رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
06:53 م calendar السبت 18 يوليو 2026

لماذا لا توقف الحمى دائمًا إنفلونزا الطيور؟ اكتشاف جديد يهدد البشر

"فيروسات إنفلونزا الطيور قد تقاوم الحمى: دراسة تكشف الحقيقة وراء قدرتها على التكيف"

إنفلونزا الطيور وتهديدها:
إنفلونزا الطيور وتهديدها: لماذا لا تتأثر ببساطة بحرارة الحمى البشرية؟ - illustration

    ملخص

    بينما نعتبر الحمى دفاعًا قويًا ضد الفيروسات، فيروسات إنفلونزا الطيور تكسر هذا القيد، متجاوزةً الحرارة العالية لتظل تهديدًا للبشر.
    في دراسة حديثة نشرت في مجلة "Science"، كشف باحثون من جامعة كامبريدج وغلاسكو عن اكتشاف مثير يتعلق بإنفلونزا الطيور. أظهرت الدراسة أن بعض سلالات الفيروس تتحمل درجات حرارة الحمى البشرية بفضل جين PB1، مما يجعلها قادرة على التكيف والبقاء نشطة في جسم الإنسان. هذه النتائج تفتح المجال لدراسة أعمق حول تأثير الجين على انتقال الفيروسات، خاصة في سياق الجائحات المستقبلية وكيفية التعامل معها بشكل أكثر فعالية.

    بين الحمى وإنفلونزا الطيور
    هل تقاوم إنفلونزا الطيور الحمى؟ - illustration

    لماذا لا تكفي الحمى دائمًا لإيقاف إنفلونزا الطيور؟

     

    الحمى واحدة من أهم أدوات الجسم الدفاعية ضد الفيروسات؛ فرفع درجة حرارة الجسم يساعد غالبًا على إبطاء تكاثرها ومنح جهاز المناعة فرصة أفضل لمواجهتها. لكن في حالة إنفلونزا الطيور، يبدو أن هذه القاعدة لا تنطبق بالكامل. تظهر أبحاث جديدة أن بعض فيروسات إنفلونزا الطيور تستطيع الاستمرار في التكاثر في درجات حرارة أعلى من حرارة الحمى الطبيعية، ما يجعلها تهديدًا خاصًا للبشر.

    لتسليط الضوء على سبب قدرة إنفلونزا الطيور على مقاومة الحمى، قاد باحثون من جامعة كامبريدج (University of Cambridge) وجامعة غلاسكو (University of Glasgow) دراسة نُشرت في مجلة Science، كشفت عن جين فيروسي يلعب دورًا حاسمًا في تحديد مدى حساسية الفيروس للحرارة. المدهش أن هذا الجين انتقل خلال جائحتَي الإنفلونزا عامي 1957 و1968 من فيروسات إنفلونزا الطيور إلى سلالات الإنفلونزا البشرية المنتشرة، وساعدها على الازدهار.

    كيف تعمل الحمى عادة على إبطاء الفيروسات؟

     

    فيروسات الإنفلونزا البشرية الموسمية، وهي فيروسات الإنفلونزا A الشائعة، تصيب ملايين الأشخاص سنويًا. هذه الفيروسات تميل إلى التكاثر بكفاءة أكبر في الممرات التنفسية العليا، حيث تكون الحرارة أبرد نسبيًا وتصل في المتوسط إلى حوالي 33 درجة مئوية. في المقابل، لا تنتشر بالسهولة نفسها في الأجزاء السفلية من الجهاز التنفسي الأقرب إلى حرارة الجسم الأساسية، أي نحو 37 درجة مئوية.

    عندما يترك الفيروس دون سيطرة، يمكن أن ينتشر في الجسم ويسبب مرضًا شديدًا. هنا يأتي دور الحمى، إذ يرفع الجسم حرارته الداخلية وقد تصل إلى نحو 41 درجة مئوية. كان معروفًا أن هذه الزيادة في الحرارة تُبطئ كثيرًا من الفيروسات، لكن الكيفية الدقيقة التي يحدث بها ذلك، ولماذا تستطيع بعض الفيروسات تحمل هذه الظروف، لم تكن واضحة بالكامل حتى وقت قريب.

    إنفلونزا الطيور: فيروسات معتادة على درجات حرارة الحمى

     

    تعمل فيروسات إنفلونزا الطيور بطريقة مختلفة عن السلالات البشرية. فهي تميل إلى التكاثر في الأجزاء السفلية من الجهاز التنفسي، وفي عوائلها الطبيعية مثل البط والنورس كثيرًا ما تصيب الأمعاء. في هذه البيئات، يمكن أن تصل درجات الحرارة إلى 40–42 درجة مئوية، أي في نطاق يشبه أو يتجاوز درجات حرارة الحمى لدى الإنسان.

    دراسات سابقة على خلايا مزروعة في المعمل أشارت إلى أن فيروسات إنفلونزا الطيور أكثر تحمّلًا لدرجات حرارة الحمى من فيروسات الإنفلونزا البشرية. الدراسة الجديدة انتقلت خطوة أبعد، مستخدمة تجارب على الفئران الحية لتوضيح كيف تحمي الحمى من فيروسات الإنفلونزا Aالبشرية، ولماذا لا تكون هذه الحماية بالفاعلية نفسها أمام بعض سلالات إنفلونزا الطيور.

    هل تقاوم إنفلونزا الطيور الحمى؟
    بين الحمى وإنفلونزا الطيور - illustration

    تجارب الحمى في الفئران: عندما تصبح العدوى القاتلة خفيفة

     

    في هذه التجارب، أعاد الفريق البحثي خلق ظروف تشبه الحمى في الفئران ليروا كيف تتصرف الفيروسات المختلفة. استخدم العلماء سلالة من الإنفلونزا البشرية المعدّلة في المختبر، معروفة باسم "PR8"، وهي سلالة من أصل بشري لكنها غير خطرة على الإنسان.

    الفئران لا تطوّر عادةً حمى قوية عند إصابتها بفيروسات الإنفلونزا A، لذلك لجأ الباحثون إلى محاكاة الحمى برفع درجة الحرارة في البيئة التي تُربى فيها الفئران، ما أدى إلى رفع حرارة أجسامها.

    النتائج جاءت واضحة: رفع حرارة الجسم إلى مستوى يماثل الحمى كان فعالًا جدًا في منع فيروسات الإنفلونزا ذات الأصل البشري من التكاثر. في المقابل، لم تؤدِّ الزيادة نفسها في الحرارة إلى إيقاف فيروسات إنفلونزا الطيور. بل إن ارتفاعًا طفيفًا قدره درجتان مئويتان فقط كان كافيًا لتحويل عدوى بشرية المنشأ كانت ستكون مميتة عادةً إلى عدوى خفيفة نسبيًا. هذه التجارب أظهرت أن الحمى سلاح قوي ضد كثير من فيروسات الإنفلونزا Aالبشرية، لكنها أقل قدرة على كبح بعض سلالات إنفلونزا الطيور الأكثر تحمّلًا للحرارة.

    جين PB1: المفتاح الجزيئي لمقاومة الحرارة

     

    كشف الفريق أن الجين المعروف باسم PB1، وهو جزء أساسي من الآلية التي تستخدمها الفيروسات لنسخ مادتها الوراثية داخل الخلايا المصابة، يلعب دورًا مركزيًا في مقاومة الحرارة. الفيروسات التي تحمل نسخة شبيهة بالطراز الموجود في فيروسات الطيور من جين PB1 كانت قادرة على تحمّل درجات الحرارة العالية المصاحبة للحمى، واستمرت في التسبب بمرض شديد في الفئران. هنا يظهر جانب مقلق من تطور فيروسات الإنفلونزا: قدرتها على تبادل الجينات فيما بينها.

    عندما تصيب سلالات من فيروسات إنفلونزا الطيور والإنفلونزا البشرية المضيف نفسه، مثل بعض أنواع الخنازير، يمكن أن تتبادل أجزاء من مادتها الوراثية في عملية تُعرف بإعادة التشكيل. الدكتور مات تيرنبول (Matt Turnbull)، المؤلف الأول للدراسة من مركز مجلس البحوث الطبية لأبحاث الفيروسات في جامعة غلاسكو، أوضح أن هذه القدرة على "تبادل الجينات" تظل مصدر تهديد مستمر في ظهور سلالات إنفلونزا جديدة. فقد حدث ذلك بالفعل في جائحتَي 1957 و1968، حيث تبادل فيروس بشري جين PB1 مع سلالة من إنفلونزا الطيور، وربما ساهم ذلك في شدة المرض الذي سببته تلك الجائحات.

    يشير تيرنبول إلى أن مراقبة سلالات إنفلونزا الطيور، واختبار مدى مقاومة الفيروسات المحتملة للحمى، قد يساعدان في تحديد السلالات الأكثر ضراوة قبل أن تنتشر على نطاق واسع. هنا يصبح جين PB1علامة مهمة في تتبّع فيروسات إنفلونزا الطيور التي قد تمثل خطرًا وبائيًا أكبر.

    وفيات مرتفعة تجعل إنفلونزا الطيور تهديدًا عالميًا مستمرًا

     

    يضيف البروفيسور سام ويلسون (Sam Wilson)، الباحث الرئيس من معهد كامبريدج للعلاج المناعي والأمراض المعدية في جامعة كامبريدج، أن لحسن الحظ إصابة البشر بفيروسات إنفلونزا الطيور لا تزال نادرة نسبيًا، لكن ما زالت تُسجَّل عشرات الحالات سنويًا. المشكلة أن نسب الوفيات في تلك الحالات كانت تقليديًا مرتفعة بشكل مقلق، كما في بعض إصابات فيروس H5N1 التاريخية التي تجاوزت فيها الوفيات 40%.

    لهذا يؤكد ويلسون أن فهم الأسباب التي تجعل فيروسات إنفلونزا الطيور تسبب مرضًا شديدًا لدى البشر أمر حيوي لجهود المراقبة والاستعداد للأوبئة. ويشدد على أن التهديد الوبائي الذي تمثله فيروسات إنفلونزا الطيور من النمط H5N1 يجعل هذه الأبحاث أكثر إلحاحًا، خاصة في ظل قدرة بعض هذه الفيروسات على مقاومة الحمى والاستمرار في التكاثر في درجات حرارة عالية.

    ماذا تعني النتائج لعلاج الحمى في حالات الإنفلونزا؟

     

    يشير الباحثون إلى أن هذه النتائج قد يكون لها تأثير مستقبلي في توصيات علاج الحمى، وإن كانوا يؤكدون أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل تغيير أي ممارسات طبية. تُعالَج الحمى كثيرًا بأدوية خافضة للحرارة مثل الإيبوبروفين والأسبرين. بعض الأدلة السريرية تلمّح إلى أن خفض الحمى لا يساعد المرضى دائمًا، وقد يدعم في بعض الحالات انتشار فيروسات الإنفلونزا A البشرية داخل الجسم.

    إذا كانت الحمى تُبطئ فعلًا تكاثر كثير من فيروسات الإنفلونزا البشرية، بينما تظل إنفلونزا الطيور قادرة على مقاومة الحرارة بفضل جينات مثل PB1، فإن فهم هذه الفروق الدقيقة يصبح مهمًا عند التفكير في كيفية موازنة راحة المريض مع فاعلية الاستجابة المناعية الطبيعية. ومع تقدم الأبحاث، قد تساعد هذه المعرفة في تصميم استراتيجيات علاجية تأخذ في الحسبان مقاومة الحرارة في الفيروسات المختلفة، وتقلل من خطر ظهور سلالات أكثر قدرة على تجاوز دفاعات الحمى البشرية.

    تم نسخ الرابط