رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
06:55 ص calendar الجمعة 05 يونيو 2026

أسماك أعماق المحيط تكشف سر بقاء القروش الكبيرة في المنطقة الشفقية

في المنطقة الشفقية للمحيط، حيث الضوء شحيح والحياة غامضة، تكشف أبحاث حديثة أن سلوك القروش الكبيرة قد يرتبط بحلقة غذائية ظلّت مهملة طويلًا.

لماذا تجذب المنطقة
لماذا تجذب المنطقة الشفقية المفترسات العملاقة؟

    ملخص

    دراسة حديثة في مجلة Marine Ecology Progress Series توضّح أن أسماك المنطقة الشفقية المتوسطة، مثل bigscale pomfret، تلعب دورًا محوريًا في تفسير بقاء القروش الكبيرة لساعات في الأعماق. باستخدام تتبع بالأقمار الصناعية، كشف الباحثون من مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات أن هذه الأسماك تهاجر يوميًا بين العمق والسطح، ناقلةً الغذاء والطاقة عبر الشبكة الغذائية البحرية، ما يجعلها حلقة وصل أساسية تجذب المفترسات الكبيرة إلى المنطقة الشفقية.

    كيف تربط أسماك المنطقة الشفقية بين السطح والأعماق؟
    المنطقة الشفقية تخفي مفتاح سلوك القروش الكبيرة

    أسماك أعماق المحيط تفسّر لغز بقاء القروش الكبيرة ساعات في المنطقة الشفقية

     

    تحت سطح المحيط، في طبقة لا تصلها إلا إضاءة خافتة، تقضي قروش كبيرة ساعات طويلة في عمق يبدو للوهلة الأولى غير منطقي لمفترسات بهذا الحجم. هذه الطبقة، المعروفة باسم المنطقة الشفقية (mesopelagic zone) أو المنطقة متوسطة العمق، تمتد تقريبًا من 200 إلى 1,000 متر (650 إلى 3,300 قدم) تحت السطح، وتضم كتلة حيوية من الكائنات الحية أكبر من أي جزء آخر في المحيط. لكن المفارقة أن معظم هذه الحياة عبارة عن كائنات صغيرة جدًا، ما يترك سؤالًا قديمًا بلا إجابة واضحة: لماذا تمكث المفترسات الضخمة هناك كل هذا الوقت؟

    للإجابة عن جزء من هذا اللغز، نشر باحثون من مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات (Woods Hole Oceanographic Institution, WHOI) دراسة جديدة في Marine Ecology Progress Series، تشير إلى أن مفترسات متوسطة الحجم قد تكون الحلقة التي تربط بين عالم الأعماق والسطح، وتعيد رسم فهمنا لسلاسل الغذاء البحرية وسلوك القروش الكبيرة.

    المنطقة الشفقية ولماذا تجذب القروش الكبيرة

     

    لطالما بدت المنطقة الشفقية وكأنها مخزون غذائي ضخم للمفترسات الكبيرة، بسبب وفرة الكتلة الحيوية فيها. لكن وفرة الكائنات الصغيرة وحدها لا تشرح سبب بقاء القروش الكبيرة في هذا العمق لساعات. هنا جاءت فكرة الباحثين: ربما ليست الكائنات الصغيرة هي الهدف الأساسي، بل كائنات في المنتصف تعمل كجسر غذائي بين الطبقات وتفسّر جانبًا من سلوك القروش الكبيرة.

    وتُعرف الكائنات التي تعيش هناك باسم أسماك المنطقة الشفقية، لأنها تتحرك بين العمق والسطح داخل الشبكة الغذائية البحرية، وتتحول عمليًا إلى حلقة ربط بين ما يُنتج قرب السطح وما يُستهلك في الأعماق.

    الدراسة ركّزت على دور أسماك مفترسة متوسطة الحجم، من بينها سمكة bigscale pomfret (بومفريت كبير الحراشف)، باعتبارها عنصرًا أساسيًا يربط المنظومة الغذائية في السطح بما يحدث في الأعماق. ووفق الباحثين، فإن نقص المعلومات التفصيلية سابقًا عن حركة هذه الأسماك، وحركة الأنواع المشابهة لها، حدّ من فهم العلماء لدورها البيئي الحقيقي داخل المنطقة الشفقية.

    تتبع بالأقمار الصناعية يكشف حياة أسماك أعماق المحيط

     

    لسد هذه الفجوة، لجأ فريق البحث إلى أجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية، وهي تقنية أتاحت لهم متابعة حركة bigscale pomfret عبر الزمن، وهو أمر كان صعبًا مع أسماك أعماق المحيط التي تقضي معظم وقتها بعيدًا عن السطح. واعتمد الفريق أيضًا على وسوم تتبع بالأقمار الصناعية لمتابعة تحركات هذه الأسماك بصورة أدق مع مرور الوقت.

    يقول مارتن أروستيغوي (Martin Arostegui)، الباحث المشارك في WHOI والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن البيانات أظهرت أن bigscale pomfretمقيم دائم في المنطقة الشفقية، ويتبع نمط الهجرة اليومية بين العمق والسطح (diel migration)، أي أنه يبقى في الأعماق خلال النهار ثم يصعد إلى مياه أقرب للسطح ليلًا بحثًا عن الغذاء. هذا السلوك يشرح كيف يمكن لسمكة متوسطة الحجم أن تنقل الطاقة والغذاء بين طبقتين مختلفتين تمامًا في المحيط، وأن تصبح في الوقت نفسه هدفًا محتملاً لمفترسات أكبر.

    دراسة بحرية تكشف حلقة مفقودة في النظام البيئي للمحيط
    القروش الكبيرة وأسماك الأعماق: علاقة أكثر تعقيدًا مما نعتقد

    تعاون مع الصيد التجاري لتوسيع نطاق الوسم

     

    لم يكن تتبع عدد كافٍ من هذه الأسماك مهمة سهلة. فالأنواع التي تعيش معظم حياتها في حركة مستمرة وفي مناطق يصعب الوصول إليها لا يمكن وسمها بسهولة خلال بضعة أيام عمل في البحر. لذلك تعاون الفريق مع صياد صيد بالخيط الطويل يعمل تجاريًا، القبطان داني ميرز (Danny Mears)، ليكون جزءًا من فريق البحث ويساعد في تركيب أجهزة التتبع بالأقمار الصناعية.

    يوضح ميرز أن bigscale pomfret تختلف كثيرًا عن أسماك التونة وأبو سيف التي يعتادون صيدها، وأن طاقمه يشعر بالفضول تجاهها كلما ظهرت في معدات الصيد. ويقول إن المشاركة في وسمها كانت تجربة مثيرة، وإن رؤية البيانات التي خرجت من التتبع كانت مجزية بالنسبة لهم، وهو ما أتاح للباحثين توسيع نطاق جمع البيانات عمليًا بدل الاكتفاء بعدد محدود من العينات.

    صفاء المياه يغيّر عمق السباحة ويبدّل المخاطر

     

    لم تتوقف النتائج عند كشف نمط الهجرة اليومية. فقد أظهرت الدراسة أيضًا أن الظروف البيئية تؤثر في سلوك bigscale pomfret. عندما انتقلت الأسماك من بحر سلوب (Slope Sea) إلى مياه أكثر صفاءً في بحر سارغاسو (Sargasso Sea)، لاحظ الباحثون تغيرات واضحة في أنماط هجرتها بين الأعماق والسطح.

    هذا الارتباط يشير، بحسب الدراسة، إلى أن صفاء المياه قد يحدد مدى العمق الذي تسبح فيه هذه الأسماك، وهو ما يمكن أن يغيّر نوع الفرائس التي تطاردها، وفي الوقت نفسه يغيّر مستوى تعرضها لمفترسات أكبر مثل القروش الكبيرة. وبمعنى آخر، تغيّر بسيط في البيئة يمكن أن يعيد ترتيب فرص الصيد ومخاطر الافتراس داخل الشبكة الغذائية البحرية.

    لماذا الأسماك المتوسطة هي القطعة المفقودة؟

     

    تضع الدراسة الضوء على نقطة ظلّت مهمّشة طويلًا: الحديث عن المنطقة الشفقية كمخزون هائل للمفترسات الكبيرة قد يجعلنا نتجاهل الحلقة الوسطى. تقول كامرين براون (Camrin Braun)، عالمة الأحياء في WHOI والمؤلفة المشرفة على الدراسة، إنهم غالبًا ما يتعاملون مع المنطقة الشفقية وكأنها مورد غذائي جاهز للمفترسات الضخمة، لكنهم يقفزون فوق الأنواع التي تقع في المنتصف. وتوضح أن هذه الأسماك هي التي تقوم بالعمل الأصعب: ربط أعماق المحيط بالشبكة الغذائية قرب السطح. وإذا لم نفهمها، سنظل نحاول تفسير سلوك القروش الكبيرة بينما القطع الوسطى من الصورة مفقودة.

    ترسم النتائج صورة أكثر توازنًا: القروش الكبيرة قد تقضي ساعات في الأعماق ليس لأن الكائنات الصغيرة وحدها تغريها، بل لأن أسماكًا مثل bigscale pomfret تتحرك يوميًا بين العمق والسطح، وتخلق مسارًا مستمرًا للغذاء والطاقة داخل النظام البيئي. هذه الصورة الجديدة تضع المفترسات متوسطة الحجم في قلب تفسير سلوك القروش الكبيرة، وتوضح كيف تتصل طبقات المحيط عبر الشبكة الغذائية البحرية. ومع كل خطوة جديدة في تتبع هذه الأنواع، تتضح أكثر الطريقة التي تتشكل بها الشبكات الغذائية البحرية، ولماذا قد تلعب أنواع غير معروفة على نطاق واسع دورًا أكبر مما كنا نتصور في تحديد سلوك أكبر مفترسات المحيط.

    تم نسخ الرابط