لماذا تدفع الأطعمة فائقة المعالجة الشباب للأكل دون جوع؟
بينما تتساوى الأنظمة الغذائية في المغذيات، تبيّن التجارب أن الأطعمة فائقة المعالجة وحدها قادرة على تغيير كمية الطعام التي يستهلكها الشباب في جلسة واحدة.
ملخص
في تجربة بحثية حديثة نُشرت في Obesity، وجد علماء من فيرجينيا تيك أن الأطعمة فائقة المعالجة تغيّر سلوك الأكل لدى الشباب بطريقة مدهشة. فعلى الرغم من تطابق الأنظمة الغذائية في المغذيات والسعرات، أدى النظام الغني بالأطعمة المصنعة إلى زيادة ملحوظة في تناول الطعام، خصوصًا بين الفئة الأصغر عمرًا. وتكشف هذه النتائج أن تأثير هذه الأطعمة يتجاوز محتواها الغذائي ليصل إلى آليات الشهية، مما يعزز مخاطر السمنة المبكرة.

الأطعمة فائقة المعالجة تجعل المراهقين يأكلون أكثر حتى دون جوع
تشهد الولايات المتحدة ارتفاعًا مقلقًا في معدلات زيادة الوزن والسمنة بين المراهقين والشباب. تحليل نُشر في The Lancet توقّع أنه بحلول عام 2050 سيستوفي نحو واحد من كل ثلاثة أميركيين بين 15 و24 عامًا معايير السمنة، ما يضع هذه الفئة في مواجهة خطر أعلى للإصابة بمشكلات صحية خطيرة، من أمراض القلب إلى اضطرابات التمثيل الغذائي.
العوامل المؤدية لهذا الاتجاه كثيرة، من الاستعدادات الجينية إلى انخفاض النشاط البدني، لكن ما يُوضَع على طبق الطعام يظل في قلب المشكلة. فالأطعمة فائقة المعالجة (ultra-processed foods)، التي تشكّل ما بين 55 و65 في المئة من غذاء الشباب في الولايات المتحدة، ارتبطت بمتلازمة الأيض (metabolic syndrome)، وضعف صحة القلب والأوعية الدموية، وغيرها من المشكلات لدى المراهقين.
لفهم كيف تؤثر هذه الأطعمة في سلوك الأكل لدى الشباب أنفسهم، أجرى باحثون من جامعة فيرجينيا تيك (Virginia Tech) تجربة محكمة على شبان وشابات في سن الجامعة تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Obesity، وركزت على هذه المرحلة العمرية الحساسة التي تبدأ فيها عادات الأكل وأخطار السمنة بالتشكل.
ما هي الأطعمة فائقة المعالجة ونظام NOVA؟
استخدم الباحثون نظام تصنيف يُعرف باسم نظام NOVA، طوّره خبراء تغذية في جامعة ساو باولو بالبرازيل، ويقسّم الأطعمة وفق درجة معالجتها وليس فقط وفق محتواها الغذائي.
في هذا النظام، تُعد الفواكه الطازجة والبقوليات والزبادي العادي أطعمة غير أو قليلة المعالجة. وتُصنَّف الزيوت النباتية والزبدة والملح كمكونات طهوية تُستخدم في إعداد الطعام. وهناك أطعمة مصنّعة بشكل بسيط مثل الجبن والخضروات المعلبة والخبز الطازج. أمّا الأطعمة فائقة المعالجة، مثل المشروبات الغازية، الزبادي المنكّه، ومعظم الوجبات الخفيفة والجاهزة المعبأة، فهي ناتجة عن عمليات صناعية معقدة وتضم مضافات لا تُستخدم عادة في المطابخ المنزلية.
هذا التمييز كان أساسيًا في تصميم التجربة، لأن الهدف لم يكن مجرد مقارنة أطعمة "صحية" بأخرى "غير صحية"، بل عزل أثر درجة المعالجة نفسها في سلوك الأكل لدى الشباب.
كيف صُممت الدراسة على شباب 18 إلى 25 عامًا؟
استقطب فريق فيرجينيا تيك 27 شابًا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، وكان وزنهم مستقرًا في الأشهر الستة السابقة للتجربة. خضع كل مشارك لنظامين غذائيين مختلفين، مدة كل منهما أسبوعان، مع وجبة فطور تُقدَّم في المختبر وباقي الوجبات تُحضّر في مطبخ أيضي مخصص للتحكم الدقيق في المكونات والكميات.
النظام الأول وفّر 81 في المئة من السعرات الحرارية من الأطعمة فائقة المعالجة، بينما لم يتضمن النظام الثاني أي أطعمة فائقة المعالجة على الإطلاق. ورغم هذا الاختلاف الكبير في نوعية الطعام، حرص الباحثون على أن تتطابق الحميتان في 22 سمة غذائية مختلفة، من بينها البروتينات والدهون والكربوهيدرات، والألياف، والسكر المضاف، والكثافة الطاقية، إضافة إلى مجموعة من الفيتامينات والمعادن.
توضح بريندا ديفي (Brenda Davy)، المؤلفة البارزة في الدراسة وأستاذة في قسم التغذية البشرية والأغذية والتمارين الرياضية في فيرجينيا تيك، أن هذا المستوى من المطابقة بين نظامين غذائيين في الأبحاث السابقة كان نادرًا، ما يجعل نتائج هذه التجربة أكثر قوة في عزل أثر "المعالجة" بحد ذاته دون تشويش من اختلاف المغذيات.
بعد كل فترة من النظامين الغذائيين، قاس الفريق سلوك الأكل لدى المشاركين في وجبة واحدة على طراز البوفيه المفتوح، للتعرف إلى الكمية التي سيتناولونها عندما يُسمح لهم بالأكل بحرية.

بوفيه الفطور… وتناول الطعام دون جوع
بعد انتهاء كل فترة غذائية من الأسبوعين، دُعي المشاركون إلى فطور بوفيه يضم خيارات من أطعمة فائقة المعالجة وأخرى غير فائقة المعالجة. جاء الجميع إلى المختبر وهم صائمون، ثم جلس كل واحد في غرفة منفصلة وتلقى صينية تحتوي على نحو 1800 سعر حراري، أي ما يقارب أربعة أضعاف فطور أميركي اعتيادي. أُتيح لهم 30 دقيقة ليأكلوا بالكمية التي يشاؤون.
لكن الباحثين لم يكتفوا بذلك. مباشرة بعد الفطور، قُدمت للمشاركين صينية وجبات خفيفة لقياس "تناول الطعام في غياب الجوع". طُلب منهم تذوق لقمة من كل صنف وتقييم مدى استساغته ومعرفته لديهم، ثم تُرك لهم الخيار: الاستمرار في الأكل أو الاكتفاء بالجلوس والراحة لما تبقى من الجلسة.
عند النظر إلى المجموعة كاملة، لم يظهر اختلاف واضح في مجموع السعرات الحرارية أو كمية الطعام التي استهلكت في البوفيه بين النظامين، كما لم تتغير نسبة الأطعمة فائقة المعالجة المختارة. هذه النتائج لم تختلف أيضًا بحسب الجنس أو مؤشر كتلة الجسم (BMI). للوهلة الأولى، بدا أن نوعية النظام لم تؤثر كثيرًا في سلوك الأكل عند هذه الوجبة.
الشباب الأصغر كانوا الأكثر تأثرًا
حين قسّم الباحثون المشاركين بحسب العمر، ظهرت صورة مختلفة تمامًا. الفئة بين 18 و21 عامًا استهلكت سعرات حرارية أكثر في فطور البوفيه بعد فترة النظام الغني بالأطعمة فائقة المعالجة، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى من تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عامًا.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك. المشاركون الأصغر سنًا كانوا أكثر ميلًا لمواصلة الأكل من الوجبات الخفيفة رغم عدم شعورهم بالجوع، بعد الفترة التي قضوها على النظام الغني بالأطعمة فائقة المعالجة. تقول العالمة العصبية أليكس دي فيليسِأنتونيو (Alex DiFeliceantonio)، المشاركة في الدراسة وأستاذة مساعدة في معهد فرالين للأبحاث الطبية الحيوية بفرجينيا تيك، إن "المجموعة الأصغر تناولت المزيد في وجبة البوفيه بعد النظام فائق المعالجة، ثم، حين أُتيحت لهم فرصة تناول وجبات خفيفة دون جوع، استمروا في الأكل مرة أخرى".
تضيف أن تناول الوجبات الخفيفة دون جوع يُعد مؤشرًا مهمًا على زيادة الوزن في المراحل اللاحقة من حياة الشباب، وأن التعرض المتكرر للأطعمة فائقة المعالجة يبدو أنه يعزز هذا الميل لدى المراهقين والشباب في بداية العشرينات.
أما ديفي فتنبه إلى أنه رغم أن هذه التجربة قصيرة الأمد، فإن استمرار هذا الارتفاع في السعرات على المدى الطويل يمكن أن يقود إلى زيادة في الوزن والسمنة لدى هذه الفئة العمرية، خاصة إذا تزامن مع أنماط حياة قليلة الحركة.
عزل أثر "المعالجة" وخطط البحث المقبلة
تشير دي فيليسِأنتونيو إلى أن دراسات سابقة على البالغين منحت المشاركين وصولًا حرًا ومستمرًا إلى الأطعمة فائقة المعالجة، فكانوا يأكلون أكثر يوميًا ويكتسبون الوزن مع الوقت. في المقابل، حافظت تجربة فيرجينيا تيك على كمية السعرات اليومية والكثافة الطاقية نفسها في كلا النظامين، ثم درست سلوك الأكل في وجبة واحدة فقط بعد كل فترة غذائية.
توضح الباحثة أن هذا التصميم مهم لأنه يساعد على عزل أثر درجة "المعالجة" في الطعام على استهلاك الطاقة، بعيدًا عن تأثير زيادة الوزن اليومية أو ارتفاع احتياجات الجسم للطاقة، ما يتيح رؤية أوضح لتأثير الأطعمة فائقة المعالجة وحدها في سلوك الأكل.
في الوقت نفسه، يقرّ الفريق بأن مدة الدراسة القصيرة وتركيزها على وجبة واحدة لا يعكسان تمامًا واقع الحياة اليومية، حيث تتكرر فرص الأكل على مدار اليوم. لذلك تقترح ديفي أن تمتد الدراسات المستقبلية لفترات أطول، وأن تشمل مشاركين أصغر سنًا، وأن تسمح بوصول مستمر إلى الطعام لمحاكاة الظروف الواقعية بشكل أفضل، إضافة إلى توسيع حجم العينة.
كما يشير الباحثون إلى أن دمج أدوات مثل تصوير الدماغ وقياس المؤشرات الحيوية قد يساعد على كشف المسارات البيولوجية التي تربط التعرض المتكرر للأطعمة فائقة المعالجة بتغير سلوك الأكل عبر مراحل النمو. هذا المجال يمثل محورًا نشطًا في أبحاث دي فيليسِأنتونيو وديفي، مع تركيز خاص على فهم سبب هشاشة المراهقين والشباب أمام تأثير هذه الأطعمة على الوزن والصحة.




