رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
09:11 م calendar السبت 18 يوليو 2026

سماد بسيط يغيّر قواعد مكافحة الجراد في الزراعة

بدل مطاردة الجراد بالمبيدات، تكشف دراسة جديدة أن سمادًا بسيطًا قد يغيّر سلوك الآفة من الأساس ويحوّل مكافحة الجراد إلى فرصة لزيادة المحصول.

مكافحة الجراد تبدأ
مكافحة الجراد تبدأ من التربة لا من المبيد

    ملخص

    هل انتهى عصر المبيدات في مكافحة الجراد؟
    في اكتشاف بحثي بقيادة جامعة ولاية أريزونا وبالتعاون مع باحثين في السنغال، ونُشر في مجلة Scientific Reports، تبيّن أن تحسين خصوبة التربة يلعب دورًا مباشرًا في مكافحة الجراد. أظهرت التجربة أن تسميد الدخن بالنيتروجين يقلل إقبال الجراد والجنادب على المحاصيل ويحد من تلف الأوراق، ما أدى إلى مضاعفة الإنتاج. وتشير النتائج إلى أن التسميد العضوي والكمبوست قد يشكلان بديلًا مستدامًا للمبيدات، مع فوائد طويلة الأمد للأمن الغذائي والمزارعين.

    التسميد العضوي يفتح بابًا جديدًا لمكافحة الجراد المستدامة
    مكافحة الجراد دون مبيدات: تجربة الدخن في السنغال تكشف الحل

    سماد بسيط يفتح طريقًا لمكافحة الجراد بالتسميد العضوي ويضاعف محصول الدخن 

     

    حين تزداد أعداد الجراد والجنادب في الحقول، تتحول الزراعة من عمل يومي إلى سباق ضد الوقت. دقائق قليلة قد تكفي لتترك مساحات واسعة من المحاصيل بلا أوراق، ومعها تتراجع قدرة الأسر على تأمين دخلها وغذائها. وتلفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن سربًا من الجراد بمساحة كيلومتر مربع واحد يمكن أن يلتهم في يوم واحد كمية طعام تكفي لإطعام 35 ألف شخص، وهو ما يوضح لماذا تُعامل هذه الآفة بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي، ولماذا تتكرر المخاوف من أضرار الجراد للمحاصيل في مناطق كثيرة.

    والسؤال الذي يطرحه المزارعون عادة لا يدور حول “هل ستأتي الآفة؟” بل حول ما يمكن فعله قبل أن تتحول إلى كارثة. الدراسة التي بين أيدينا تقترح نهجًا عمليًا لمكافحة الجراد في الزراعة عبر التسميد وتحسين خصوبة التربة، بحيث يقل إقبال الحشرات على المحصول من الأساس. لفهم ذلك وتسليط الضوء على خيار ميداني قابل للتطبيق، اختبر فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة ولاية أريزونا (Arizona State University) نهجًا يعتمد على تحسين خصوبة التربة لتقليل تغذية الآفة. الدراسة نُشرت في Scientific Reports، وقادها مامور توريه (Mamour Touré) من جامعة غاستون بيرجيه (Université Gaston Berger) في سانت لويس بالسنغال، بالتعاون مع أريان سيز (Arianne Cease) التي تقود مبادرة الجراد العالمية (Global Locust Initiative).

    لماذا تسبب أسراب الجراد والجنادب خسائر كبيرة للمزارعين؟

     

    يرتبط الجراد في مخيلة كثيرين بصور قديمة عن الكوارث، لكن تأثيره اليومي ما زال حاضرًا. عندما تتجمع أعداد كبيرة، يمكنها تدمير المحاصيل عبر مناطق واسعة، ما يضرب مصادر رزق ويؤثر في قدرة الأسر على الاستمرار. ووفق ما عرضه الفريق، قد يمتد السرب الواحد على مئات الأميال المربعة، بحجم مدينة كبرى تقريبًا.

    وتناولت الدراسة حالة الجرادة السنغالية (Senegalese grasshopper)، وهي نوع من الجنادب المهاجرة لا يشكل أسرابًا هائلة مثل الجراد الصحراوي، لكنه يظهر كثيرًا في تجمعات أصغر. هذه التكرارية قد تجعل الضرر أشد على المزارع المحلي، لأن الخسائر تتكرر موسمًا بعد آخر بدل أن تكون موجة واحدة عابرة. ولهذا السبب يشيع الحديث عن مكافحة الجنادب في هذه المناطق بنفس قدر الحديث عن مكافحة الجراد.

    فكرة الدراسة: تغيير غذاء الجراد بدل مطاردته بالمبيدات

     

    انطلقت الفكرة من نمط لاحظته سيز عبر سنوات طويلة من البحث. النباتات التي تنمو في تربة فقيرة بالعناصر الغذائية تميل إلى أن تكون أعلى في الكربوهيدرات وأقل في البروتين، وهو ما يجعلها مناسبة لازدهار الجراد والجنادب المهاجرة. سيز وصفت هذا الميل باسم انحياز الكربوهيدرات ولقّبته بتعبير حمية الدونات (donut diet)، في إشارة إلى غذاء غني بالطاقة السريعة لكنه ضعيف في البروتين.

