الوسط الثقافي العربي، لما يمثله هذا الفنان من رمزية ثورية وموسيقية نادرة. جنازته الرسمية التي أقيمت في مسرح المدينة شهدت حضورًا رسميًا وفنيًا كثيفًا، ونعاه كبار الفنانين مثل مرسيل خليفة والرئيس اللبناني الأسبق ميشال عون، الذي وصفه بـ”الضمير الذي لم يسكت يومًا”.
في كنف العمالقة: نشأة زياد الرحباني ابن فيروز وعاصي
ولد زياد في 1 يناير 1956 في أنطلياس، داخل بيت امتلأ بالفن والتجريب. والدته هي السيدة فيروز، ووالده هو الموسيقار عاصي الرحباني، أحد أعمدة النهضة الموسيقية في لبنان. في هذا المحيط نشأ زياد، لكنه لم يكن نسخة من والده، بل خرج على كل النماذج. ألّف أول قصيدة وهو لا يزال طفلًا، وكتب أغنيته الأولى في الـ15 من عمره، ثم لحن لـفيروز في السابعة عشرة أغنية “سألوني الناس”، التي كانت بداية طريق طويل من الإبداع.
مسرح الغضب والسخرية: أعمال زياد الرحباني المسرحية تُحاكي الوطن
ارتبط المسرح في وعي الجمهور العربي باسم زياد الرحباني، ليس فقط لكونه كاتبًا ومخرجًا، بل لجرأته في فضح واقع الحرب والفساد والطائفية. من “المحطة” و”نزل السرور”، إلى “بالنسبة لبكرا شو؟” و”فيلم أميركي طويل”، نقل زياد حكايات الناس، بلغة تهكمية كانت تعكس الانهيار اللبناني في قالب فني عظيم.

ألحان تُشبه بيروت: زياد الرحباني وتكوين الموسيقى السياسية
عزف زياد على وتر السياسة دون خوف. في ألبومات مثل “بيروت”، و”أنا لا هو ولا بعدو”، كانت موسيقاه تنطق برفض صريح لكل أشكال القمع. لحّن لوالدته فيروز أغنيات مثل “وحدن” و”ما عرفتي فيك”، التي تغنّت بالحياة والمقاومة والحب، واستطاع من خلالها أن يرسّخ مكانته كأحد أعمدة الموسيقى العربية البديلة.
من السياسة إلى القلب: زياد الرحباني بين النضال والانكسار الشخصي
لم يكتفِ زياد بالمسرح، بل انخرط علنًا في السياسة، كعضو في الحزب الشيوعي اللبناني، وداعم شرس للقضية الفلسطينية. في المقابل، حملت حياته العاطفية تعقيدات كثيرة؛ من زواجه بدلال كرم الذي انتهى بأزمة نسب، إلى علاقته المعروفة مع الممثلة كارمن لبوس. ولم يفصل زياد يومًا بين الإبداع والوجع.
اللحظة الأخيرة: كيف واجه زياد الرحباني الموت؟
بدأت أزمة زياد الصحية تتفاقم في يونيو 2025. رغم توصيات الأطباء، رفض العلاج المكثف، ما عجّل بنهايته في يوليو. بحسب نقيب الموسيقيين اللبنانيين فريد بو سعيد، فإن الفنان قضى أيامه الأخيرة في عزلة، مكتفيًا بكتابة بعض النوتات والخواطر. وكانت وزارة الثقافة قد بدأت في توثيق أعماله أثناء مرضه، تمهيدًا لتحويلها إلى مناهج دراسية، في خطوة تعكس مكانته الرمزية.
زياد بعد الرحيل: المناهج توثق، والجمهور يستعيد الإرث
في اليوم التالي لوفاته، أعلنت وزارة الثقافة اللبنانية أن أعمال زياد الرحباني ستُدرج ضمن المناهج الفنية في المدارس. كما أعلنت جامعة بيروت العربية عن تنظيم مؤتمر لتوثيق تجربته الموسيقية والمسرحية. كان ذلك بمثابة اعتراف رسمي بقيمة الرجل الذي عاش يكتب للبسطاء، ويضحك على من لا يُضحك.




