سر جديد تحت جبال الآبالاش يكشف قصة عمرها 90 مليون سنة
رغم أنها تُعد من أقدم الجبال وأكثرها استقرارًا، تكشف جبال الآبالاش عن شذوذ حراري عميق يربطها بشكل مفاجئ بتمزق القارات قبل ملايين السنين.
ملخص
رغم ثباتها على السطح، تحمل جبال الآبالاش تحتها كتلة صخرية دافئة تعبر آلاف الكيلومترات في رحلة صامتة تربط الماضي التكتوني بمستقبل القارة.
في بحث نُشر في Geology، كشف علماء من جامعة ساوثهامبتون أن جبال الآبالاش تخفي أسفلها شذوذًا حراريًا عميقًا يعود إلى زمن انفصال غرينلاند عن أمريكا الشمالية قبل 80–90 مليون سنة. توضح النماذج أن كتلة صخرية حارة تشكلت قرب بحر لابرادور ثم تحركت لمسافة 1800 كيلومتر حتى استقرت تحت نيو إنجلاند. ويدعم هذا الاكتشاف نظرية “موجة الوشاح”، التي تشرح كيف تستمر عمليات الوشاح في تشكيل القارات ورفع الجبال رغم هدوء السطح التكتوني عبر الزمن.

لغز منطقة ساخنة في عمق قارة تبدو مستقرة
وجود كتلة واسعة من الصخور الدافئة بشكل غير معتاد في عمق الأرض تحت جبال الآبالاش في شرق الولايات المتحدة حيّر الجيولوجيين لسنوات طويلة. فهذه الكتلة تقع تحت جزء من أمريكا الشمالية يُعد تكتونيًا هادئًا منذ عشرات الملايين من السنين، ومع ذلك تكشف القياسات الجيوفيزيائية عن شذوذ حراري واضح لا ينسجم مع صورة قارة "مستقرة".
لفهم هذا اللغز وتسليط الضوء على أصله الحقيقي، استعان فريق من الباحثين في جامعة ساوثهامبتون (University of Southampton) بنماذج حاسوبية وبيانات زلزالية في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Geology. وتشير النتائج إلى أن هذه الكتلة الحارة العميقة قد تكون مرتبطة بانفصال غرينلاند عن أمريكا الشمالية قبل نحو 80 إلى 90 مليون سنة، وليس بانفصال أمريكا الشمالية عن شمال غرب إفريقيا قبل 180 مليون سنة كما كان يُعتقد لفترة طويلة.
شذوذ حراري ضخم تحت نيو إنجلاند
تركّز الدراسة على منطقة تُعرف باسم Northern Appalachian Anomaly، أو الشذوذ الشمالي للأبالاش، وهي كتلة من الصخور الحارة تمتد تقريبًا على عرض 350 كيلومترًا وتقع على عمق يقارب 200 كيلومتر تحت منطقة نيو إنجلاند في شمال شرق الولايات المتحدة.
الرأي السائد سابقًا كان أن هذه البقعة الحارة مجرد بقايا من عملية تمزق قديمة حدثت عندما انفصلت أمريكا الشمالية عن شمال غرب إفريقيا وبدأ المحيط الأطلسي في التكوّن. لكن فريق جامعة ساوثهامبتون يجادل بأن هذا التفسير لا ينسجم مع المعطيات الحديثة، خصوصًا أن المنطقة فوق هذا الشذوذ لم تشهد نشاطًا تكتونيًا كبيرًا منذ ذلك الحين.
البروفيسور توم غيرنون (Tom Gernon)، أستاذ علوم الأرض وقائد الدراسة، يصف هذا الارتفاع الحراري بأنه "ميزة محيّرة" في جيولوجيا أمريكا الشمالية، لأنه يقع تحت جزء من القارة ظل ساكنًا تكتونيًا نحو 180 مليون سنة. لذلك لم يكن تفسيره على أنه مجرد "بقايا" من تمزق قديم مقنعًا بالكامل بالنسبة للفريق.
رحلة بطيئة من بحر لابرادور إلى جبال الآبالاش
تشير نتائج النماذج إلى أن الشذوذ الشمالي للأبالاش لم يتكوّن في موقعه الحالي، بل نشأ على مسافة بعيدة تقارب 1800 كيلومتر في منطقة بحر لابرادور، حيث بدأت القشرة في التمزق بين كندا وغرينلاند قبل 90 إلى 80 مليون سنة.
وفق الحسابات التي قدّمها الباحثون، تحركت هذه الجيبة من الصخور الحارة وغير المستقرة ببطء شديد عبر الزمن، بسرعة في حدود 20 كيلومترًا لكل مليون سنة، حتى وصلت تدريجيًا إلى موقعها الحالي تحت نيو إنجلاند. شارك في هذا العمل باحثون من مركز هيلمهولتز لعلوم الجيوفيزياء في بوتسدام (Helmholtz Centre for Geosciences in Potsdam, GFZ) وجامعة فلورنسا (University of Florence) إلى جانب جامعة ساوثهامبتون.
غيرنون يشير إلى أن هذا "التدفق الحراري الصاعد" قد يساعد في تفسير استمرار وجود سلاسل جبلية قديمة مثل جبال الآبالاش حتى اليوم. فالحرارة عند قاعدة القارة يمكن أن تضعف جزءًا من "جذرها" الكثيف، فيتم التخلص من هذا الثقل تدريجيًا، فتغدو القارة أخف وأكثر طفوًا، على غرار منطاد يسهل ارتفاعه بعد أن يتخلص من حمولته. وبهذه الطريقة يمكن أن تكون الجبال القديمة قد رُفعت من جديد خلال ملايين السنين الأخيرة.

نظرية موجة الوشاح: موجات عميقة تشبه مصباح الحمم
اعتمد العلماء في تفسيرهم على إطار نظري حديث أطلقوا عليه اسم نظرية موجة الوشاح ("mantle wave" theory)، وقد وصلت هذه الفكرة إلى المرحلة النهائية في مسابقة مجلة Science لاختيار إنجاز العام العلمي لعام 2024.
تصف هذه النظرية كيف يمكن لكتل من الصخور الحارة والكثيفة أن تنفصل تدريجيًا عن قاعدة الصفائح التكتونية بعد انقسام القارات. تتحرك هذه الكتل، أو "الفقاعات"، صعودًا وهبوطًا في أعماق الوشاح بطريقة تشبه الحركة البطيئة للكتل المتوهجة في مصباح الحمم. وعلى مدى عشرات الملايين من السنين، يمكن أن تنتقل هذه الموجات العميقة تحت القارات لمسافات شاسعة، وتساعد في تفسير وجود براكين غير معتادة في عمق القارات وارتفاع مناطق جبلية بعيدًا عن حدود الصفائح، بل وحتى بعض الثورات البركانية النادرة التي تحمل الألماس من الأعماق إلى سطح الأرض.
ولربط الشذوذ الشمالي للأبالاش بهذه الصورة الأكبر، دمج الفريق بين نماذج جيوديناميكية حاسوبية، وتقنيات التصوير المقطعي الزلزالي، وهي أشبه بفحوصات تصوير طبي لكن باستخدام الموجات الزلزالية لرؤية باطن الأرض، إضافة إلى إعادة بناء مواقع الصفائح التكتونية في الماضي. سمح هذا الدمج بتتبع أصل الشذوذ الحراري العميق إلى فترة فتح بحر لابرادور وانسحاب غرينلاند بعيدًا عن كندا قبل 90 إلى 80 مليون سنة.
قطرات صخرية تغوص وتصعد تحت القارات
البروفيسور ساشا بروينه (Sascha Brune)، المؤلف المشارك ورئيس قسم النمذجة الجيوديناميكية في GFZ، يوضح أن ما يحدث في عمق الوشاح يمكن وصفه على أنه لااستقرار حمل حراري، حيث تبدأ "قطع" من الصخور بسماكة عشرات الكيلومترات في الانفصال ببطء عن قاعدة الغلاف الصخري، أو الليثوسفير، وهو الجزء الخارجي الصلب من الأرض.
عندما يترقق الليثوسفير بهذه الطريقة، يرتفع الوشاح الأعمق والأكثر حرارة ليحل محل الصخور التي غاصت، مكوّنًا منطقة دافئة تُعرف بالشذوذ الحراري. وتُظهر أبحاث سابقة لنفس الفريق أن هذه "القطرات" من الصخور يمكن أن تتشكل في سلسلة متتابعة تشبه أحجار الدومينو التي تسقط واحدًا تلو الآخر، وتتحرك بالتتابع عبر الزمن تحت القارة.
يرى الباحثون أن الشذوذ الذي يُرصد اليوم تحت نيو إنجلاند يمثل على الأرجح واحدة من هذه القطرات العميقة التي نشأت بعيدًا عن موقعها الحالي ثم تحركت تدريجيًا. وتشير الحسابات إلى أن الشذوذ الشمالي للأبالاش يتجه ببطء نحو الجنوب الغربي عبر الليثوسفير الأمريكي بمعدل يقارب 20 كيلومترًا لكل مليون سنة، وأن حجمه الحالي، البالغ نحو 350 كيلومترًا عرضًا، وعمقه يتوافقان جيدًا مع التوقعات النظرية لهذه الاضطرابات العميقة البطيئة. وتقدّر الدراسة أن مركز هذا الشذوذ قد يمر تحت منطقة نيويورك بعد حوالي 15 مليون سنة.
نظير عميق تحت غرينلاند وتأثيره في الغطاء الجليدي
لا تقتصر آثار هذه العمليات على الجانب الأمريكي فقط. فالدراسة تقترح وجود شذوذ حراري مشابه تحت الجزء الشمالي الأوسط من غرينلاند، قد يكون تشكّل في الجهة المقابلة من بحر لابرادور في الفترة نفسها التي انفصلت فيها غرينلاند عن أمريكا الشمالية، ليكون بمثابة "نظير جيولوجي" للشذوذ الشمالي للأبالاش.
تحت غرينلاند، يرفع هذا المصدر الحراري العميق درجة الحرارة عند قاعدة الغطاء الجليدي السميك، ما يؤثر في طريقة تدفق الجليد وذوبانه في الوقت الحاضر. ويشير غيرنون إلى أن هذه الشذوذات الحرارية القديمة لا تزال تلعب دورًا مهمًا في تشكيل ديناميكية الصفائح الجليدية القارية من الأسفل، رغم مرور عشرات الملايين من السنين على نشأتها.
عمليات عميقة طويلة العمر تعيد تشكيل القارات
الدكتور ديريك كير (Derek Keir)، المؤلف المشارك والمتخصص في التكتونيات في جامعة ساوثهامبتون وجامعة فلورنسا، يرى أن فكرة أن تمزق القارات يمكن أن يولّد قطرات وخلايا من الصخور الحارة المتحركة في العمق، تمتد آلاف الكيلومترات إلى داخل القارات، تدفعنا إلى إعادة النظر في فهمنا لحواف القارات اليوم وفي الماضي السحيق.
وتدعم نتائج الدراسة أعمالًا سابقة أوضحت أن العمليات العميقة في باطن الأرض يمكن أن تستمر فترة طويلة بعد أن يهدأ النشاط الظاهر على السطح. هذه الاضطرابات البطيئة في الوشاح قد تسهم في رفع اليابسة أو تآكلها، وفي توزيع النشاط البركاني داخل القارات، حتى في المناطق التي نعدها مستقرة جيولوجيًا.
ويختتم غيرنون بالإشارة إلى أن سطح القارة قد يبدو ساكنًا اليوم، لكن في الأعماق لا تزال تبعات تمزق القارات القديمة تتفاعل. وربما يكون إرث انفصال الكتل القارية وتأثيره في بقية أجزاء النظام الأرضي أوسع وأطول عمرًا مما كان يُعتقد في السابق.




