رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
01:30 م calendar السبت 18 يوليو 2026

هرمون FGF19 من الأمعاء إلى الدماغ: مسار جديد واعد لعلاج السمنة والسكري

كيف ينشّط هرمون FGF19 الوطاء وحرق الدهون لمواجهة السمنة وتحسين سكر الدم

هرمون FGF19 من الأمعاء
هرمون FGF19 من الأمعاء إلى الدماغ - illustration

    ملخص

    في دراسة حديثة من مركز OCRC ونُشرت في مجلة AJP–Endocrinology & Metabolism، كشف الباحثون أن هرمون FGF19 يمتلك القدرة على تنشيط مسارات عصبية في الوطاء تزيد من حرارة الجسم واستهلاك الدهون لدى الفئران البدينة. يظهر الهرمون كمنظم فعّال للطاقة يتجاوز دوره التقليدي في الكبد، مع اعتماد واضح على تنشيط الجهاز العصبي الودي. هذه النتائج تشير إلى احتمالات واعدة لتطوير علاجات تستند إلى الإشارات الطبيعية التي يستخدمها الجسم للتحكم بالوزن ومقاومة السمنة.

    اكتشاف تواصل بين الأمعاء والوطاء عبر FGF19 يزيد حرق الدهون ويعزز تحمل البرد
    هل يصبح FGF19 أساس الجيل القادم من علاجات السمنة؟ - illustration

    من أزمة السمنة إلى إشارات خفية بين الأمعاء والدماغ

     

    مع تضخم أرقام السمنة حول العالم، يبدو أن الأجسام الحديثة تجد صعوبة متزايدة في موازنة ما يدخل من سعرات وما يُحرق من طاقة. تقارير مثل World Atlas of Obesity 2025تحذّر من أن الأهداف الصحية العالمية لوقف ارتفاع السمنة والسكري وتقليل الوفيات المبكرة المرتبطة بأمراض القلب والتنفس والسرطان قد لا تتحقق، مع تجاوز عدد المصابين بالسمنة حاجز المليار إنسان حاليًا واحتمال وصوله إلى 1.5 مليار بحلول 2030، فضلًا عن نحو 1.6 مليون وفاة مبكرة سنويًا بسبب أمراض غير معدية مرتبطة بالسمنة.

    لفهم كيف يستخدم الجسم إشاراته الداخلية للتحكم في الطاقة، قدّم فريق بحثي من مركز أبحاث السمنة والأمراض المصاحبة (Obesity and Comorbidities Research Center, OCRC) بجامعة ولاية كامبيناس (State University of Campinas, UNICAMP) دراسة جديدة على الفئران، نُشرت في مجلة American Journal of Physiology -- Endocrinology and Metabolism. ركّز الباحثون فيها على هرمون ينتجه الأمعاء يُدعى FGF19 (fibroblast growth factor 19)، وكيف يمكن لإشاراته إلى الدماغ أن تغيّر طريقة استخدام الجسم للطاقة وتخزين الدهون.

    من هرمون الأمعاء إلى مراكز التحكم في الدماغ

     

    أظهرت الدراسات على الفئران أن هرمون FGF19، الذي يُنتج أساسًا في الأمعاء الدقيقة، لا يقتصر دوره على تنظيم التمثيل الغذائي في الكبد، مثل إنتاج أحماض الصفراء والتحكم في تصنيع الغلوكوز والدهون، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير في الدماغ نفسه. فقد تبيّن أن هذا الهرمون قادر على إرسال إشارات إلى منطقة الوطاء (hypothalamus)، وهي منطقة محورية في الدماغ تستقبل معلومات من الجسم والبيئة لتنسيق توازن الطاقة وتنظيم حرارة الجسم.

    في هذه الدراسة، قسّم الباحثون الفئران عند عمر ثمانية أسابيع إلى مجموعتين: مجموعة تلقت حمية غذائية عادية، وأخرى وُضعت على حمية غنية بالدهون لتحفيز السمنة. بعد ذلك، حُقن هرمون FGF19مباشرة في أدمغة الحيوانات البدينة، في ظروف تجريبية خاضعة للرقابة من حيث درجة الحرارة والإضاءة وتوافر الماء، بهدف تقييم تأثير الإشارة المركزية للهرمون في توازن الطاقة.

    كيف يحفّز FGF19حرق الدهون وتوليد الحرارة؟

     

    ربط الباحثون بين عمل FGF19 في الوطاء وبين تنشيط خلايا دهنية متخصصة تُسمى الخلايا الشحمية المولِّدة للحرارة (thermogenic adipocytes)، وهي خلايا في النسيج الدهني الأبيض والبني لا تكتفي بتخزين السعرات، بل تحرق الطاقة لإنتاج حرارة. عندما فعّل FGF19 هذه الخلايا عبر الدماغ، زادت كمية الطاقة التي يستهلكها الجسم، وارتفع اعتماد الفئران البدينة على الدهون المخزنة كوقود، وتحسنت السيطرة على الوزن ومستويات الغلوكوز في الدم، كما انخفضت مؤشرات الالتهاب المحيطي وتحسنت قدرة الحيوانات على تحمّل البرد.

    لكن هذه الفوائد لم تكن مستقلة عن الجهاز العصبي الودي (sympathetic nervous system). فعندما قام الفريق بتثبيط نشاط هذا الجهاز، اختفت الآثار الإيجابية تقريبًا؛ ما يشير إلى أن FGF19 يعتمد على تفعيل مسارات عصبية ودية لإطلاق عملية توليد الحرارة في النسيج الدهني. وفي تجارب إضافية، لاحظ الباحثون أن التعرض للبرد يزيد من تعبير مستقبلات FGF19 في الوطاء، وهي إشارة إضافية إلى أن هذا الهرمون يشارك في مساعدة الجسم على التكيّف مع البرد من خلال تنسيق توازن الطاقة وتنظيم الحرارة.

