رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:05 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

    من الصوت الذهبي إلى دولة التلاوة… رحلة تعيد للتلاوة حضورها وللإعلام رسالته

     

    حين ينساب صوت القرآن عبر شاشة تلفاز أو موجات إذاعة، يخفت صخب العالم قليلًا، ويستعيد المرء تلك اللحظة النادرة التي يشعر فيها بأن الكون ينصت معه. ففي زمن ازدحمت فيه الشاشات بالضوضاء والسطحية، تأتي برامج التلاوة كنافذة مضيئة تعيد للروح صفاءها، وللقلب سكينته، وللغة العربية جمالها الأول. إن برامج تلاوة القرآن الكريم ليست مجرد عروض إعلامية، بل جسور تمتد بين الأجيال، تشجع الصغار والكبار من الرجال والنساء  على حفظ القرآن وتعلم التجويد، وتعيد إحياء حضور التلاوة في البيوت والذاكرة الجماعية.

    ومع أن الجدل الذي دار حول برنامج «دولة التلاوة» انشغل بمسائل جانبية تمثلت في انتقاد مقدمة البرنامج آية عبد الرحمن، فإن هذا الجدل ابتعد بنا عن لبّ الفكرة. فالمذيع يُقاس بما يقدمه وبجودة أدائه، لا بجنسه أو صورته النمطية. والتلاوة ليست امتيازًا لطرف دون آخر؛ هي عبادة يشرق جمالها في كل صوت صادق. وما أحوجنا إلى استبدال النقد العقيم بنقد بنّاء يعيد النظر في المحتوى لا في الأشخاص.

    ولا تقف أهمية هذه البرامج عند حدود الروح فقط؛ فصوت القرآن يشكل حصنًا لغويًا يحمي اللغة العربية من التراجع في زمن يسيطر فيه اللسان الأجنبي على المدارس الخاصة والدولية والمجتمع الحديث. فالاستماع إلى تلاوة سليمة هو درس لغوي عميق، يعيد إلى الذهن إيقاع العربية الطبيعي وانسيابها الجميل، ويمنح الأجيال لغة نقية يتعلمونها بلا جهد، عبر السمع قبل القواعد. وهكذا تتحول برامج التلاوة إلى مدارس حقيقية تحفظ اللسان وتبقيه حيًا وسط أمواج التغيير.

    ولا بد من الإشارة إلى أن «دولة التلاوة» ليس التجربة الأولى في هذا المسار، فقد سبقته مبادرة رائدة تمثلت في برنامج «الصوت الذهبي» الذي قدمته قناة الحدث اليوم عام 2023 بفكرة وتقديم الإعلامية عبير الشيخ. وقد كشف البرنامج عن مواهب مبهرة، واختُتم باحتفال كبير أعاد لفن التلاوة وهجه عبر الإعلام. ومن ثمّ فإن «دولة التلاوة» ليس بداية منفصلة، بل خطوة تالية في مسار يستحق الاستمرار.

    وبالحديث عن الاستمرار، فإن السؤال الأهم هو: كيف يمكن لهذه البرامج أن تبقى؟

    هنا يظهر الدور الحقيقي والأكثر إلحاحًا، وهو دعم الإعلام الهادف في القنوات الخاصة والمؤسسات الصحفية الخاصة على السواء. فالإعلام، في جوهره، ليس مهنة هدفها الربح، بل رسالة تتطلب دعمًا ماليًا ومعنويًا لتظل قادرة على أداء وظيفتها. وإذا غاب الدعم، خرج الإعلام عن مساره الطبيعي، واتجه نحو محتوى فارغ لا قيمة له، وبرزت البرامج التجارية التي لا تحمل رسالة، وتحول الإعلام إلى مجرد عرض لنشاطات من يمتلكون القدرة على تمويل الظهور، بدل أن يكون منبرًا حقيقيًا للوطن والمواطن.

     وهكذا، يصبح صوت القرآن حين يجد من يحتضنه ويدعمه  أكثر من تلاوة تُسمع؛ يصبح ذاكرة أمة، وسندًا للغة، ونورًا يفتح دروبًا جديدة في قلب كل من يبحث عن الحقيقة وسط زحام الحياة. ودعم البرامج الهادفة، على اختلاف أنواعها، هو دعم للثقافة والوعي والإنسان قبل أن يكون دعمًا لشاشة أو مؤسسة.

    ولعل أهم ما يجب التأكيد عليه أن الدعم الإعلامي لا ينبغي أن يقتصر على برامج التلاوة أو المحتوى الديني وحده؛ فبناء الوعي لا يتحقق فقط عبر حفظ القرآن وتلاوته، وإنما أيضًا من خلال برامج تُعرّف المواطن بحقوقه وواجباته، وتمنحه منبرًا لإيصال شكواه، وتشرح له قوانينه، وتضيء أمامه أهم القضايا التي تمس حياته اليومية. فكل برنامج هادف يحمل مضمونًا موضوعيًا ويخدم الإنسان ويصنع وعيه يستحق الدعم، لأن الإعلام الذي يؤدي رسالته الحقيقية يُسهم في بناء مجتمع واعٍ، لا في صناعة ترفٍ زائف.

    إن الإعلام الهادف هو الذي ينقل صوت المواطن بصدق، ويعرض شكواه بلا تزييف، ويشرح له بوضوح وشفافية  ما تحققه الدولة من إنجازات وما تواجهه من تحديات. فإذا تُرك الإعلام وحيدًا، بلا دعم، فلن يبقى سوى إعلام ينعكس فيه صوت الممول لا صوت الناس. ومن هنا تأتي أهمية أن تتبنى مؤسسات المجتمع المدني والبنوك الوطنية والهيئات الداعمة هذا النوع من البرامج التي تصنع وعيًا، وتبني إنسانًا، وتثبّت هوية، وتحقق دور الإعلام الحقيقي.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط