رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
07:51 م calendar السبت 11 يوليو 2026

بوتاسيوم-40 يكشف أسرار الأرض البدائية المدفونة منذ 4.5 مليار سنة

في اكتشاف غير مسبوق، علماء يرصدون أثرًا نادرًا من الأرض البدائية داخل صخور عميقة من وشاح الكوكب

توقيع نادر من الأرض
توقيع نادر من الأرض البدائية يغيّر فهمنا لتكوين كوكب الأرض - illustration

    ملخص

    هل يمكن لآثار صغيرة من البوتاسيوم أن تكشف لنا أسرار الأرض البدائية؟
    في اكتشاف جديد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حدد فريق علمي توقيعًا نظائريًا نادرًا في صخور عميقة يُعتقد أنه من الأرض البدائية قبل الاصطدام العملاق الذي شكّل كوكبنا. باستخدام تقنيات دقيقة لتحليل نظائر البوتاسيوم، رُصد عجز غير معتاد في نظير بوتاسيوم-40 لا يمكن تفسيره بعمليات جيولوجية لاحقة. وتشير النتيجة إلى أن أجزاء من المادة الأصلية للأرض قد نجت لمليارات السنين، فاتحة أفقًا جديدًا لدراسة بدايات الأرض وتاريخ النظام الشمسي.

    دليل جديد يكشف بقايا الأرض البدائية في صخور هاواي وكندا
    صخور قديمة تحمل بصمة الأرض البدائية وتغيّر نظريات التكوينIllustration 

    آثار الأرض البدائية: اكتشاف توقيع نظائري نادر يكشف أسرار نشأة كوكبنا

     

    في دراسة نُشرت في Nature Geosciences، أعلن باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومؤسسات متعاونة أنهم عثروا على أثر كيميائي استثنائي يُرجَّح أنه ينتمي إلى “الأرض البدائية”، أي النسخة الأولى من كوكبنا قبل نحو 4.5 مليار سنة وقبل “الاصطدام العملاق” الذي أعاد تشكيل الأرض. يشير الاكتشاف إلى أن أجزاء ضئيلة من المادة الأصلية ربما نجت في أعماق الكوكب، ما يفتح نافذة أوضح على المكونات الأولى التي شاركت في بناء الأرض وربما بقية كواكب النظام الشمسي.

    تشكّل الأرض الأولى والاصطدام العملاق

     

    تصف الدراسة بدايات النظام الشمسي حين كان سحابة دوارة من الغاز والغبار تكاثفت لتشكّل أجسامًا صلبة أصبحت أول النيازك. ومع تكرار التصادمات اندمجت تلك الأجسام لتكوين الأرض البدائية وجاراتها. كانت الأرض آنذاك عالمًا منصهرًا تغطيه الحمم، وبعد أقل من مئة مليون عام اصطدم بها جسم بحجم المريخ فيما يعرف بالاصطدام العملاق. هذا الحدث صهر وخلط أعماق الكوكب ومحا جانبًا كبيرًا من هويته الكيميائية الأصلية، ما دفع لعقود إلى افتراض أن أي أثر من المادة الأولى قد اندثر تمامًا.

    توقيع نظائر البوتاسيوم وعجز نظير بوتاسيوم-40

     

    تفند نتائج الفريق ذلك الافتراض؛ إذ رصد الباحثون توقيعًا نظائريًا غير مألوف في عينات صخرية قديمة وعميقة يختلف عما يميز معظم مواد الأرض الحديثة. يتمثل هذا التوقيع في خلل طفيف بنسب نظائر البوتاسيوم، وبالتحديد “عجز” في النظير بوتاسيوم-40 مقارنة بالنظيرين بوتاسيوم-39 وبوتاسيوم-41. وبعد سلسلة تحاليل دقيقة، خلصت المجموعة العلمية إلى أن هذا الخلل لا يمكن تفسيره بعمليات جيولوجية لاحقة ولا بآثار اصطدامات متأخرة، ما يعزز فكرة أنه بقايا مادة أصلية سبقت إعادة تشكيل الأرض بعد الاصطدام العملاق. تقول نيكول ني (Nicole Nie)، الأستاذة المساعدة في علوم الأرض والكواكب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “قد يكون هذا أول دليل مباشر على أن جزءًا من مادة الأرض الأولى ما زال محفوظًا. نرى أثرًا لما قبل الاصطدام العملاق، وهو أمر مدهش لأننا نتوقع أن يمحوه تطور الأرض بمرور الزمن”.

    صخور عميقة تُظهر توقيعًا نظائريًا يعود لبداية تكوين الأرض
    هل نجت أجزاء من الأرض الأولى حتى يومنا هذا؟ - illustration

    عينات من غرينلاند وكندا وهاواي وأساليب القياس

     

    بحث الفريق عن هذه الإشارة داخل الأرض نفسها. جُمعت مساحيق صخرية من مواقع قديمة في غرينلاند وكندا، كما حُللت رواسب حممية من هاواي حيث تقذف البراكين موادًا من أعماق الوشاح الأرضي. أُذيبت العينات ثم جرى عزل البوتاسيوم منها وقياس نسب نظائره باستخدام مطياف كتلة عالي الدقة. وعلى الرغم من أن بوتاسيوم-40 موجود بطبيعته بكميات ضئيلة جدًا، تمكن الباحثون من رصد عجز إضافي صغير في هذا النظير داخل العينات، وهو ما شبهوه بمحاولة تمييز حبة رمل بنية وسط دلو من الرمال الصفراء.

    محاكاة تاريخ الاصطدامات والخلط داخل الوشاح

     

    لاختبار ما إذا كانت هذه الإشارة تمثل فعلًا بقايا من الأرض البدائية، افترض الباحثون أن المادة الأصلية كانت فقيرة نسبيًا ببوتاسيوم-40. بعد ذلك حاكوا كيف تتغير نسب النظائر بفعل الاصطدام العملاق واصطدامات نيزكية لاحقة، وبسبب التسخين والخلط المستمرين داخل الوشاح عبر الزمن. اعتمدت المحاكاة على بيانات تركيب جميع فئات النيازك المعروفة. وفي النهاية نتجت تراكيب تحتوي نسبة أعلى قليلًا من بوتاسيوم-40 مقارنة بعينات غرينلاند وكندا وهاواي، كما تطابقت تلك التراكيب مع ما نراه في معظم مواد الأرض الحديثة. وتوحي هذه النتيجة بأن المواد التي ما زالت تُظهر عجزًا واضحًا في بوتاسيوم-40 قد تكون أجزاءً أصلية نجت من تاريخ طويل من الصهر والخلط.

    لماذا لا تطابق البصمة أي نيزك معروف؟

     

    تشير الدراسة إلى أن التوقيع النظائري المكتشف لا يطابق بدقة أي مجموعة نيازك موثقة حتى الآن. فمع أن بعض النيازك يُظهر انحرافات في نظائر البوتاسيوم، فإن العجز المحدد في بوتاسيوم-40 الذي رُصد في العينات الأرضية لا يقابله سجل نيزكي معروف. هذا يعني أن “جرد” النيازك الحالي غير مكتمل، وأن المواد التي شاركت فعليًا في تكوين الأرض البدائية قد لا تكون ممثلة في المجموعات المتاحة للعلماء.

    ماذا أضافت مقارنة النيازك السابقة؟

     

    في عام 2023، درست ني وفريقها نيازكًا تشكلت في أزمنة ومواقع مختلفة من النظام الشمسي المبكر، ولاحظوا تباينًا في التواقيع النظائرية للبوتاسيوم بين تلك النماذج وبين الأرض. وأظهرت النتائج حينها أن البوتاسيوم يمكن استخدامه متتبعًا لمكونات بناء الأرض. الاكتشاف الحالي يضيف دليلًا داخليًا من داخل الأرض نفسها، ويرسم “بصمة” مميزة لما قد يكون مادة أولية سبقت الاصطدام العملاق.

    آثار علمية تمتد إلى أصل الأرض وبدايات النظام الشمسي

     

    تُعيد هذه النتائج طرح احتمال أن أجزاء من اللبنات الأولى للأرض ما زالت محفوظة في صخور اليوم. كما تقدم أداة حساسة لتتبّع بقايا المادة الأولية في مواقع أخرى من القشرة والوشاح، وتمنح مصداقية أكبر لنماذج تشكل الكواكب عبر النظام الشمسي. وإذا كانت البصمة لا تطابق أي نيزك معروف، فقد يدفع ذلك إلى البحث عن عينات جديدة تغلق هذه الفجوة، أو إلى مراجعة الفرضيات حول مصادر المادة التي أسست كوكبنا.

    تم نسخ الرابط