رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:48 م calendar السبت 18 يوليو 2026

تشخيص اللوكيميا يدخل عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

داخل لطاخة دم مزدحمة بالخلايا المتشابهة، يبرز تشخيص اللوكيميا بالذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على اكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى مرض يصعب السيطرة عليه.

هل يتفوق الذكاء الاصطناعي
هل يتفوق الذكاء الاصطناعي على الأطباء في تشخيص اللوكيميا؟

    ملخص

    هل يتفوق الذكاء الاصطناعي على الأطباء في تشخيص اللوكيميا؟ في اكتشاف جديد نُشر في Nature Machine Intelligence من فريق بحثي دولي، طُوّر نظام ذكاء اصطناعي توليدي يهدف إلى تحسين تشخيص اللوكيميا عبر تحليل صور لطاخة الدم بدقة عالية. النظام، المسمى CytoDiffusion، دُرّب على أكثر من نصف مليون صورة، ويتميز بقدرته على رصد الخلايا غير الطبيعية، بما فيها النادرة وغير النمطية، مع قياس درجة عدم اليقين. النتائج تشير إلى أداء أكثر حساسية واتساقًا من الأنظمة الحالية، مع دور داعم للطبيب لا بديل عنه.

    تشخيص اللوكيميا بدقة أعلى بفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي
    تشخيص اللوكيميا بدقة أعلى بفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي

    ذكاء اصطناعي جديد قد يرفع دقة تشخيص اللوكيميا عبر تحليل لطاخة الدم

     

    في شريحة دم صغيرة تحت المجهر قد تختبئ إشارات مبكرة لمرض خطير، لكن التقاطها ليس دائمًا سهلًا حتى لخبراء أمراض الدم. اختلافات دقيقة في حجم خلايا الدم أو شكلها أو بنيتها قد تقود إلى تشخيص حاسم، أو إلى نتيجة مترددة تفتح باب القلق والفحوصات المتكررة.

    ولتقليل حالات التشخيص الفائت أو غير الحاسم، عرض فريق دولي من الباحثين نظامًا جديدًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، ونُشرت نتائجه في Nature Machine Intelligence. ويقول مطوروه إن الأداة تستطيع رصد الخلايا غير الطبيعية بدقة واتساق أعلى من المختصين البشر، ما يفتح المجال لتحسين مسار تشخيص أمراض مثل اللوكيميا (سرطان الدم) ويخفف الضغط عن المختبرات.

    كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في تحليل خلايا الدم؟

     

    النظام الذي طوّره باحثون من جامعة كامبريدج (University of Cambridge) وكلية لندن الجامعية (University College London) وجامعة كوين ماري في لندن (Queen Mary University of London) حمل اسم سايتوديفيوجن (CytoDiffusion). ويعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو النوع نفسه من التقنية المستخدمة في مولدات الصور مثل (DALL-E)، لكنه هنا موجّه لفحص مظهر خلايا الدم بدقة عالية داخل صور المجهر.

    بدل أن يتعلم النموذج فرز الصور في فئات ثابتة فقط كما تفعل أدوات طبية كثيرة، صُمم ليفهم النطاق الكامل للأشكال الطبيعية لخلايا الدم. ووفق ما عرضته الدراسة، ساعد هذا النهج في التقاط الخلايا النادرة أو غير المألوفة التي قد تشير إلى مرض، حتى عندما لا تكون العلامات صارخة أو نمطية.

    لماذا تُعد قراءة لطاخة الدم مهمة وصعبة في الوقت نفسه؟

     

    تعتمد تشخيصات كثيرة في أمراض الدم على ملاحظة فروق صغيرة في حجم الخلايا وشكلها وبنيتها. غير أن تعلّم هذه المهارة يحتاج سنوات من الخبرة، وحتى الأطباء المدربون قد يختلفون عند مراجعة حالات معقدة.

    سيمون دلتادال (Simon Deltadahl)، الباحث الأول من قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية بجامعة كامبريدج، أوضح أن الجسم يضم أنواعًا متعددة من خلايا الدم ذات خصائص وأدوار مختلفة. وذكر أن خلايا الدم البيضاء تتخصص في محاربة العدوى، لكن تحديد ما إذا كانت خلية ما غير معتادة أو مريضة تحت المجهر يظل جزءًا أساسيًا من تشخيص أمراض كثيرة.

    تشخيص اللوكيميا بدقة أعلى بفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي
    ذكاء اصطناعي يكتشف خلايا اللوكيميا التي تفوت الأطباء

    آلاف الخلايا في لطاخة واحدة وتحدي الوقت

     

    لطاخة الدم، أو شريحة الدم المفروشة للفحص المجهري، قد تحتوي آلاف الخلايا، وهو عدد لا يمكن عمليًا فحصه خلية خلية بواسطة الإنسان. دلتادال قال إن البشر لا يستطيعون النظر إلى كل الخلايا في لطاخة واحدة، وإن النموذج يمكنه أتمتة هذه العملية، وفرز الحالات الروتينية، وإبراز أي شيء غير مألوف للمراجعة البشرية.

    بهذا المعنى، يقدّم النظام نموذجًا عمليًا لفكرة تحليل لطاخة الدم بالذكاء الاصطناعي، حيث تُترك الخلايا المقلقة للطبيب بدل إضاعة ساعات في التفاصيل الروتينية.

    ضغط العمل اليومي كان دافعًا لتطوير الفكرة

     

    هذا التحدي يواجهه الأطباء في الواقع. الدكتور سوتيش سيفابالاراتنام (Suthesh Sivapalaratnam)، المؤلف المشارك الكبير من جامعة كوين ماري في لندن، استعاد تجربة من بداياته المهنية حين كان ينهي يومه ليجد أمامه عددًا كبيرًا من شرائح الدم المطلوب تحليلها. وقال إنه أثناء مراجعتها في ساعات متأخرة ازداد اقتناعه بأن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي هذه المهمة بشكل أفضل منه.

    تدريب على أكثر من نصف مليون صورة لطاخة دم

     

    لتطوير CytoDiffusion، درّب الباحثون النظام على أكثر من نصف مليون صورة لشرائح الدم جُمعت في مستشفى أدينبروك (Addenbrooke's Hospital) في كامبريدج. ووُصفت هذه المجموعة بأنها الأكبر من نوعها لأنها تضم أنواعًا شائعة من خلايا الدم، وأمثلة نادرة، وخصائص كثيرًا ما تُربك الأنظمة المؤتمتة.

    النهج التدريبي لم يعتمد فقط على تعلم الفصل بين فئات محددة، بل على بناء تمثيل واسع لمدى ما يمكن أن تبدو عليه خلايا الدم. ووفق الدراسة، جعل ذلك النموذج أكثر قدرة على التعامل مع اختلافات المستشفيات وأجهزة المجهر وتقنيات التلوين، وفي الوقت نفسه حسّن فرص التقاط الخلايا النادرة أو غير الطبيعية.

    تشخيص اللوكيميا بدقة أعلى عبر الذكاء الاصطناعي

     

    عند الاختبار، أظهر النظام حساسية أعلى بكثير في تحديد الخلايا غير الطبيعية المرتبطة باللوكيميا مقارنة بأنظمة موجودة. كما قدم أداءً مساويًا أو أفضل من النماذج الرائدة الحالية، حتى عندما دُرب على عدد أقل بكثير من الأمثلة، وتمكن كذلك من قياس مدى ثقته في توقعاته. وتشير النتائج إلى أن تشخيص اللوكيميا بالذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر حساسية واتساقًا في رصد خلايا الدم غير الطبيعية.

    دلتادال قال إن النظام كان أفضل قليلًا من البشر عند قياس الدقة. لكنه أشار إلى أن نقطة تميّزه الأكبر كانت إدراكه لحالات عدم اليقين، إذ يستطيع أن يبيّن متى لا يكون واثقًا، بدل أن يعطي حكمًا قاطعًا ثم يتبين أنه خاطئ، وهو أمر قد يحدث لدى البشر أحيانًا في الحالات المعقدة.

    اختبار يواجه تحديات الواقع وتفاوت الأجهزة

     

    البروفيسور مايكل روبرتس (Michael Roberts)، المؤلف المشارك الكبير من قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية بجامعة كامبريدج، قال إن تقييم النظام استهدف تحديات شائعة في الذكاء الاصطناعي الطبي. شملت هذه التحديات صورًا لم يرها النموذج من قبل وصورًا التُقطت بأجهزة مختلفة.

     

    كما شمل التقييم درجة عدم اليقين في تسميات البيانات نفسها، أي الحالات التي قد تحمل قدرًا من الالتباس عند التصنيف. واعتبر روبرتس أن هذا الأسلوب يمنح رؤية متعددة الجوانب لأداء النموذج وقد تكون مفيدة للباحثين.

    صور اصطناعية خدعت خبراء أمراض الدم

     

    من النتائج اللافتة أن CytoDiffusion تمكن من توليد صور اصطناعية لخلايا دم بدت غير قابلة للتمييز عن الصور الحقيقية. وفي اختبار تورينغ (Turing test) شارك فيه عشرة اختصاصيين ذوي خبرة في أمراض الدم، لم يكن الأطباء أفضل من المصادفة في التمييز بين الصور الحقيقية وتلك التي أنتجها الذكاء الاصطناعي، أي إن قدرتهم على التفريق لم تتجاوز مستوى الاحتمال.

    دلتادال قال إن هذه النتيجة فاجأته، لأن المشاركين من النوع الذي ينظر إلى خلايا الدم طوال اليوم، ومع ذلك لم يتمكنوا من التفريق.

    بيانات مفتوحة ودور داعم للطبيب لا بديل عنه

     

    ضمن المشروع، أعلن الباحثون أنهم سيطرحون ما وصفوه بأنه أكبر مجموعة متاحة للعامة في العالم لصور لطاخة الدم المحيطية، بعدد يتجاوز نصف مليون عينة. دلتادال قال إن فتح هذا المورد يهدف إلى تمكين الباحثين حول العالم من بناء نماذج جديدة واختبارها، وتوسيع الوصول إلى بيانات طبية عالية الجودة، بما ينعكس في النهاية على رعاية أفضل للمرضى.

    ورغم النتائج القوية، شدد الفريق على أن الهدف ليس استبدال الأطباء. الفكرة أن يعمل النظام كمساعد سريع يلتقط الحالات المقلقة ويُسرّع التعامل مع العينات الروتينية، بحيث يركز الطبيب على ما يحتاج خبرته البشرية.

    البروفيسور باراشكيف ناتشيف (Parashkev Nachev) من كلية لندن الجامعية تحدث عن قيمة الذكاء الاصطناعي الصحي بوصفها تتجاوز تقليد خبرة الإنسان، نحو تقديم قدرة تشخيصية وتنبؤية وإرشادية أكبر من خبرة المختص وحدها أو من النماذج الإحصائية البسيطة. ولفت إلى ما سماه وعيًا ما وراء المعرفة، أي قدرة النظام على إدراك حدود معرفته ومعرفة ما لا يعرفه، وهو ما يرتبط عمليًا بقدرته على تمييز لحظات عدم اليقين بدل الادعاء بالثقة المطلقة.

    خطوات مطلوبة قبل التوسع في الاستخدام

     

    أشار الفريق إلى أن هناك حاجة لأبحاث إضافية لزيادة سرعة النظام، وللتأكد من أدائه عبر مجموعات مرضى أكثر تنوعًا لضمان الدقة والعدالة. وتظل هذه الخطوة ضرورية قبل تعميم مثل هذه الأدوات على بيئات سريرية متعددة تختلف في الأجهزة وتقنيات التلوين وطرق العمل اليومية.

    تم نسخ الرابط