رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

مسبار نانوي بسرعة ثلث الضوء نحو الثقوب السوداء: تجربة غير مسبوقة في الزمكان

مشروع طموح يتحدى حدود الزمن والمكان: مسبار غرامي يقترب من ثقب أسود بسرعة تقارب ثلث الضوء

في مهمة تمتد قرنًا
في مهمة تمتد قرنًا من الزمن، مسبار نانوي يسعى لتجريب قوانين الفيزياء قرب الثقوب السوداء - illustration

    مسبار نانوي بوزن مشبك ورقي لاختراق أسرار الثقوب السوداء بسرعة تقارب ثلث الضوء.

    في محاولة لاختراق أعماق الزمكان، يُطرح مشروع ثوري من جامعة فودان لإرسال مسبار نانوي يعمل بالشراع الضوئي نحو ثقب أسود قريب بسرعة تقارب ثلث سرعة الضوء. يمتد هذا المشروع الفضائي الطموح لعقود، ويهدف لاختبار النسبية العامة عند أفق الحدث، حيث تتقاطع حدود الفيزياء الكلاسيكية مع بيئات كونية قصوى. باستخدام الدفع الليزري والتقنيات النانوية، قد يتحول ما يبدو خيالًا علميًا إلى أول تجربة ميدانية حقيقية في محيط الثقوب السوداء، ما يفتح نافذة غير مسبوقة على أسرار الزمكان وقوانين الكون الغامضة.


    مسبار نانوي بوزن مشبك ورقي يستعد لاختراق أسرار الثقوب السوداء بسرعة تقارب ثلث الضوء
    مسبار نانوي بالشراع الضوئي لاختراق أفق الحدث واختبار النسبية قرب الثقوب السوداء - illustration

    مشروع طموح لاستكشاف الثقوب السوداء عبر مسبار نانوي يعمل بالشراع الضوئي

     

    في دراسة منشورة في مجلة iScience الصادرة عن Cell Press، يطرح عالم الفيزياء الفلكية المتخصص في الثقوب السوداء كوزيمو بامبي من جامعة فودان في الصين تصورًا عمليًا لتحويل فكرة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي إلى مهمة فضائية قابلة للتنفيذ. تقوم الرؤية على إرسال مركبة لا تتجاوز كتلتها غرامًا واحدًا أقرب ما تكون إلى وزن مشبك الورق تنطلق بدفع شعاع ليزري نحو ثقب أسود لاختبار نسيج الزمكان وقوانين الفيزياء في أقصى بيئات الكون تطرفًا. ويقترح بامبي مخططًا تفصيليًا لمهمة تمتد لعقود، قادرة على إعادة بيانات علمية قد تعيد تشكيل فهمنا للنسبية العامة وحدود القوانين الفيزيائية.

    أسئلة علمية كبرى عند تخوم أفق الحدث واختبار صلابة النسبية العامة

     

    يركّز المشروع على تجربة أدوات قياس قرب أفق الحدث للإجابة عن أسئلة جدلية ممتدة منذ عقود: هل يمتلك الثقب الأسود أفق حدث فعليًا؟ وكيف تتبدّل سلوكيات الطبيعة وقوانينها في هذه البيئات القصوى؟ وهل تصمد نظرية آينشتاين في النسبية العامة حين تُختبر على مقربة من أقسى الانحناءات في الزمكان؟ يضع هذا التصور تلك القضايا في صدارة الأهداف العلمية بوصفها مفتاحًا لفهم أعمق للديناميكيات الكونية.

    مسبار نانوي بكتلة غرامية ودفع ليزري لبلوغ نحو ثلث سرعة الضوء

     

    يرى بامبي أن الصواريخ الكيميائية التقليدية ثقيلة وبطيئة على مهمة بين-نجمية بهذا الطموح. البديل هو مسبار نانوي يدمج رقاقة إلكترونية خفيفة مع شراع ضوئي، تتكفّل مصفوفات ليزرية أرضية بقذفه بسيل من الفوتونات لتوفير دفع إشعاعي متواصل. يهدف التصميم العملي إلى بلوغ سرعة تقارب ثلث سرعة الضوء دون الادعاء بالاقتراب من سرعة الضوء نفسها، ما يوفّر تسارعًا كفؤًا لمسافات شاسعة مع الحفاظ على بساطة البنية وتقليل الكتلة.

    خط زمني لمهمة بين-نجمية يمتد من 80 إلى 100 عام لقطع 20–25 سنة ضوئية

     

    تستعرض الحسابات الواردة في الدراسة سيناريو يقطع فيه المسبار مسافة بين 20 و25 سنة ضوئية خلال نحو 70 عامًا من الطيران. وبعد إجراء التجارب وجمع القراءات بالقرب من هدف المهمة، ستستغرق الإشارات الحاملة للبيانات زهاء عقدين إضافيين حتى تصل إلى الأرض. بذلك تتراوح المدة الكلية للمهمة بين 80 و100 عام وهي نافذة زمنية طويلة على مقياس حياة الأفراد، لكنها معقولة لمشروعات بين-نجمية تُدار على مستوى الأجيال وتستهدف علوم الزمكان على المدى البعيد.

    تحدي العثور على ثقب أسود قريب ضمن 25 سنة ضوئية وتطوير منصة تتحمل البيئة القاسية

     

    يرتكز النجاح على تجاوز عقبتين محوريتين. الأولى هي رصد هدف ضمن نطاق 20 إلى 25 سنة ضوئية من الأرض احتمال يظل قائمًا وفقًا لتطور معرفتنا بتكوّن النجوم وانهيارها لكن صعوبته تنبع من كون الثقوب السوداء لا تبعث الضوء، ما يفرض الاعتماد على تأثيراتها في النجوم المجاورة أو على انحناء مسارات الضوء. يقول بامبي إن "من المعقول توقّع العثور على ثقب أسود قريب خلال العقد القادم"  بفضل تحسن تقنيات الرصد والتحليل. أما العقبة الثانية فهي تقنية بحتة: بناء مسبار نانوي قادر على تحمّل التسارع الهائل والرحلة الطويلة مع إبقاء الاتصالات والقياس الدقيقين عاملين قرب أفق الحدث. ويؤكد: "لا نملك التكنولوجيا الآن، لكن خلال 20 أو 30 عامًا قد يصبح ذلك ممكنًا"، في إشارة إلى نضج متوقع يجعل الجدول الزمني واقعيًا.

    مشروع طموح يقترح مهمة فضائية تمتد لعقود لاختبار النسبية عند حدود أفق الحدث
     مسبار ضوئي في طريقه إلى أقسى بيئات الكون - illustration

    تكلفة منظومات الليزر حاليًا تقارب تريليون يورو مع توقعات بالانخفاض خلال ثلاثة عقود

     

    تُعد الكلفة الراهنة عائقًا رئيسيًا؛ إذ تُقدّر الدراسة أن منشآت الليزر وحدها قد تتطلب اليوم نحو تريليون يورو، فضلًا عن أن تصنيع المسبار بالمواصفات المطلوبة لم يكتمل تقنيًا بعد. ومع ذلك يرجّح بامبي أن تهبط التكاليف تدريجيًا وأن تلحق التكنولوجيا بالمفهوم خلال نحو ثلاثة عقود، ما يفتح الباب لمرحلة تحقق صناعي وهندسي قابلة للتنفيذ ضمن إطار تمويلي أكثر واقعية.

    من أفكار تبدو جنونية  إلى إنجازات تاريخية: سابقة الموجات الثقالية وصور ظلال الثقوب السوداء

     

    يقرّ بامبي بأن الرؤية تبدو جنونية، وبدرجة ما أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يستشهد بمسار التقدّم في الفيزياء الحديثة: فقد قيل إن رصد الموجات الثقالية مستحيل لضعفها الشديد ثم تحقق الإنجاز بعد قرن. واعتُقد أننا لن نرى ظلال الثقوب السوداء ولدينا اليوم صور موثقة لاثنين منها. بالنسبة له، تمثل هذه المحطات دليلًا على أن الإصرار على مواجهة القيود النظرية والهندسية قادر على تحويل أكثر الأفكار طموحًا إلى واقع تجريبي.

    نافذة جديدة على الزمكان إذا تم تحديد الهدف المناسب لمهمة الشراع الضوئي

     

    يبقى الشرط الحاسم هو العثور على ثقب أسود ضمن المسافة المستهدفة  ليكتسب مخطط الشراع الضوئي معنى تجريبيًا مباشرًا. فإذا تحقق ذلك، فإن مهمة «المشبك الورقي» مسبار غرامي تدفعه فوتونات الليزر إلى نحو ثلث سرعة الضوء قد تمنح البشرية أول فرصة لإجراء اختبارات ميدانية على تخوم أفق الحدث. عندها يمكن جمع بيانات طويلة الأمد تعيد اختبار النسبية العامة في أقصى الظروف وتحدّد حدود القوانين الفيزيائية، لتتحول عشرات السنوات الضوئية إلى مشروع أجيال يعد بإجابات لا تتأتى إلا بالاقتراب من أكثر مناطق الكون تطرفًا.

    تم نسخ الرابط