اضطراب طيف التوحد: اختلاف توقيت تشخيص التوحد بين الذكور والإناث
كيف تكشف البيانات طويلة المدى أن فجوة تشخيص التوحد بين الجنسين قد تكون مسألة عمر لا نسبة
ملخص
عندما نتحدث عن تشخيص التوحد لدى الفتيات، فنحن لا نتحدث عن ندرة بقدر ما نتحدث عن تأخير يتكشف تدريجيًا مع سنوات المراهقة.
في دراسة سويدية حديثة نُشرت في The BMJ، تابع باحثون 2.7 مليون شخص على مدى 37 عامًا لرصد مسار اضطراب طيف التوحد (ASD) عبر العمر. أظهرت النتائج أن تشخيص التوحد لدى الفتيات يتأخر مقارنة بالذكور خلال الطفولة، لكنه يرتفع بوضوح في المراهقة ليقترب من نسبة 1:1 بحلول سن العشرين. تسلط البيانات الضوء على فجوة تشخيص التوحد بين الجنسين، وتشير إلى احتمال تفويت حالات لدى الفتيات في المراحل المبكرة، ما يستدعي إعادة تقييم توقيت وآليات الرصد والدعم.

ماذا لو كانت فجوة تشخيص التوحد لدى الفتيات مسألة توقيت لا نسبة؟ دراسة طويلة المدى تلمّح إلى أن الصورة تتغير تدريجيًا مع الوصول إلى سن العشرين.
فجوة تشخيص التوحد بين الجنسين ولماذا تتأخر الفتيات؟
لسنوات طويلة، ترسخت فكرة أن التوحد يظهر لدى الذكور أكثر بكثير من الإناث، وهو ما انعكس على الوعي العام وحتى على طريقة رصد الحالات في العيادات والمدارس. وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد التشخيص عالميًا، يبقى السؤال المؤلم بالنسبة لكثير من العائلات هو لماذا تُكتشف بعض الحالات متأخرًا، خصوصًا لدى الفتيات، وما الذي يترتب على ذلك من ضياع فرص مبكرة للفهم والدعم.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التوحد موجود على نطاق واسع عالميًا، مع ملاحظة أن الوصول إلى تشخيص دقيق قد يحدث أحيانًا في مراحل لاحقة. هذا السياق يجعل النقاش حول الفجوة التشخيصية بين الذكور والإناث أكثر إلحاحًا، لأن التأخر لا يعني غياب الحالة بقدر ما قد يعني صعوبة رصدها في الوقت المناسب.
ولتسليط الضوء على هذه الفجوة عبر مراحل العمر، تناولت دراسة سويدية واسعة هذا الجدل من زاوية تمتد من الطفولة إلى سن الرشد. الدراسة نُشرت في The BMJ، وخلصت إلى أن اضطراب طيف التوحد (ASD) قد يحدث بمعدلات متقاربة بين الذكور والإناث، لكن الفارق يبدو أوضح في الطفولة قبل أن تبدأ الإناث في تقليصه خلال سنوات المراهقة.
اضطراب طيف التوحد (ASD) هو مصطلح يشير إلى مجموعة واسعة من الاختلافات في التواصل والسلوك تتفاوت شدتها من شخص لآخر، وهو ما يجعل تجربة التوحد لا تبدو متشابهة لدى الجميع.
ماذا رصدت الدراسة السويدية عبر 37 عامًا؟
اعتمد الباحثون على سجلات صحية وطنية شملت 2.7 مليون شخص وُلدوا في السويد بين عامي 1985 و2022، وتابعوهم منذ الولادة لفترة وصلت إلى 37 عامًا. هذا الحجم سمح بمشاهدة التغيرات عبر مراحل العمر بدل التقاط صورة ثابتة في سن محدد، وهو ما يمنح فهمًا أوضح لمسار التوحد في السويد مع مرور الوقت.
وخلال أكثر من 35 عامًا من الرصد، شُخّص التوحد لدى 78,522 شخصًا، بما يمثل 2.8% من العينة. وكان متوسط العمر عند التشخيص 14.3 عامًا، وهي نقطة مهمة لأنها تضع سنوات المراهقة ضمن المدى الذي يظهر فيه التشخيص بوضوح.
معدلات تشخيص التوحد حسب العمر من الطفولة إلى المراهقة
أظهرت البيانات أن معدلات التشخيص ارتفعت مع كل فئة عمرية من خمس سنوات خلال الطفولة. لدى الذكور، وصلت أعلى معدلات التشخيص في الفترة بين 10 و14 عامًا، عند 645.5 لكل 100,000 سنة-شخص. ولدى الإناث، جاءت الذروة لاحقًا بين 15 و19 عامًا، عند 602.6 لكل 100,000 سنة-شخص.
وسنة-شخص هي طريقة لقياس المعدلات تجمع بين عدد الأشخاص ومدة متابعتهم، أي أنها لا تحسب الأشخاص وحدهم، بل تأخذ الزمن في الاعتبار أيضًا.
هذا الفارق الزمني لا يبدو تفصيلاً عابرًا، لأنه يضع أمامنا نمطًا متكررًا. الذكور يُشخّصون في الغالب خلال الطفولة، بينما تشهد الإناث زيادة قوية في التشخيص خلال المراهقة. وبحلول نحو سن 20 عامًا، اقتربت نسبة الذكور إلى الإناث المشخّصين بالتوحد من 1:1، ما يدعم فكرة أن تشخيص التوحد لدى الفتيات قد يتأخر لكنه يلحق لاحقًا.

لماذا قد يُفوّت تشخيص التوحد لدى الفتيات؟
ناقشت الدراسة سياقًا أوسع شهدته السنوات الثلاثون الماضية، إذ ارتفعت معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد تدريجيًا. وخلال هذه الفترة، ظل هناك عدم توازن واضح في التشخيص، حيث كان الذكور يُشخّصون بمعدل يقارب أربعة أضعاف الإناث.
ويرى خبراء أن زيادة التشخيص عمومًا ترتبط بتوسّع التعريفات التشخيصية وعوامل اجتماعية مثل عمر الوالدين. أما الفارق الكبير بين الذكور والإناث فغالبًا ما فُسّر بأن الفتيات قد يمتلكن مهارات اجتماعية وتواصلية أقوى، ما يجعل التوحد أقل وضوحًا في سن مبكرة، وبالتالي قد يُفوّت تشخيص التوحد لدى الفتيات في المدرسة مقارنة بأقرانهن من الذكور.
وهنا تظهر مشكلة شائعة تُذكر كثيرًا تحت عنوان التوحد عند البنات، حيث تمر سمات الحالة أحيانًا دون ملاحظة مبكرة. كما تعيد النتائج فتح النقاش حول أعراض التوحد عند الفتيات كما قد تظهر في المدرسة والمراهقة، ولماذا قد تمر دون تشخيص مبكر لدى بعضهن.
حدود الدراسة وما الذي ميّزها
أشار الباحثون إلى أن الدراسة رصدية، ولم تأخذ في الحسبان حالات أخرى كثيرًا ما ترتبط بالتوحد مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والإعاقة الذهنية. كما أنها لم تستطع ضبط التأثيرات الوراثية أو البيئية المشتركة بصورة كاملة، بما في ذلك الصحة النفسية للوالدين.
في المقابل، شددوا على أن حجم العينة وطول مدة المتابعة أتاحا تحليلًا على مستوى السكان، مع القدرة على فصل تأثير العمر عن تأثير الفترة الزمنية وسنة الميلاد، وهي نقطة أساسية لفهم تغير نسبة الذكور إلى الإناث مع الوقت.
اقتراب نسبة تشخيص التوحد بين الذكور والإناث بحلول العشرين
ذهب مؤلفو الدراسة إلى أن نسبة الذكور إلى الإناث في تشخيص التوحد انخفضت مع مرور الوقت ومع ارتفاع عمر التشخيص، لدرجة أنها قد تصبح غير واضحة بحلول البلوغ في السويد. كما أكدوا أن هذه الملاحظات تبرز الحاجة إلى فهم أسباب حصول الإناث على التشخيص في وقت متأخر مقارنة بالذكور، وهو ما يعيد طرح فجوة تشخيص التوحد بين الجنسين كقضية عملية وليست مجرد نقاش نظري.
وتتسق هذه الصورة مع أبحاث حديثة تشير إلى أن التوحد عند النساء قد يُفوَّت أو يُكتشف متأخرًا. وفي افتتاحية مرتبطة بالدراسة، قالت المريضة والناشطة في قضايا المرضى آن كاري (Anne Cary) إن النتائج تدعم المخاوف حول فجوات في الممارسات التشخيصية الحالية. وحذرت من أن انتظار التشخيص الدقيق قد يفتح الباب أمام تشخيصات نفسية أخرى لا تعكس الحالة الأساسية، خصوصًا اضطرابات المزاج واضطرابات الشخصية، ما يضع بعض الفتيات والنساء أمام عبء إضافي لإثبات ما يحتجنه من فهم ودعم مناسبين.
كيف يمكن تطبيق النتائج لتحسين التشخيص والدعم؟
أهم ما تقدمه هذه النتائج ليس رقمًا جديدًا بقدر ما هو تعديل للعدسة التي ننظر بها إلى من يُشخّص ومتى. فإذا كانت الإناث يقتربن من الذكور في التشخيص خلال المراهقة، فهذا يعني أن أنظمة الرصد التي تركز على الطفولة فقط قد تترك فجوة كبيرة بلا انتباه.
على أرض الواقع، قد يساعد ذلك في إعادة التفكير في توقيت التقييم. فبدل اعتبار مرور سنوات دون تشخيص دليلًا على غياب التوحد، يمكن النظر إلى سنوات 15 إلى 19 عامًا باعتبارها مرحلة قد يظهر فيها تشخيص التوحد لدى الفتيات بوضوح أكبر. كمثال عملي، عندما تتزايد صعوبات التكيف الاجتماعي أو تظهر مشكلات نفسية متكررة في هذه السن، قد يكون من المفيد أن يُطرح احتمال اضطراب طيف التوحد ضمن التقييم بدل حصر التفسير في مسار واحد.
وبهذا، تصبح نتائج الدراسة أداة لتوجيه الانتباه نحو تشخيص أدق في وقت أقرب، وتقليل احتمالات التشخيص الخاطئ، بما يمنح المصابات فرصة أفضل للحصول على دعم مناسب بوصفهن مريضات توحد، تمامًا مثل نظرائهن من الذكور.
أسئلة شائعة (FAQ)
##لماذا يتأخر تشخيص التوحد لدى الفتيات؟
قد تكون السمات الاجتماعية والتواصلية لدى بعض الفتيات أقل وضوحًا في الطفولة، ما يجعل الأعراض تمر دون ملاحظة مبكرة مقارنة بالذكور.
##هل نسبة التوحد متساوية بين الذكور والإناث؟
تشير البيانات طويلة المدى إلى أن النسبة تقترب من 1:1 بحلول سن العشرين، رغم وجود فجوة واضحة في سنوات الطفولة.
##ما العمر الأكثر شيوعًا لتشخيص التوحد؟
يظهر التشخيص غالبًا في الطفولة لدى الذكور، بينما يرتفع بشكل ملحوظ لدى الإناث خلال المراهقة، خاصة بين 15 و19 عامًا.
##ما مخاطر التأخر في تشخيص التوحد عند الفتيات؟
قد يؤدي التأخر إلى تشخيصات نفسية أخرى لا تعكس الصورة الكاملة، وتأخير الحصول على الدعم المناسب في الوقت الملائم.




