رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:19 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

لماذا تطوّر الوعي ليشمل الألم والمتعة؟

إذا كان الألم جزءًا أساسيًا من الوعي، فهل هو خطأ في التصميم أم أداة إنذار فعّالة صاغها التطور؟

الألم، الانتباه،
الألم، الانتباه، الذات: خريطة الوعي التطورية

    ملخص

    في بحث علمي جديد نُشر في مجلة Philosophical Transactions of the Royal Society B، طُرحت مقاربتان تفسران تطور الوعي بوصفه آلية وظيفية مرتبطة بالبقاء. تقترح نظرية ALARM أن الوعي يتكوّن من ثلاث طبقات، يبدأ أبسطها بالألم كإشارة إنذار حيوي، ثم يتوسع ليشمل الانتباه الموجّه الضروري للتعلم، وصولًا إلى وعي الذات المرتبط بالتفاعل الاجتماعي. في السياق نفسه، تعرض أبحاث عصبية وسلوكية أدلة تشير إلى امتلاك الطيور أشكالًا من الوعي الحسي ووعي ذاتي موقفي، رغم اختلاف بنيتها الدماغية عن الثدييات.

    من الإنذار إلى التعلم: كيف يعمل الوعي؟
    الوعي كآلية بقاء لا كتجربة نفسية فقط

    لغز قديم خلف التجربة اليومية

     

    حياتنا اليومية تُدار عبر خبرة واعية تبدو بديهية، لكنها في العمق لغز كبير. أحيانًا يكون الوعي ممتعًا، مثل دفء الشمس على الجلد أو الاستمتاع بلحظة هدوء. وأحيانًا يكون موجعًا، من ألم إصابة بسيطة إلى معاناة نفسية ممتدة مثل التشاؤم المزمن. هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تطوّرت لدى الكائنات الحية خبرة إدراكية تتضمن المتعة والألم وقد تصل إلى معاناة شديدة؟

    وللاقتراب من إجابة هذا السؤال، تناولت ورقتان بحثيتان منشورتان في Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences الوعي من زاويتين متكاملتين. الأولى تقترح أن الوعي ليس مستوى واحدًا، بل ثلاث طبقات وظيفية. أما الثانية فتنقل النقاش إلى الطيور، لتسأل إن كانت تمتلك بدورها أشكالًا من الإدراك الواعي، وما الذي تقوله تجارب السلوك والدماغ عن ذلك.

    ثلاث طبقات للوعي وفق نظرية الإنذار

     

    في دراسة بعنوان "Three types of phenomenal consciousness and their functional roles: unfolding the ALARM theory of consciousness"، وصف ألبرت نوين (Albert Newen) وكارلوس مونتمايور (Carlos Montemayor) الوعي الظواهري (phenomenal consciousness) بأنه الخبرة الذاتية المباشرة التي نعيشها من الداخل، واقترحا أنه يأتي في ثلاث طبقات رئيسية: الاستثارة الأساسية، ثم اليقظة العامة، ثم الوعي الانعكاسي بالذات.

    بحسب نوين، كانت الاستثارة الأساسية الأسبق ظهورًا في التاريخ التطوري. وظيفتها الأولى وضع الجسم في حالة إنذار “ALARM” في المواقف المهددة للحياة، حتى يتمكن الكائن من النجاة. في هذا المستوى، يأخذ الألم دورًا مركزيًا. نوين وصف الألم بأنه وسيلة شديدة الكفاءة لإدراك الضرر الذي يصيب الجسم والتنبيه إلى التهديد المرتبط باستمرار الحياة، وهو ما يدفع غالبًا إلى استجابة بقاء مثل الهرب أو التجمد. وبهذا المعنى، يصبح الألم جزءًا عمليًا من نظرية ALARM للوعي، إذ يعمل كجرس إنذار سريع وفعّال.

    لكن النجاة لا تقوم على الإنذار وحده. فمع الوقت، احتاجت الكائنات أيضًا إلى آلية تساعدها على اختيار ما يستحق التركيز، والتعلم من الإشارات بدل الاكتفاء برد الفعل عليها.

    اليقظة العامة وكيف يتكوّن التعلم من الانتباه

     

    هنا تظهر طبقة اليقظة العامة باعتبارها تطورًا لاحقًا. هذه الطبقة لا تتعلق فقط بالشعور العام بما حولنا، بل بالقدرة على توجيه الانتباه نحو إشارة واحدة مهمة وتجاهل إشارات أخرى في الخلفية.

    مونتمايور قرّب الفكرة بمشهد بسيط: إذا كان شخص يتحدث إليك ثم لاحظت فجأة دخانًا، يتحول انتباهك فورًا إلى الدخان بينما تبحث عن مصدره. في هذه اللحظة، لا يحدث “التنبه” فقط، بل يبدأ التعلم. مونتمايور أوضح أن اليقظة الموجهة تجعل من الممكن تعلم ترابطات جديدة، بدءًا من الترابط السببي البسيط الذي يفيد بأن الدخان يأتي من نار ويشير إلى موقعها، وصولًا إلى ترابطات أكثر تعقيدًا قد تكون علمية. وهكذا تصبح اليقظة العامة وسيلة لبناء معرفة تدريجية عن العالم عبر انتقاء الإشارات الأهم في الوقت المناسب.

    طبقات الوعي ودورها في النجاة
    من الإنذار إلى التعلم: كيف يعمل الوعي؟

    الوعي الانعكاسي بالذات ودوره في الحياة الاجتماعية

     

    الطبقة الثالثة هي الوعي الانعكاسي بالذات. هنا لا يقتصر الأمر على مراقبة البيئة أو التركيز على إشاراتها، بل يتجه الوعي إلى الداخل: التفكير في الذات، واستحضار الماضي، وتوقع المستقبل. في صورته الأكثر تقدمًا، يسمح هذا المستوى ببناء صورة ذهنية عن النفس يمكن استخدامها لتوجيه القرارات والخطط.

    نوين أشار إلى أن الوعي الانعكاسي، في أبسط صوره، تطور بالتوازي مع الطبقتين السابقتين، لكنه يغيّر مركز التجربة الواعية. فبدل أن يتركز الوعي على إدراك البيئة، يتجه نحو التسجيل الواعي لجوانب من الذات مثل حالات الجسد، والإدراكات، والأحاسيس، والأفكار، والأفعال.

    وتورد الدراسة مثالًا مباشرًا على ذلك يتمثل في التعرف على الذات في المرآة. الأطفال البشر يطورون هذه القدرة عادة حول عمر 18 شهرًا. كما لوحظت لدى بعض الحيوانات، مثل الشمبانزي والدلافين وطيور العقعق. وفي جوهرها، تُسهم هذه الطبقة من وعي الذات في الاندماج الاجتماعي والتنسيق مع الآخرين، لأنها تساعد الفرد على فهم موقعه داخل جماعة والتصرف وفق ذلك.

    الطيور الواعية كاختبار لحدود الوعي

     

    وإذا كان هذا التقسيم يشرح وظائف الوعي لدى البشر وبعض الحيوانات، فماذا عن الطيور؟ هنا تطرح دراسة أخرى داخل المجلة نفسها بعنوان "Conscious birds" لغيانماركو مالداريللي (Gianmarco Maldarelli) وأونور غونتوركون (Onur Güntürkün) فكرة أن الطيور قد تمتلك بدورها أشكالًا أساسية من الخبرة الواعية.

    تركز الورقة على ثلاثة مجالات تظهر فيها تشابهات قوية بين الطيور والثدييات: الوعي الحسي، والبنى الدماغية الداعمة للمعالجة الواعية، وأشكال من وعي الذات. واللافت أن الهدف ليس القول إن الطيور “نسخة” من الثدييات، بل إن الوظائف الإدراكية قد تصل إلى نتائج متقاربة عبر بنى مختلفة.

    إشارات الوعي الحسي عند الحمام والغربان

     

    في الوعي الحسي، تشير الدراسة إلى أن الطيور لا تتصرف دائمًا كأنها آلات تستجيب تلقائيًا لمحفزات. فعند الحمام، عندما عُرضت صور بصرية ملتبسة، تناوبت استجابته بين تفسيرات مختلفة لها، بطريقة تشبه ما يحدث لدى البشر عند مواجهة غموض بصري.

    أما في أبحاث الغربان، فتقدم الورقة دليلًا من داخل الدماغ: إشارات عصبية معينة عكست ما يدركه الطائر، وليس المحفز الفيزيائي نفسه. وعندما كان الغراب يلتقط المحفز بوعي في بعض المرات ولا يلتقطه في مرات أخرى، كانت خلايا عصبية محددة تستجيب بما يتوافق مع تلك الخبرة الداخلية.

    دماغ الطيور ومرونة المعالجة الواعية

     

    على مستوى الدماغ، تذكر الدراسة أن الطيور تمتلك تراكيب تدعم المعالجة الواعية رغم اختلاف تشريحها عن الثدييات. غونتوركون أوضح أن المكافئ الطيري للقشرة الجبهية الأمامية هو “NCL”، وأن هذا الجزء شديد الترابط ويسمح بدمج المعلومات ومعالجتها بمرونة. وتشير الورقة أيضًا إلى أن NCL جزء من شبكة واسعة الاتصالات تساعد على التكامل بين الإشارات المختلفة واتخاذ استجابات مرنة بحسب السياق.

    كما أشار غونتوركون إلى أن خريطة الاتصالات العصبية (connectome) للدماغ الأمامي لدى الطيور، التي تعرض تدفقات المعلومات بين المناطق المختلفة، تشترك في سمات عديدة مع الثدييات. وانطلاقًا من ذلك، تقول الدراسة إن الطيور تستوفي معايير عدة ضمن نظريات راسخة للوعي، مثل نظرية مساحة العمل العصبي العالمية (Global Neuronal Workspace theory). وتبعًا لهذه الرؤية، فإن الوصول إلى وظائف شبيهة بالوعي لا يتطلب بالضرورة قشرة مخية، ولا نفس البناء التشريحي الذي نراه لدى الثدييات.

    وعي ذاتي موقفي لدى الحمام والدجاج

     

    في جانب وعي الذات، تشير الدراسة إلى أن بعض أنواع الغرابيات تنجح في اختبار المرآة الكلاسيكي. لكن لأن اختبار المرآة قد لا يلتقط كل أشكال وعي الذات في عالم الطيور، استخدمت دراسات أخرى مقاربات بديلة أقرب إلى سلوكها الطبيعي، وكشفت أشكالًا إضافية من إدراك الذات لدى أنواع مختلفة.

    غونتوركون ذكر أن التجارب تشير إلى أن الحمام والدجاج يميزان بين انعكاسهما في المرآة وبين فرد حقيقي من النوع نفسه، ويتصرفان وفق السياق. واعتبر ذلك علامة على وعي ذاتي موقفي وبسيط، أي إدراك مرتبط بالموقف والسياق لا بالضرورة بصورة ذاتية متقدمة كما لدى البشر.

    في المحصلة، تقترح الدراستان أن الوعي قد لا يكون ظاهرة حديثة أو حكرًا على البشر. ومن خلال الحديث عن نظرية ALARM للوعي من جهة، وعن الطيور الواعية ومعايير مثل نظرية مساحة العمل العصبي العالمية ودور NCLمن جهة أخرى، تتشكل صورة تقول إن التطور ربما صنع أكثر من طريق للوصول إلى وظائف إدراكية متقاربة، حتى لو اختلفت البنى الدماغية جذريًا.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط