تحذيرات من الأغذية فائقة المعالجة وتهديدها للصحة
مراجعة عالمية يشارك فيها خبراء تحذر من صلة الأغذية فائقة المعالجة بمخاطر صحية متزايدة على المدى الطويل.
ملخص
تناولت مراجعة عالمية شارك فيها خبراء من دول مختلفة الأدلة المتاحة حول تأثير الأغذية فائقة المعالجة على الصحة، استناداً إلى 104 دراسات طويلة الأمد. وتشير النتائج إلى ارتباط متزايد بين هذه المنتجات وبين ما لا يقل عن 12 نوعاً من أمراض مزمنة، تشمل السمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والكلى والاكتئاب والوفاة المبكرة. ويدعو الباحثون الحكومات إلى التحرك عبر تحذيرات وضرائب أعلى على هذه المنتجات لتمويل غذاء أكثر تغذية، في حين يؤكد علماء آخرون أن المراجعة لا تثبت علاقة سببية مباشرة وأن هناك حاجة إلى تجارب ودراسات إضافية مستقبلية.

مراجعة عالمية تربط الأغذية فائقة المعالجة بأمراض مزمنة
المراجعة العالمية التي استندت إليها الدراسة أنجزها 43 خبيراً من دول مختلفة، واعتمدت على 104 دراسات طويلة الأمد، بحسب ما ورد في التقرير المنشور. وتشير النتائج إلى أن استهلاك الأغذية فائقة المعالجة ارتبط بزيادة خطر ما لا يقل عن 12 حالة صحية، من بينها السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الكلى والاكتئاب والوفاة المبكرة من أي سبب. وتوضح المراجعة أن هذه النتائج قائمة على دراسات رصدية طويلة الأمد، ما يعني وجود نمط ارتباط متكرر بين ارتفاع استهلاك هذه المنتجات وارتفاع معدلات الإصابة بتلك الأمراض، من دون الجزم بآلية بيولوجية محددة حتى الآن.
تعريف نظام نوفا وتصنيف الأغذية فائقة المعالجة
تعرّف المراجعة الأغذية فائقة المعالجة بأنها منتجات تحتوي على أكثر من خمسة مكونات لا تُستخدم عادة في المطابخ المنزلية، مثل المستحلبات والمواد الحافظة والملوّنات والمحليات والمواد المضافة الأخرى. وتشمل أمثلة هذه الفئة النقانق، ورقائق البطاطس، والمعجنات، والبسكويت، والشوربات الفورية، والمشروبات الغازية، والآيس كريم، وأنواعاً من خبز السوبرماركت. وبحسب الاستطلاعات التي استشهدت بها المراجعة العالمية، فإن هذه الأطعمة الصناعية في ازدياد في الأنظمة الغذائية حول العالم، وهو ما يُسهم في تدهور جودة الطعام بسبب وفرة السكريات والدهون غير الصحية ونقص الألياف والبروتين.
البروفيسور كارلوس مونتيرو، من جامعة ساو باولو في البرازيل، وهو صاحب نظام نوفا لتصنيف الأغذية، قال إن زيادة استهلاك هذه المنتجات "تعيد تشكيل الأنماط الغذائية حول العالم، وتزيح الأغذية الطازجة والوجبات قليلة المعالجة". وأضاف أن "هذا التغير في ما يتناوله الناس تغذيه شركات عالمية قوية تحقق أرباحاً ضخمة من خلال إعطاء الأولوية للمنتجات فائقة المعالجة، مدعومة بحملات تسويقية واسعة ونشاط سياسي يعرقل سياسات الصحة العامة الفعالة الداعمة للأكل الصحي".
دعوات خبراء لاستجابة صحية عالمية للأغذية فائقة المعالجة
إلى جانب التحذيرات، ينقل التقرير عن الدكتور فيليب بيكر، من جامعة سيدني وأحد المشاركين في المراجعة العالمية، قوله إن المطلوب هو "استجابة قوية للصحة العامة على المستوى العالمي، شبيهة بالجهود المنسقة التي تحدّت صناعة التبغ". ووفقاً لما ورد في المراجعة، يعترف الباحثون بوجود نقص في التجارب السريرية التي توضّح بدقة كيفية إضرار الأغذية فائقة المعالجة بالصحة، لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن هذا النقص لا ينبغي أن يؤخّر اتخاذ إجراءات لحماية السكان من مخاطر محتملة. ويرى الفريق البحثي أن تراكم الأدلة الرصدية على ارتباط استهلاك هذه الأطعمة بزيادة مخاطر أمراض مزمنة يبرّر اتخاذ خطوات وقائية بينما تستمر الأبحاث.

مخاوف علماء من ربط الأغذية فائقة المعالجة مباشرة بأمراض مزمنة
بالمقابل، يلفت عدد من العلماء إلى أن المراجعة العالمية لا تثبت أن الأغذية فائقة المعالجة هي السبب المباشر في الأضرار الصحية الملاحظة. ويشير هؤلاء إلى صعوبة فصل آثار هذه الأغذية عن عوامل أخرى في حياة الأفراد، مثل نمط الحياة، والسلوكيات اليومية، ومستوى الدخل.
البروفيسور كيفن ماكونواي، أستاذ الإحصاء التطبيقي المتقاعد في الجامعة المفتوحة، قال إن "دراسة كهذه يمكن أن تجد ارتباطاً، لكنها لا تستطيع أن تكون متأكدة من علاقة السبب والنتيجة". وأضاف أن هناك "مجالاً للشك والحاجة إلى مزيد من التوضيح من خلال أبحاث إضافية". وأوضح أيضاً: "يبدو لي أن بعض الأغذية فائقة المعالجة يمكن أن تسبب زيادة في مخاطر بعض الأمراض المزمنة. لكن هذا بالتأكيد لا يثبت أن جميع الأغذية فائقة المعالجة تزيد مخاطر المرض".
انتقادات لنظام نوفا وأمثلة على منتجات ذات فوائد غذائية
نظام نوفا، الذي يستند إلى درجة التصنيع لتصنيف الأغذية، يواجه بدوره انتقادات من بعض الباحثين. فبحسب هؤلاء، يركّز النظام كثيراً على مستوى المعالجة الصناعية ولا يولي الاهتمام الكافي للقيمة الغذائية الفعلية لكل منتج. ويُستشهد في هذا السياق بأمثلة مثل خبز الحبوب الكاملة، وحبوب الإفطار، والزبادي قليل الدسم، وحليب الأطفال، وأصابع السمك، التي تُعامل ضمن فئة الأغذية فائقة المعالجة رغم احتوائها على مكونات ذات فائدة غذائية.
ويشير التقرير إلى أن ما يزال غير واضح حتى الآن العنصر المحدد في الأغذية فائقة المعالجة الذي قد يسهم في زيادة مخاطر المرض، سواء كان ذلك بسبب المكونات المضافة أو تركيب المنتج أو نمط الاستهلاك. البروفيسور جولز غريفين، من جامعة أبردين، قال إن للتصنيع الغذائي جوانب إيجابية أيضاً، مؤكداً أن فهم كيفية تأثيره في أجسامنا "مطلوب على وجه الاستعجال".
موقف الصناعة الغذائية من تصنيف الأغذية فائقة المعالجة وتأثيرها في الصحة
على الجانب الآخر، تنقل المراجعة موقف اتحاد الغذاء والشراب، الذي يمثل قطاع الصناعة الغذائية، حيث يؤكد أن الأغذية فائقة المعالجة يمكن أن تكون جزءاً من نظام غذائي متوازن، مع الإشارة إلى منتجات مثل البازلاء المجمّدة وخبز القمح الكامل. وتقول كبيرة العلماء في الاتحاد، كيت هاليويل: "إن الشركات دأبت على مدى سنوات على إجراء سلسلة من التغييرات لجعل الطعام والشراب اللذين نشتريهما جميعاً أكثر صحية، بما يتماشى مع الإرشادات الحكومية". وتضيف أن كمية السكر والملح في المنتجات المعروضة في المتاجر والسوبرماركت "انخفضت بمقدار الثلث منذ عام 2015".
بهذا يعكس التقرير، بحسب المراجعة العالمية، تبايناً واضحاً بين خبراء يحذرون من ارتباط استهلاك الأغذية فائقة المعالجة بزيادة مخاطر أمراض مزمنة، وبين أصوات علمية أخرى تشدد على حدود الأدلة المتاحة، فضلاً عن موقف الصناعة الذي يؤكد إمكانية إدماج هذه المنتجات في أنماط غذائية تعتبر متوازنة من منظور الصحة.




