رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:48 م calendar السبت 18 يوليو 2026

كيف يغير تطور الدماغ خلال المراهقة فهمنا للفصام؟

دراسة جديدة تكشف أن تطور الدماغ في المراهقة يتضمن بناء مشابك عصبية جديدة بدل مجرد الحذف التقليدي، ما يفتح آفاقًا لفهم اضطرابات مثل الفصام.

تطور الدماغ والمراهقة:
تطور الدماغ والمراهقة: فهم جديد لاضطرابات الدماغ

    ملخص

    في اكتشاف جديد، أظهرت دراسة من جامعة كيوشو أن تطور الدماغ في مرحلة المراهقة يشمل بناء نقاط ساخنة من المشابك العصبية في مناطق محددة من القشرة المخية، بدل الاكتفاء بحذف الوصلات الضعيفة. نُشرت النتائج في Science Advances، موضحة أن هذه النقاط الساخنة قد تفسر ظهور بعض اضطرابات الدماغ مثل الفصام. باستخدام أدوات فائقة الدقة مثل SeeDB2، رسم الباحثون خرائط مفصلة للأشواك الشجرية في طبقة محددة، ما يقدّم منظورًا جديدًا لتطور الدماغ أثناء المراهقة وإمكانيات علاجية مستقبلية.

    هل دماغ المراهقين يبني مشابك جديدة أم يحذفها فقط؟
    لماذا تعد المراهقة مرحلة حاسمة في تطور الدماغ؟

    المراهقة ليست مرحلة سلوك فقط بل مرحلة إعادة بناء في الدماغ

     

    المراهقة تُعرف عادةً بأنها فترة تغيّر سريع في السلوك والعلاقات والتكوين الجسدي، لكن خلف هذه التحولات اليومية يجري عمل أعمق وأدق داخل الدماغ نفسه. ففي هذا العمر تستمر قدرات متقدمة مثل التخطيط والاستدلال واتخاذ القرار في النضج، ومع ذلك ما زال العلماء لا يملكون صورة كاملة عن كيفية تشكّل الشبكات العصبية المعقدة خلال هذه المرحلة الحساسة.

    وتأتي هذه النتائج ضمن نقاش أوسع حول المراهقة وتطور الدماغ وكيف تُعاد هندسة دوائره في هذه المرحلة، خصوصًا أن طريقة تشكّل الشبكات قد تكون مرتبطة لاحقًا بكيفية ظهور بعض الاضطرابات النفسية العصبية.

    لتسليط الضوء على هذا اللغز، قدّمت دراسة جديدة من جامعة كيوشو (Kyushu University) زاوية مختلفة تمامًا عما كان شائعًا لعقود. الدراسة نُشرت في Science Advances، وخلصت إلى أن دماغ المراهق لا يكتفي بالتخلّص من الوصلات العصبية الضعيفة كما يُعتقد عادة، بل يقوم أيضًا ببناء تجمعات جديدة وكثيفة من الوصلات في مناطق محددة من الخلايا العصبية.

    ما هي المشابك العصبية ولماذا تُعد مفتاح القصة؟

     

    في قلب تطور الدماغ تقع المشابك العصبية، وهي الروابط الوظيفية بين الخلايا العصبية التي تسمح بتدفق المعلومات عبر الشبكات. على مدى سنوات طويلة ساد تصور يقول إن عدد هذه المشابك يرتفع تدريجيًا في الطفولة ثم ينخفض في المراهقة. ومن هنا ظهرت فرضية شهيرة ترى أن زيادة ما يُعرف بـ "التشذيب المشبكي" (synaptic pruning)، أي إزالة الروابط الضعيفة أو غير المستخدمة، قد تساهم في ظهور حالات نفسية عصبية.

    وكان الفصام من أكثر الاضطرابات التي ارتبطت بهذه الفكرة، باعتباره قد يتضمن هلوسات وأوهامًا واضطرابًا في التفكير. لكن الدراسة الجديدة تقترح أن القصة قد تكون أعقد من مجرد خسارة مشابك، وأن جزءًا من المشكلة ربما يرتبط ببناء مشابك جديدة في الوقت الخطأ أو بالطريقة غير الصحيحة، وهو ما يدفع إلى إعادة التفكير في فرضية التشذيب المشبكي نفسها.

    أداة عالية الدقة قادت إلى اكتشاف غير متوقع

     

    لكن عندما أصبح بالإمكان رؤية توزيع هذه الوصلات بدقة غير مسبوقة، بدأت الصورة تتغير. يقول البروفيسور تاكيشي إيماي (Takeshi Imai) من كلية العلوم الطبية في جامعة كيوشو إن فريقه لم يبدأ العمل بهدف دراسة الاضطرابات. لكنه يوضح أنهم بعد تطوير أداة عالية الدقة لتحليل المشابك في عام 2016، قرروا فحص القشرة المخية لدى الفئران بدافع الفضول العلمي.

    وخلال هذا الفحص، لم يكتشف الفريق جمال بنية الخلايا العصبية فقط، بل صُدم بوجود منطقة عالية الكثافة من "الأشواك الشجرية" (dendritic spines). هذه الأشواك هي بروزات صغيرة على تفرعات الخلية العصبية، وتُعد نقاطًا تتشكل عندها المشابك المُحفِّزة.

    لماذا ركّز الباحثون على طبقة محددة في القشرة المخية؟

     

    القشرة المخية تتكون من ست طبقات تعمل معًا لتكوين دوائر عصبية شديدة التعقيد. ركّز الباحثون على خلايا في الطبقة الخامسة، وهي خلايا تجمع معلومات من مصادر متعددة ثم ترسل الإشارات للخارج بوصفها المخرج النهائي للقشرة المخية. ولهذا اعتبرها الفريق أشبه بنقطة تحكم مركزية في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات.

    لدراسة هذه الخلايا بتفاصيل دقيقة، استخدم الفريق مادة SeeDB2، وهي مادة لتصفية الأنسجة طورها فريق إيماي، إلى جانب مجهر فائق الدقة. هذا الدمج سمح بتحويل نسيج الدماغ إلى نسيج شفاف يمكن رؤيته بوضوح، ثم رسم خرائط للأشواك الشجرية عبر كامل خلايا الطبقة الخامسة لأول مرة.

    هل دماغ المراهقين يبني مشابك جديدة أم يحذفها فقط؟
    كيف يعيد دماغ المراهق بناء المشابك العصبية أثناء مرحلة المراهقة

    نقطة ساخنة للمشابك تظهر في المراهقة

     

    عند رسم الخرائط ظهرت مفاجأة واضحة. جزء محدد من تفرعات الخلية العصبية احتوى كثافة غير معتادة من الأشواك الشجرية، مكونًا ما سماه الباحثون "نقطة ساخنة" (hotspot). والأهم أن التحليل أظهر أن هذه النقطة لا تكون موجودة في بداية الحياة، بل تظهر خلال مرحلة المراهقة.

    ولتحديد توقيت التغير بدقة، تابع الفريق توزيع الأشواك عبر مراحل نمو متعددة. في فئران عمرها أسبوعان، قبل الفطام، كانت الأشواك موزعة بشكل متقارب عبر الخلية. لكن بين عمر ثلاثة أسابيع وثمانية أسابيع، وهي فترة تمتد من الطفولة المبكرة إلى المراهقة، ارتفعت كثافة الأشواك بشكل حاد في منطقة واحدة من التفرع القِمي (apical dendrite). ومع الوقت تشكلت نقطة ساخنة للمشابك في جزء محدد من هذا التفرع.

    ويقول إيماي إن هذه النتائج تشير إلى أن فرضية "التشذيب المشبكي في المراهقة" بحاجة إلى إعادة نظر، لأن ما يحدث لا يقتصر على الإزالة بل يتضمن بناءً جديدًا في مناطق محددة داخل القشرة المخية.

    ما الذي قد يعنيه ذلك للفصام واضطرابات الدماغ؟

     

    تفتح النتائج بابًا لفهم جديد لاضطرابات الدماغ، خصوصًا الفصام. ريو إيغاشيرا (Ryo Egashira)، المؤلف الأول للدراسة والذي كان طالب دراسات عليا في كلية الدراسات الطبية بجامعة كيوشو أثناء إجراء البحث، يقول إن التشذيب المشبكي يحدث بشكل واسع عبر التفرعات، لكن تكوين المشابك الجديدة يحدث في مقاطع محددة من هذه التفرعات خلال تطور القشرة المخية في المراهقة. ويرى أن تعطّل هذه العملية قد يكون عاملًا حاسمًا في بعض أنواع الفصام، ما يطرح زاوية مختلفة في النقاش حول التشذيب المشبكي والفصام.

    لاختبار الفكرة، فحص الباحثون فئرانًا تحمل طفرات في جينات مرتبطة بالفصام، من بينها Setd1aوHivep2 وGrin1. في المراحل المبكرة بدا النمو طبيعيًا، مع كثافة أشواك عادية حتى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع بعد الولادة. لكن خلال المراهقة انخفض تكوين المشابك بشكل كبير، ما أعاق تشكل النقطة الساخنة كما ينبغي.

    هذه الملاحظة تضيف احتمالًا جديدًا. بدل أن يكون الفصام نتيجة خسارة مفرطة للمشابك فقط، قد تكون المشكلة في أن الدماغ لا يبني ما يكفي من مشابك جديدة خلال المراهقة. ومع ذلك شدد الباحثون على أن الدراسة أجريت على الفئران فقط، وأنه غير مؤكد حتى الآن ما إذا كانت العملية نفسها تحدث بالطريقة ذاتها لدى الرئيسيات أو البشر.

    ما الذي يبحث عنه العلماء بعد ذلك؟

     

    يتطلع الفريق الآن إلى خطوة تالية تتعلق بتحديد المناطق الدماغية التي تُكوّن هذه الروابط الجديدة خلال المراهقة. ويقول إيماي إن فهم أين تتشكل هذه المشابك سيكشف أي دوائر عصبية يجري بناؤها في هذه النافذة الزمنية. كما يرى أن معرفة كيفية ومتى تتكون هذه الاتصالات يمكن أن تعمّق فهم تطور الدماغ، وتفتح مسارات جديدة لفهم الآليات المرتبطة بالاضطرابات النفسية العصبية.

    تم نسخ الرابط