    من أزمة السمنة إلى إشارات خفية بين الأمعاء والدماغ
    هرمون FGF19 من الأمعاء إلى الدماغ - illustration

    هرمون FGF19وأدوية السمنة والسكري: ماذا يميّزه؟

     

    تُلمّح هذه النتائج إلى أن FGF19 قد يكون نموذجًا لعلاجات دوائية جديدة للسمنة والسكري وأمراض الاستقلاب الأخرى، تقوم على تقليد سلوك المواد الطبيعية التي ينتجها الجسم نفسه. الفكرة تشبه ما يحدث مع أدوية حديثة مثل أوزيمبيك (Ozempic)، التي تحتوي على مادة سيماغلوتايد (semaglutide) القادرة على تفعيل مستقبلات تحاكي عمل هرمون GLP-1، فتبعث إشارات شبع إلى الدماغ وتساعد المرضى على الشعور بالامتلاء مع كميات أقل من الطعام.

    لكن الدراسة تشير إلى أن FGF19 يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التأثير في الشهية أو تخزين الدهون. الهرمون لا يقلل من تناول الطعام فحسب، بل يرفع أيضًا من استهلاك الطاقة عبر تحفيز توليد الحرارة في النسيج الدهني الأبيض والبني وتحسين توازن الطاقة على مستوى الجسم كله. تقول البروفيسورة هيلينا كريستينا دي ليما باربوسا (Helena Cristina de Lima Barbosa)، من مركز أبحاث السمنة والأمراض المصاحبة في UNICAMPوالمشرفة على الدراسة، إن FGF19كان مرتبطًا سابقًا بتقليل تناول الطعام، لكن عمل الفريق أظهر أنه يؤدي أيضًا دورًا مهمًا عبر تأثيره في الوطاء وزيادة استهلاك الطاقة، وهو ما يجعله منطقياً جدًا كخيار علاجي محتمل في سياق السمنة.

    أزمة السمنة عالميًا وخلفية برازيلية مقلقة

     

    تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء أرقام السمنة والسكري العالمية. فبحسب World Atlas of Obesity 2025، من غير المرجح تحقيق الأهداف التي حُددت لوقف ارتفاع السمنة والسكري وتقليل الوفيات المبكرة بسبب الأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية المزمنة والسرطان بنسبة 25% مقارنة بعام 2010، إذا استمرت الاتجاهات الحالية. التقديرات تشير إلى أكثر من مليار شخص يعيشون مع السمنة اليوم، مع احتمال تجاوز العدد 1.5 مليار بحلول 2030 في غياب إجراءات فعّالة، إضافة إلى نحو 1.6 مليون وفاة مبكرة سنويًا من أمراض غير معدية مرتبطة بالسمنة.

    في البرازيل وحدها، تشير الأرقام إلى أن نحو 31% من السكان يعانون من السمنة، وأن بين 40% و50% من البالغين لا يصلون إلى مستويات النشاط البدني الموصى بها من حيث التكرار أو الشدة. هذه الخلفية تجعل دعم جهات مثل مؤسسة فابسب (FAPESP) لمشروعات بحثية من هذا النوع، عبر مركز OCRCومنح دراسية لطلاب مثل لوكاس زانغيرولامو (Lucas Zangerolamo)، خطوة أساسية لاستكشاف حلول مبتكرة تتجاوز النصائح التقليدية حول الحمية والرياضة.

    ما الذي يحدث داخل خلايا الوطاء؟

     

    للتعمّق في فهم أي خلايا في الوطاء تستجيب لإشارات FGF19، لجأ الباحثون إلى تحليل بيانات منشورة لتجارب تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية (scRNA-seq) في هذه المنطقة الدماغية. هذه التقنية تسمح بقراءة الحمض النووي الريبي في كل خلية على حدة، وبالتالي تحديد الجينات النشطة في أنواع مختلفة من الخلايا. في المجموع، قيّم الفريق نشاط الجينات في أكثر من 50 ألف خلية مفردة من الوطاء لتحديد المجموعات الخلوية التي تعبّر عن مستقبلات FGF19.

    يشير زانغيرولامو، أول مؤلف في الدراسة، إلى أن سؤالًا مهمًا الآن هو كيفية تشجيع الجسم على إنتاج مزيد من FGF19 بشكل طبيعي. ويوضح أن فريقه يعمل في المختبر على أحماض الصفراء التي تنظّم إفراز هذا الهرمون، وأن الدراسات الأولية قادتهم إلى هذه المسارات. في جزء من العمل، أجرى زانغيرولامو تدريبًا في مركز جوسلين للسكري (Joslin Diabetes Center) في كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) مع البروفيسور يو-هوا تسانغ (Yu-Hua Tseng)، للمساهمة في ربط هذه النتائج بما هو معروف عن الدوائر العصبية التي تنظّم سلوك الأكل والالتهاب في الوطاء تحت تأثير الحمية الغنية بالدهون، ودور FGF19المحتمل في هذا السياق.

    في النهاية، ما زالت هذه النتائج مستمدة من تجارب على الفئران، لكنّها تفتح نافذة مثيرة على كيفية تداخل رسائل الأمعاء والدماغ والدهون في التحكم بالوزن وتنظيم الطاقة. وإذا تمكن العلماء من ترجمة هذه المعرفة إلى علاجات آمنة وفعّالة للبشر، فقد يصبح الحديث عن هرمون مثل FGF19جزءًا أساسيًا من قصة مواجهة السمنة والسكري في السنوات المقبلة.

    تم نسخ الرابط