    ولتبسيط الصورة للقارئ غير المتخصص، يمكن تخيل الجراد كمن يفضل “وقودًا سريعًا” يساعده على الحركة لمسافات طويلة، تمامًا كما يعتمد رياضيو التحمل على الكربوهيدرات. عندما يكون النبات “مليئًا بالكربوهيدرات”، يصبح أكثر جاذبية للآفة.

    أما النباتات المزروعة في تربة غنية بالنيتروجين فتعطي تركيبًا مختلفًا: بروتين أعلى وكربوهيدرات أقل. وخلص الفريق إلى أن هذا يجعلها طعامًا صعبًا على الجراد، لأن جسمه يواجه صعوبة في معالجة فائض البروتين، وفي الوقت نفسه لا يحصل على طاقة كافية ليستمر ويزدهر. ومن هنا جاء السؤال الرئيسي: هل يمكن لتعديل التوازن بين البروتين والكربوهيدرات في المحصول أن يقلل الضرر على أرض الواقع؟

    لماذا يهرب الجراد من الحقول الخصبة؟ دراسة تجيب
    حلول زراعية منخفضة التكلفة لمكافحة الجراد في إفريقيا

    تجربة الدخن في السنغال داخل مزارع عاملة

     

    لتجربة الفكرة خارج المختبر، تعاون الباحثون مع مزارعين في السنغال يواجهون موجات متكررة من الجرادة السنغالية. شارك 100 مزارع في التجربة، وزرع كل واحد قطعتين من الدخن. إحدى القطعتين عولجت بسماد النيتروجين، بينما تُركت الأخرى دون معالجة للمقارنة.

    وكان لدى الفريق احتمالات أراد اختبارها قبل إعلان النتائج. من بينها أن الجراد قد ينتقل من الحقول غير المعالجة إلى الحقول المعالجة، أو أن النباتات الأعلى بروتينًا قد تجذب آفات أخرى. لذلك جرى عدّ الحشرات وقياس أضرار الأوراق ثلاث مرات خلال موسم النمو، ثم توثيق المحصول عند الحصاد.

    نتائج التجربة في السنغال تقلل أضرار الجراد وتضاعف محصول الدخن

     

    النتائج جاءت واضحة ومباشرة. الحقول التي عولجت بسماد النيتروجين سجّلت أعدادًا أقل من الجراد، وأضرارًا أقل على الأوراق، وفي النهاية محصولًا أعلى بكثير. والأهم أن محصول الدخن في السنغال تضاعف في الحقول المعالجة مقارنة بالحقول غير المعالجة، وهو فرق يترجم بسهولة إلى دخل وغذاء أكثر للمزارع.

    كما لم يجد الفريق دليلًا على أن إضافة النيتروجين زادت من مشاكل آفات أخرى، وهو جانب مهم لأن أي حل يزيد مشكلة أخرى يفقد قيمته سريعًا في واقع المزارع.

    كيف يمكن تطبيق النتائج في مكافحة الجراد بالكمبوست؟

     

    رغم أن سماد النيتروجين أظهر فعالية في التجربة، فإن الدراسة تؤكد أنه ليس خيارًا واقعيًا طويل الأمد لكثير من المجتمعات الزراعية. لهذا ركز الفريق لاحقًا على بديل أقرب لقدرات القرى ويخدم التربة في الوقت نفسه، وهو الكمبوست (Compost) أو التسميد العضوي. هنا تتحول الفكرة من تجربة إلى ممارسة يومية يمكن أن تخدم مكافحة الجراد في الزراعة دون الاعتماد على مدخلات مكلفة.

    ولتوضيح التطبيق بمثال بسيط، بدل حرق بقايا المحاصيل بعد تنظيف الأرض، يمكن جمعها وتحويلها إلى كمبوست، ثم استخدامه لتسميد الحقول. بهذا الأسلوب يتحسن تركيب التربة تدريجيًا، ويصبح النبات أقل جاذبية للجرادة السنغالية، ما يساعد على مكافحة الجراد بالكمبوست ومكافحة الجنادب محليًا.

    وتشير الدراسة إلى أن المزارعين في القرى المشاركة واصلوا نهج التسميد العضوي بأنفسهم، وذكروا أنهم توقفوا عن حرق المخلفات الزراعية وصاروا يستخدمونها في التسميد، وهو ما ارتبط لديهم بتراجع إصابات الجنادب.

    لماذا قد تهم هذه النتائج مناطق خارج السنغال؟

     

    حتى في أماكن لا يوجد فيها جراد محلي حاليًا، تظل مشكلة الجنادب قائمة. وأشارت سيز إلى أنها تتابع جراد أمريكا الوسطى الذي يقترب نطاقه من الحدود الأمريكية. وهي ترى أن مناطق مثل تكساس قد تصبح مناسبة للجراد خلال 10 إلى 15 عامًا، مع بقاء السؤال مفتوحًا حول حجم المشكلة المحتملة.

    كما أن الجنادب نفسها تُعد تحديًا معروفًا، إذ تصف وزارة الزراعة الأمريكية بعض أنواع جنادب المراعي بأنها من أخطر تهديدات الآفات في غرب الولايات المتحدة عندما تتجمع بأعداد كبيرة، لأنها قد تجرد المراعي وتنافس الماشية على الغذاء. ومن هذا المنطلق، يرى الفريق أن ما يتعلمه العلماء من إدارة الآفات المهاجرة في الخارج قد يساعد على تطوير بدائل أكثر أمانًا وفعالية، بدل الاعتماد الكامل على المبيدات الكيميائية.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط