رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

تقنية CRISPR تمنح القمح قدرة على تثبيت النيتروجين بكفاءة

في وقت ترتفع فيه تكاليف الأسمدة وتتفاقم آثارها البيئية، يأتي اكتشاف جديد يمنح القمح قدرة على تحفيز بكتيريا التربة لتثبيت النيتروجين طبيعيًا.

اكتشاف يعزز إنتاج
اكتشاف يعزز إنتاج الغذاء ويقلل التلوث: قمح يثبت النيتروجين - illustration

    ملخص

    في دراسة نشرتها Plant Biotechnology Journal، كشف باحثو جامعة كاليفورنيا في ديفيس عن قمح معدل وراثيًا قادر على تعزيز تثبيت النيتروجين في التربة عبر إفراز كميات أعلى من مركب الأبيجينين. هذا المركب يحفّز بكتيريا تثبيت النيتروجين على تكوين أغشية حيوية تدعم عمل إنزيم نيتروجيناز، مما يجعل النيتروجين الجوّي متاحًا للنبتة دون الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية. التجارب أظهرت زيادة في إنتاج القمح حتى مع استخدام قليل من الأسمدة، ما يشير إلى إمكانية تقليل التكاليف والحد من التلوث مع دعم الأمن الغذائي عالميًا.

    هل ينهي القمح الجديد الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية؟
    قمح جديد قادر على تثبيت النيتروجين  - illustration

    كيف يحاول العلماء تقليل تلوث الأسمدة وتكلفتها؟

     

    الأسمدة النيتروجينية تقف اليوم في قلب معادلة صعبة؛ فهي ضرورية لإنتاج ما يكفي من الغذاء لسكان العالم، لكنها في الوقت نفسه تساهم في تلوث الهواء والمياه وترفع تكاليف الزراعة، خاصة على صغار المزارعين في الدول الفقيرة. معظم المحاصيل لا تستطيع استخدام النيتروجين الموجود بوفرة في الهواء مباشرة، فتحتاج إلى أسمدة صناعية باهظة الثمن ولها آثار بيئية ثقيلة.

    في محاولة لاستكشاف ما إذا كان بإمكان المحاصيل نفسها أن تصبح جزءًا من الحل، عمل فريق من العلماء في جامعة كاليفورنيا في ديفيس (University of California, Davis) على تطوير نباتات قمح قادرة على تشجيع تكوّن سمادها الطبيعي في التربة المحيطة بجذورها. هذه الدراسة الجديدة، التي نُشرت في Plant Biotechnology Journal، استخدمت تقنية التحرير الجيني CRISPR لتعديل القمح بحيث يفرز مركبًا كيميائيًا إضافيًا يساعد بكتيريا قادرة على تثبيت النيتروجين (nitrogen fixation) وتحويله إلى صورة يمكن للنبات امتصاصها.

    قمح يحفّز البكتيريا على تثبيت النيتروجين في التربة

     

    الفكرة التي انطلق منها الفريق بسيطة في جوهرها: القمح ينتج طبيعيًا عددًا كبيرًا من المركبات الكيميائية، وبعض هذه المركبات يمكن أن يشجع بكتيريا تثبيت النيتروجين في التربة على العمل بكفاءة أكبر. هذه البكتيريا قادرة على تحويل النيتروجين من الهواء إلى مركبات نيتروجينية قابلة للامتصاص من جذور النباتات، في عملية تعرف باسم تثبيت النيتروجين.

    باستخدام أداة التحرير الجيني CRISPR، زاد الباحثون إنتاج القمح لأحد هذه المركبات الطبيعية، وهو فلافون يسمى أبيجينين (apigenin). وبما أن النبات المعدل ينتج أكثر مما يحتاجه داخليًا، فإنه يطلق الفائض من هذا المركب عبر الجذور إلى التربة. في التجارب، أدى هذا الأبيجينين الإضافي إلى تحفيز بكتيريا التربة على تشكيل أغشية حيوية (biofilms) حول نفسها، وهي طبقة لاصقة تخلق بيئة منخفضة الأكسجين مناسبة لعمل إنزيم نيتروجيناز (nitrogenase)، المسؤول عن تثبيت النيتروجين داخل هذه البكتيريا.

    النيتروجين المثبت بهذه الطريقة يصبح متاحًا للنباتات المجاورة، بما فيها القمح نفسه. وفي ظروف استخدام كمية منخفضة جدًا من الأسمدة النيتروجينية، أعطت نباتات القمح المعدلة وراثيًا محصولًا أعلى من النباتات غير المعدلة في التجارب، ما يشير إلى أن هذه الطريقة يمكن أن تقلل اعتماد المحاصيل على الأسمدة الصناعية مع الحفاظ على الإنتاج أو حتى تحسينه.

    دعم محتمل للأمن الغذائي في الدول النامية

     

    في كثير من المناطق النامية، لا يرتبط استخدام الأسمدة النيتروجينية بالمعرفة agronomicallyبقدر ما يرتبط بالقدرة على الدفع. يشير إدواردو بلوموالد (Eduardo Blumwald)، أستاذ متميز في قسم علوم النبات وقائد فريق البحث، إلى أن صغار المزارعين في أجزاء من أفريقيا غالبًا ما يمتلكون حقولًا صغيرة لا تتجاوز مساحتها ستة إلى ثمانية أفدنة، ولا يملكون المال الكافي لشراء الأسمدة.

    بلوموالد يوضح أن تخيل زراعة محاصيل تحفز بكتيريا التربة على إنتاج السماد الذي تحتاجه هذه المحاصيل طبيعيًا يمكن أن يمثل فارقًا كبيرًا لهؤلاء المزارعين. هذا الابتكار في القمح يبني على نجاح سابق للفريق نفسه في الأرز، بينما يجري العمل على توسيع النهج ليشمل محاصيل حبوب رئيسية أخرى، ما قد يوسع أثر التقنية على جزء أكبر من إمدادات الغذاء في العالم.

    كيف يساعد القمح المعدل على تقليل تكاليف الزراعة عالميًا؟
    قمح يثبت النيتروجين ذاتيًا - illustration

    عبء الأسمدة النيتروجينية على البيئة والاقتصاد

     

    القمح يحتل المرتبة الثانية عالميًا بين الحبوب من حيث الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه الأكبر استهلاكًا للأسمدة النيتروجينية، بنحو 18% من إجمالي استخدام هذه الأسمدة على مستوى العالم. ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، تم تصنيع أكثر من 800 مليون طن من الأسمدة في عام 2020، وهي كمية ضخمة ترتبط باستخدام كثيف للموارد.

    ورغم هذه الكميات الكبيرة، لا تمتص النباتات عادة إلا ما بين 30 و50% من النيتروجين المضاف في صورة أسمدة. أما الباقي فيتسرب غالبًا إلى الأنهار والمناطق الساحلية، حيث يساهم في تكوين مناطق فقيرة بالأكسجين تضر الأنظمة البيئية المائية. كما يمكن للفائض من النيتروجين في التربة أن يتحول إلى أكسيد النيتروس، وهو من الغازات الدفيئة القوية.

    في الولايات المتحدة وحدها، أنفق المزارعون ما يقارب 36 مليار دولار على الأسمدة في عام 2023، بحسب تقديرات وزارة الزراعة الأميركية. يشير بلوموالد إلى أن نحو 500 مليون فدان في البلاد مزروعة بمحاصيل حبوب، ويتساءل: إذا أمكن توفير 10% فقط من كمية الأسمدة المستخدمة على هذه المساحة بفضل محاصيل تساعد في إنتاج جزء من سمادها، فإن ذلك قد يعني توفيرًا يتجاوز المليار دولار سنويًا، إلى جانب الفوائد البيئية المحتملة.

    لماذا لا يثبّت القمح النيتروجين مثل البقوليات؟

     

    البكتيريا المثبتة للنيتروجين تعتمد على إنزيم نيتروجيناز، وهو الإنزيم الذي يقوم عمليًا بتحويل النيتروجين الغازي إلى مركبات نيتروجينية قابلة للاستخدام. هذا الإنزيم يعمل داخل هذه البكتيريا فقط، ويحتاج إلى بيئة منخفضة الأكسجين كي يظل نشطًا.

    النباتات البقولية مثل الفاصولياء والبازلاء طورت عبر الزمن عقدًا جذرية خاصة، وهي تراكيب في الجذور تخلق بيئة منخفضة الأكسجين تتيح لهذه البكتيريا أن تعيش وتعمل بالقرب من النبات. بهذه الطريقة تستفيد البقوليات من النيتروجين المثبت مباشرة، وتقل حاجتها إلى الأسمدة الخارجية.

    أما القمح ومعظم محاصيل الحبوب الأخرى فلا يمتلك مثل هذه العقد الجذرية، ولهذا يعتمد على الأسمدة النيتروجينية الصناعية لتلبية احتياجاته. لسنوات طويلة حاول العلماء جعل الحبوب تنتج عقدًا جذرية نشطة شبيهة بالبقوليات، أو حاولوا استعمار جذورها ببكتيريا تثبيت النيتروجين، لكن النتائج لم تكن ناجحة بالشكل المأمول. يوضح بلوموالد أن الفريق اختار طريقًا مختلفًا، مؤكدًا أن مكان وجود البكتيريا المثبتة للنيتروجين ليس هو الأهم، ما دام النيتروجين المثبت يصل إلى النبات ويمكنه استخدامه.

    كيف توصّل الباحثون إلى دور مركب الأبيجينين؟

     

    للوصول إلى مركب كيميائي قادر على مساعدة بكتيريا تثبيت النيتروجين، قام فريق جامعة كاليفورنيا في ديفيس بفحص نحو 2800 مركب تنتجه النباتات طبيعيًا، ووجدوا أن 20 منها ساعدت هذه البكتيريا على تكوين أغشية حيوية تحيط بها. هذه الأغشية تشكل غلافًا لاصقًا يوفر للبكتيريا بيئة صغيرة منخفضة الأكسجين، وهي البيئة المناسبة لعمل إنزيم نيتروجيناز.

    بعد ذلك، تتبع الفريق المسارات الحيوية التي تستخدمها النباتات لإنتاج هذه المركبات وحدد الجينات المسؤولة عنها. وبناء على هذه الخريطة، استخدموا تقنية CRISPR لتعديل القمح بحيث يزيد إنتاجه لمركب واحد بعينه، هو الفلافون الأبيجينين. الفائض من هذا الأبيجينين يتسرب إلى التربة المحيطة بالجذور، حيث يحفز البكتيريا على بناء أغشية حيوية واقية تمكنها من تثبيت النيتروجين وتحويله إلى صورة يمكن للنبات امتصاصها.

    في ظروف قليلة النيتروجين من الأسمدة، حقق القمح المعدل وراثيًا غلة أعلى من النباتات غير المعدلة، ما يوحي بأن هذه الاستراتيجية يمكن أن تقلل من جرعات الأسمدة النيتروجينية دون التضحية بالإنتاجية.

    مكاسب محتملة للمزارعين والبيئة في المستقبل

     

    رغم أن هذا العمل لا يزال في مرحلة بحثية ولم يتحول بعد إلى تقنية جاهزة للتطبيق الواسع في الحقول، فإن الفكرة تحمل وعودًا واضحة: محاصيل قمح وحبوب أخرى قادرة على مساعدة بكتيريا التربة في تثبيت النيتروجين، ما يعني استخدامًا أقل للأسمدة النيتروجينية، وتكاليف أقل على المزارعين، وضغطًا أخف على الأنظمة البيئية.

    إذا استطاعت المحاصيل الكبرى مثل القمح أن تشارك بفاعلية في إنتاج جزء من سمادها من خلال تشجيع بكتيريا تثبيت النيتروجين، فقد يتجه نظام إنتاج الغذاء العالمي تدريجيًا نحو نموذج أكثر استدامة، يدعم الأمن الغذائي ويخفف في الوقت نفسه من الأثر البيئي للزراعة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط