رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:30 م calendar السبت 18 يوليو 2026

3–4 أكواب يوميًا: هل تصبح القهوة عاملًا حيويًا في حماية التيلوميرات؟

في وقت يبحث فيه العلماء عن طرق غير دوائية لدعم الصحة الخلوية، تُظهر البيانات الحديثة دورًا محتملًا للقهوة المعتدلة في إبطاء الشيخوخة.

القهوة المعتدلة تقلل
القهوة المعتدلة تقلل العمر البيولوجي… وفقًا لأبحاث حديثة

    ملخص

    في اكتشاف حديث نُشر في BMJ Mental Health، وجد باحثون أن الاستهلاك المعتدل للقهوة قد يرتبط بإبطاء الشيخوخة الخلوية لدى المصابين باضطرابات نفسية شديدة. الدراسة، المستندة إلى بيانات عشرية من مشروع TOP النرويجي، كشفت أن شرب 3–4 أكواب يوميًا يرتبط بتيلوميرات أطول تعكس عمرًا بيولوجيًا أصغر بنحو خمس سنوات. ويُرجّح الباحثون أن مركبات القهوة المضادة للأكسدة والالتهاب قد تلعب دورًا في حماية هذه الفئة، مع التأكيد على أهمية الاعتدال ودعم النتائج بأبحاث مستقبلية.

    اكتشاف علمي جديد يربط القهوة بإبطاء الشيخوخة لدى المرضى النفسيين
    كيف قد تبطئ القهوة تدهور الخلايا لدى المصابين بالفصام والذهان؟

    3 إلى 4 أكواب من القهوة يوميًا وإبطاء الشيخوخة البيولوجية

     

    بالنسبة لملايين الناس، فنجان القهوة جزء عادي من الروتين اليومي، يمنحهم بعض اليقظة والتركيز. لكن لدى من يعيشون مع اضطرابات نفسية شديدة، قد يحمل هذا الفنجان أثرًا أعمق مما نتصور. دراسة جديدة نُشرت في BMJ Mental Health تشير إلى أن شرب 3–4 أكواب من القهوة يوميًا يرتبط بإبطاء بعض علامات الشيخوخة البيولوجية على مستوى الخلايا، من خلال الحفاظ على تيلوميرات أطول، وهي أجزاء صغيرة في نهايات الكروموسومات تُعد مؤشرًا على عمر الخلية.

    وبحسب تقديرات الباحثين، فإن طول التيلوميرات لدى من يشربون 3–4 أكواب يوميًا قد يعادل عمرًا بيولوجيًا أصغر بنحو خمس سنوات مقارنةً بأشخاص لا يشربون القهوة على الإطلاق، وذلك لدى فئة تعاني أصلًا من اضطرابات نفسية شديدة.

    لفهم هذه العلاقة، ركز الفريق البحثي على أشخاص تم تشخيصهم بحالات مثل الفصام، الذهان، الاضطراب ثنائي القطب، والاكتئاب الشديد المصحوب بأعراض ذهانية، ودرسوا كيف يرتبط استهلاك القهوة لديهم بطول التيلوميرات.

    ما هي التيلوميرات ولماذا تهم مرضى الاضطرابات النفسية؟

     

    التيلوميرات توجد في نهايات الكروموسومات، ويمكن تشبيهها بالأغطية البلاستيكية الصغيرة في أطراف أربطة الأحذية التي تمنعها من الاهتراء. مع مرور الوقت والتقدم في العمر، تقصر هذه التيلوميرات بشكل طبيعي، وهو جزء من عملية الشيخوخة الخلوية.

    لكن الباحثين يشيرون إلى أن هذا القصر يحدث بوتيرة أسرع لدى من يعانون من اضطرابات نفسية كبرى مثل الفصام والذهان والاضطراب ثنائي القطب، وربما يعكس تعرضهم لإجهاد بدني ونفسي مزمن. ولأن التيلوميرات تتأثر بعوامل بيئية مختلفة، من بينها النظام الغذائي ونمط الحياة، تساءل فريق الدراسة عما إذا كان للاستهلاك المعتدل للقهوة دور في إبطاء هذا التدهور لدى المصابين بهذه الاضطرابات.

    القهوة معروفة أصلًا بارتباطها ببعض الفوائد الصحية عند تناولها باعتدال، لذا بدت هدفًا منطقيًا لفحص علاقتها بطول التيلوميرات في هذه الفئة الحساسة صحيًا.

    القهوة بين الفائدة والحدود: ماذا تقول الدراسات عن الشيخوخة البيولوجية؟
    علاقة القهوة بالصحة الخلوية لدى مرضى الذهان

    دراسة نرويجية على مرضى الفصام والاضطراب ثنائي القطب وعادات شرب القهوة

     

    شملت الدراسة 436 شخصًا بالغًا شاركوا في دراسة نرويجية عن الذهان تُعرف باسم Norwegian Thematically Organised Psychosis (TOP)، جُمعت بياناتهم بين عامي 2007 و2018. من بين هؤلاء كان 259 مشاركًا مصابًا بالفصام، و177 مصابًا باضطرابات وجدانية تشمل الاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب الشديد مع الذهان.

    سُئل المشاركون عن كمية القهوة التي يشربونها يوميًا، ثم قُسموا إلى أربع فئات:

    من لا يشربون القهوة (44 شخصًا)، من يشربون 1–2 كوب يوميًا، من يشربون 3–4 أكواب يوميًا (110 أشخاص)، ومن يستهلكون 5 أكواب أو أكثر. كما طُلب منهم ذكر عادات التدخين ومدة التدخين، لأن التدخين يؤثر في كيفية استقلاب الجسم للكافيين.

