رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:44 م calendar السبت 18 يوليو 2026

روبوتات قادرة على تحريك الشفاه: ثورة الذكاء الاصطناعي في التواصل البشري

بالرغم من التطورات الهائلة في الروبوتات، يظل سر الواقع البشري في حركة الشفاه لغزًا صعبًا، لكن العلماء بدأوا أخيرًا في جعله يتقن المحاكاة الواقعية

كيف تحاكي الروبوتات
كيف تحاكي الروبوتات حركة الشفاه بدقة متزايدة مع الكلام والغناء

    ملخص

    قدّم فريق كلية كولومبيا للهندسة روبوتًا شبيهًا بالبشر قادرًا على محاكاة حركة الشفاه بدقة متزامنة مع الكلام والغناء، دون الاعتماد على قواعد ثابتة، بل بالتعلّم من الملاحظة والتجربة. نُشر البحث في Science Robotics، موضحًا أن الروبوت يربط الصوت بالحركة عبر نموذج رؤية-إلى-حركة، ما يمنحه القدرة على تقليد تعابير الوجه الطبيعية وتقديم أداء غنائي متعدد اللغات. هذه التقنية تعد خطوة محورية نحو جعل الروبوتات أكثر واقعية وتواصلًا مع البشر، مع إمكانات واسعة في التعليم والترفيه والرعاية الصحية.

    هل الروبوتات ستصبح قادرّة على محاكاة تعابير البشر بدقة؟
    كيف تحاكي الروبوتات حركة الشفاه بدقة مذهلة؟

    لماذا تبدو وجوه الروبوتات غير مقنعة رغم تطور الذكاء الاصطناعي؟

     

    عندما يتحدث شخصان وجهًا لوجه، ينجذب جزء كبير من انتباههما تلقائيًا إلى حركة الشفاه. ورغم أن هذا التفصيل يبدو بسيطًا، فإنه ظل من أعقد التحديات أمام الروبوتات لسنوات طويلة. فحتى أكثر الآلات الشبيهة بالبشر تقدم أحيانًا حركات فم جامدة ومبالغًا فيها، أقرب إلى دمية، أو لا تمتلك وجهًا من الأساس.

    وتكمن المشكلة في أن البشر يلتقطون أي خلل في تعابير الوجه بسرعة لافتة. قد يمر مشي الروبوت الغريب أو حركة يده الثقيلة دون ضجة، لكن اضطرابًا صغيرًا في الشفاه يفسد الإحساس بالواقعية ويجعل التعبير يبدو باردًا أو غير طبيعي. لهذا يركّز كثير من الباحثين اليوم على تحريك الشفاه في الروبوتات، ومعها تحريك الفم عمومًا، باعتبارهما جزءًا حساسًا من التفاعل الذي يحدد ما إذا كان الإنسان سيشعر بالارتياح أم لا.

    لتقديم حل عملي لهذا التحدي، أعلنت كلية كولومبيا للهندسة في جامعة كولومبيا (Columbia University) عن تقدم كبير في الروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات البشرية. وفي دراسة نُشرت في Science Robotics، كشف الفريق عن روبوت قادر على تعلم حركات الشفاه للكلام والغناء بطريقة مكتسبة لا تعتمد على برمجة قواعد جاهزة.

    روبوت يتعلم الشفاه بدلًا من قواعد جاهزة

     

    الفكرة الأساسية في هذا التطور أن الروبوت لم يعتمد على تعليمات ثابتة تحدد كيف يتحرك الفم مع كل صوت، وهي الطريقة التي تجعل كثيرًا من الوجوه الآلية تبدو ميكانيكية. بدلًا من ذلك، تعلّم الروبوت بالملاحظة والتجربة، ثم كوّن مع الوقت طريقة حركة خاصة به. ومع الممارسة يصبح روبوتًا يحاكي حركة الشفاه بدقة متزايدة كلما شاهد البشر وتفاعل معهم.

    الباحثون صمموا وجهًا روبوتيًا مرنًا يعمل عبر 26 محركًا صغيرًا مسؤولًا عن تعابير الوجه. وبعد ذلك وضعوا الروبوت أمام مرآة ليبدأ مرحلة الاستكشاف الذاتي. كان يجرّب آلاف التعبيرات العشوائية، ثم يراقب انعكاسه كأنه يتعلم شكل وجهه لأول مرة. ومع الوقت، بدأ يكتشف أي مجموعة من المحركات تنتج شكلًا محددًا للفم والشفاه.

    هذه العملية اعتمدت على ما وصفه الفريق بأنه “نموذج لغة من الرؤية إلى الفعل (vision-to-action language model, VLA)”. وبشكل أبسط، هو نظام يربط ما تلتقطه الكاميرا بحركة المحركات مباشرة، أي إنه يحول ما يراه الروبوت إلى حركة فورية في وجهه.

    من المرآة إلى مزامنة الشفاه مع البشر ثم الغناء

     

    بعد أن فهم الروبوت آلية وجهه، انتقل إلى مرحلة التعلم من البشر عبر مشاهدة ساعات من مقاطع حديث وغناء على YouTube. كان يراقب كيف تتبدل أشكال الشفاه مع تغير الأصوات، ثم يربط الصوت الداخل مباشرة بحركة المحركات. بهذه الطريقة أصبح قادرًا على تحويل ما يسمعه إلى حركة شفاه متزامنة معه، وهي لب فكرة مزامنة الشفاه (Lip Sync).

    ووفق نتائج الفريق التي عُرضت في Science Robotics، تمكن الروبوت من تشكيل كلمات بعدة لغات، كما قدّم أداءً غنائيًا ضمن ألبومه الأول المُولّد بالذكاء الاصطناعي بعنوان "hello world_". اللافت أن الروبوت لم يكن بحاجة إلى فهم معنى ما يسمعه كي يضبط حركة فمه مع الإيقاع والأصوات، إذ كان الهدف هو التزامن الحركي مع الصوت.

    روبوتات ذكية تتعلم التعبيرات الوجهية عبر الملاحظة والتجربة العملية
    روبوتات قادرة على تحريك الشفاه: ثورة الذكاء الاصطناعي في التواصل البشري

    لماذا تعد حركة الشفاه أصعب من المشي؟

     

    قد يبدو تحريك الفم أقل تعقيدًا من المشي أو الإمساك بالأشياء، لكنه في الواقع يتطلب عتادًا معقدًا. فالمهمة تحتاج وجهًا مرنًا وعددًا كبيرًا من المحركات الصغيرة التي تعمل بهدوء وتزامن شديدين، بحيث لا تظهر الحركة متقطعة أو صاخبة.

    وهناك تحدٍ آخر مرتبط بالصوت نفسه، لأن حركة الشفاه تتبع تغيرات سريعة في النطق وتتأثر بتسلسل وحدات صوتية دقيقة. وجوه البشر تتحكم بها عشرات العضلات تحت جلد لين، لذلك تبدو الحركة سلسة ومتدفقة مع الكلام، بينما تعتمد كثير من الروبوتات على وجوه صلبة بحركة محدودة، فتخرج النتيجة أقرب إلى حركة محسوبة ميكانيكيًا.

    النتائج ليست كاملة لكنها تتحسن بالممارسة

     

    الفريق أقر بأن الأداء لم يكن مثاليًا في كل الحالات. هود ليبسون (Hod Lipson)، أستاذ الابتكار في قسم الهندسة الميكانيكية ومدير مختبر الآلات المبدعة (Creative Machines Lab) في جامعة كولومبيا (Columbia University)، قال إن النظام واجه صعوبات خاصة مع الأصوات القوية مثل حرف "B"، ومع الأصوات التي تتطلب ضم الشفاه مثل "W". ومع ذلك توقع أن تتحسن هذه القدرات مع الوقت والممارسة، مؤكدًا أن الروبوت كلما تفاعل أكثر مع البشر، صار أفضل.

    ما بعد مزامنة الشفاه نحو تواصل أكثر إنسانية

     

    الباحثون شددوا على أن مزامنة الشفاه ليست هدفًا منفصلًا، بل خطوة ضمن مشروع أوسع لمنح الروبوتات وسائل تواصل أكثر طبيعية مع البشر. يوهانغ هو (Yuhang Hu)، الذي قاد الدراسة ضمن عمله للدكتوراه، قال إن دمج قدرة تحريك الشفاه مع ذكاء محادثة مثل "ChatGPT" أو "Gemini" يضيف عمقًا جديدًا للصلة التي يمكن أن تتشكل بين الإنسان والروبوت.

    وبرأيه، كلما شاهد الروبوت البشر يتحدثون معًا أكثر، أصبح أدق في تقليد الإيماءات الوجهية الدقيقة التي ترتبط بالمشاعر. وأضاف أن اتساع سياق المحادثة يجعل هذه الإيماءات أكثر ارتباطًا بالموقف، أي أقل عشوائية وأكثر حساسية لما يدور في الحوار.

    تعابير الوجه الحلقة الناقصة في الروبوتات الشبيهة بالبشر

     

    في تقييمه للمشهد الحالي، رأى ليبسون أن معظم الاهتمام في الروبوتات الشبيهة بالبشر ينصب على حركة الساقين واليدين للمشي والإمساك، بينما يظل التعبير الوجهي فجوة كبيرة في الروبوتات التي تتعامل مع الناس. الفريق توقع أن تصبح تعابير الوجه الواقعية أكثر أهمية مع دخول هذه الروبوتات إلى مجالات مثل الترفيه والتعليم والرعاية الصحية ورعاية كبار السن.

    وفي سياق هذا التصور، أشار الفريق إلى تقديرات لبعض الاقتصاديين تقول إن أكثر من مليار روبوت شبيه بالبشر قد يُنتَج خلال العقد المقبل. ومع ذلك، حذّر ليبسون من أن الروبوتات إذا امتلكت وجوهًا دون أن تحرك العينين والشفاه بشكل صحيح، فستواجه صعوبة دائمة في إقناع البشر بواقعية تفاعلها.

    التقدم المسؤول ومخاوف الأخلاقيات

     

    هذا التطور يأتي ضمن مسار بحثي طويل لليبسون يركز على جعل الروبوتات تتعلم سلوكيات وجهية طبيعية مثل الابتسام والتواصل البصري والكلام من خلال الملاحظة بدل التعليمات الجامدة. وفي الوقت نفسه أقر الفريق بأن امتلاك آلات قادرة على جذب البشر عاطفيًا يفتح بابًا لمخاوف أخلاقية، وهو ما دفع ليبسون للتأكيد على ضرورة التقدم ببطء وحذر للاستفادة من الإمكانات مع تقليل المخاطر قدر الإمكان.

    وقال ليبسون أيضًا إن الوجه البشري يظل من أقوى أدوات التواصل، وإن العلماء ما زالوا في بداية فهم كيفية عمله. ومن هنا يرى الفريق أن تحسين حركة الشفاه وتعابير الوجه قد يكون خطوة حاسمة لبناء تواصل أكثر واقعية بين الإنسان والآلة.

    تم نسخ الرابط