الشيطانُ لا يأتي بوجهه القبيح، ولا يطرق الأبواب بصورته المشوّهة، ولا يعلن عداوته صراحةً في الهمس أو الجهر؛ بل يتسلّل في ثوبٍ ناعم، ويتقدّم بقناعٍ لامع، ويتحدّث بلسانٍ مألوف، فيُري الباطل في صورة الحق، ويزيّن الهلاك حتى يبدو نجاة، ويُلبس الفتنة لباس الهداية.
يأتي من حيث الألفة لا من حيث الخوف، ومن باب الإيمان لا من باب العصيان، ومن نافذة الغيرة لا من منفذ الشهوة؛ فيقلب الموازين، ويحرّف المقاصد، حتى تتيه البصائر، وتضطرب السرائر، فيغدو المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، وتختلط المعايير حتى يغيب الفرق بين النور والظلال.
ذلك هو العدوّ القديم، الذي لم تبدأ خصومته اليوم، بل وُلدت يوم سكن الكِبر قلبه، واستبدّ الغرور بعقله، فاختار اللعنة على الرحمة، والعناد على التوبة. أخرج أبوينا من الجنة بمكرٍ خفي، ونزع عنهما لباس الطمأنينة، فكان الهبوط إلى الأرض بداية الابتلاء، وافتُتحت صفحة الصراع الطويل بين الحق والباطل.
عدو يرى ولا يُرى، ويعرف ولا يُعرَف، يتحرّك في الخفاء، ويصوغ فتنته في الظلال، بينما الإنسان خليفة الله في الأرض، يمشي على طينها، محدود الحسّ، محصور النظر، لا يرى إلا ما وقع عليه بصره، ولا يدرك إلا ما لامسته يداه. وفي ظاهر المشهد، تبدو الكفّة راجحة للشيطان بما أُوتي من تخف وسرعة ودهاء.
لكنّ الله… وما أدراك ما الله؟
يمحو الكثرة بالقِلّة، ويكسر المكر بالبساطة، ويطفئ نار الشيطان بنور الذكر. آيةٌ تُتلى فتنهار الحصون، وصلاةٌ تُقام فتُحرق الوساوس، وقلبٌ خاشع يهزم العدوّ وإن بدا أعزل. فما سلطان الشيطان إلا وهم، وما قوته إلا ابتلاء، وما مكره إلا ساعة يعقبها انكشاف وخسران.
غير أن الفتنة تبلغ ذروتها حين يتزيّن الشر بزيّ الخير، وحين تُرفع رايات الحق لتُرتكب تحتها المظالم، وحين يُغسَل الوعي حتى يُرى الدم طهارة، والنار عبادة، والخراب إصلاحًا. هناك يضلّ الإنسان وهو يظن أنه مهتدٍ، ويسقط وهو يتوهّم أنه قائم.
فكان الواجب الدائم هو الحذر من مكره، وعدم الاغترار بأقنعته، ووزنُ الأمور بميزان الوحي لا بأهواء الجماعات، وبنور البصيرة لا بحرارة العاطفة. فالحق لا يُعرَف بعلوّ الأصوات، ولا يُقاس بحدّة الغلو، ولا يثبت بالإفراط؛ بل يُدرَك بالاتزان، ويُصان بالعدل، وتُحفَظ معالمه بالوسطية.
وفي الاستقامة كما أُمِر الإنسان تكون النجاة؛ فلا إفراط يورث الهلاك، ولا تفريط يقود إلى الضياع. الذكر حصنٌ منيع، واليقين سلاح ثابت، والقلب السليم مفتاح الفوز. وحين تجتمع هذه المعاني، تنكسر شوكة الشيطان، وتخبو فتنته، ويُبلَغ برّ الأمان، وتُستعاد الجنة الأولى في القلوب وإن غابت عن الأبصار، ويثبت الإيمان، وينعم الإنسان بالسكينة .