    أظهرت البيانات أن من يشربون 5 أكواب أو أكثر يوميًا يميلون إلى أن يكونوا أكبر سنًا من الأشخاص الذين لا يشربون القهوة أو يكتفون بكوب أو كوبين. كما أن المشاركين المصابين بالفصام كانوا، في المتوسط، أكثر استهلاكًا للقهوة من المصابين بالاضطرابات الوجدانية الأخرى. وبشكل عام، كان نحو ثلاثة أرباع العينة (77%، أي 337 شخصًا) من المدخنين، بمتوسط تاريخ تدخين يبلغ 9 أعوام، مع ملاحظة أن من يشربون 5 أكواب فأكثر لديهم تاريخ تدخين أطول من غيرهم.

    منحنى على شكل حرف J: متى تصبح القهوة مفيدة للتيلوميرات؟

     

    لقياس طول التيلوميرات، استخدم الباحثون خلايا الدم البيضاء (leucocytes) المستخلصة من عينات الدم. وعندما قارنوا النتائج بين فئات استهلاك القهوة، ظهرت فروق واضحة شكلت منحنى على هيئة حرف J؛ أي أن الفائدة بدت أكبر عند مستوى متوسط من الاستهلاك ثم اختفت عند الإفراط.

    مقارنة بمن لا يشربون القهوة، كان لدى من يستهلكون 3–4 أكواب يوميًا تيلوميرات أطول، وهو ما يشير إلى تباطؤ في الشيخوخة البيولوجية على مستوى الخلايا. هذه العلاقة الإيجابية لم تظهر لدى من يشربون 5 أكواب أو أكثر، ما يعني أن تجاوز الحد المعتدل لم يكن مصحوبًا بنفس الفائدة المحتملة.

    وعند التركيز على من يشربون 4 أكواب يوميًا تحديدًا، وجد الباحثون أن طول التيلوميرات لديهم يتماشى مع عمر بيولوجي أصغر بنحو خمس سنوات مقارنة بغير مستهلكي القهوة. وقد جرى هذا التقدير بعد ضبط عوامل عدة، منها العمر والجنس والأصل العرقي والتدخين ونوع الاضطراب النفسي والعلاجات المستخدمة. ومن المثير أن هذا المستوى من الاستهلاك يتوافق مع الحد الأقصى اليومي الذي توصي به جهات صحية كبرى، مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية (US Food and Drug Administration, FDA).

    كيف يمكن أن تؤثر القهوة في التيلوميرات؟

     

    يؤكد الباحثون أن هذه الدراسة رصدية (Observational)، وبالتالي لا تثبت علاقة سببية مباشرة بين شرب القهوة وإبطاء الشيخوخة الخلوية. كما يشيرون إلى نقص بعض التفاصيل التي قد تكون مؤثرة، مثل نوع القهوة المستخدمة، ووقت تناولها خلال اليوم، ومحتواها الدقيق من الكافيين، وما إذا كان المشاركون يستهلكون مشروبات أخرى تحتوي على الكافيين.

    مع ذلك، يلفت الفريق إلى أن القهوة تحتوي على مركبات قوية مضادة للأكسدة ومضادة للالتهاب، يمكن أن تساعد في حماية الخلايا من الأذى المرتبط بالتقدم في العمر. التيلوميرات حساسة بشكل خاص للإجهاد التأكسدي والالتهاب، ما يجعل من المنطقي افتراض أن القهوة، عند استهلاكها بكمية معتدلة، قد تسهم في الحفاظ على طولها لدى أشخاص قد تكون مساراتهم البيولوجية أصلاً مهيأة لشيخوخة أسرع.

    في المقابل، يحذّر الباحثون من أن تجاوز الكمية اليومية الموصى بها قد يأتي بنتائج عكسية؛ إذ إن استهلاك أكثر من الحد الموصى به من القهوة يمكن أن يسبب ضررًا على المستوى الخلوي ويؤدي إلى قصر التيلوميرات من خلال زيادة تكوّن أنواع الأكسجين التفاعلية، وهي جزيئات قادرة على مهاجمة مكونات الخلية وإلحاق الضرر بها.

    بين الانتشار العالمي للقهوة وحدود الأمان الصحية

     

    القهوة واحدة من أكثر المشروبات استهلاكًا على مستوى العالم، مع تقديرات تشير إلى استهلاك نحو 10.56 مليار كيلوغرام منها عالميًا في الفترة 2021–2022. هذا الانتشار الواسع يجعل أي نتائج تتعلق بتأثيرها على الصحة العامة ذات أهمية خاصة، لا سيما لدى فئات أكثر هشاشة مثل المصابين باضطرابات نفسية شديدة.

    ورغم أن الدراسة الحالية تلمّح إلى فائدة محتملة لشرب 3–4 أكواب من القهوة يوميًا في إبطاء بعض مظاهر الشيخوخة البيولوجية لدى هذه الفئة، فإن الباحثين يشددون على ضرورة الالتزام بالتوصيات العالمية التي تنصح بألا يتجاوز استهلاك الكافيين 400 ملغ يوميًا، أي ما يعادل تقريبًا أربعة أكواب من القهوة. الرسالة الأساسية ليست أن الإكثار من القهوة مفيد، بل أن الاعتدال في استهلاكها قد يحمل فائدة إضافية على مستوى الخلايا، خصوصًا عند من يعانون من اضطرابات نفسية مزمنة، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج وفهمها بشكل أعمق.

    تم نسخ الرابط