دراسة جامعة روكفلر ترسم أطلس خلايا يكشف متى تبدأ الشيخوخة داخل الجسم
جامعة روكفلر تكشف عبر تحليل ملايين الخلايا كيف يعاد تشكيل أنسجة الجسم مع التقدم في العمر.
ملخص
نشر باحثون من جامعة روكفلر دراسة في مجلة ساينس أعلنوا فيها إنشاء أكبر أطلس خلوي يوضح تأثير الشيخوخة عبر 21 نسيجًا في الجسم. اعتمد الفريق على تحليل قرابة 7 ملايين خلية من 32 فأرًا في ثلاث مراحل عمرية مختلفة، ما كشف أن الشيخوخة تبدأ في منتصف العمر بشكل منسق بين الأعضاء. وأظهرت النتائج تراجع بعض الخلايا المتخصصة مقابل زيادة الخلايا المناعية، إلى جانب فروق واضحة بين الجنسين في أنماط التغيرات. كما حدد الباحثون مناطق جينومية مرتبطة بالالتهاب وصيانة الخلايا الجذعية، مع إتاحة البيانات للباحثين عبر منصة علمية مفتوحة.

جامعة روكفلر تقود إعداد الأطلس الخلوي
أعلن فريق بحثي من جامعة روكفلر في نيويورك عن تطوير أطلس خلوي يُعد الأكبر من نوعه لدراسة الشيخوخة على مستوى الخلايا الفردية. ونُشرت الدراسة في مجلة ساينس بتاريخ 26 فبراير 2026، بعد تحليل واسع النطاق شمل نحو 7 ملايين خلية مستمدة من فئران في مراحل عمرية مختلفة، ما أتاح رسم خريطة تفصيلية لكيفية تغير الأنسجة مع التقدم في العمر عبر 21 نسيجًا داخل الجسم.
قاد البحث الدكتور جونيو كاو، رئيس مختبر علم الجينوم الخلوي الفردي وديناميكيات السكان في جامعة روكفلر، وأوضح أن الهدف لم يقتصر على توثيق ما يحدث خلال الشيخوخة، بل السعي إلى تفسير أسبابه البيولوجية العميقة. وتولت الباحثة زييو لو الجزء الأكبر من العمل التجريبي، حيث طور الفريق تقنية “التسلسل النووي الفردي للوصول إلى الكروماتين” المعروفة باسم single-cell ATAC-seq، والتي تسمح بدراسة كيفية تنظيم الحمض النووي داخل الخلايا وكيف تتغير بنيته بمرور الوقت.
آليات الشيخوخة كما كشفتها البيانات
اعتمد الباحثون على عينات مأخوذة من 32 فأرًا في ثلاث مراحل عمرية: شهر واحد، وخمسة أشهر، و21 شهرًا، مع مراعاة الفروق بين الذكور والإناث. وأظهرت النتائج أن الشيخوخة لا تتقدم بوتيرة بطيئة وعشوائية كما كان يُعتقد سابقًا، بل تبدأ مبكرًا نسبيًا خلال منتصف العمر، وتظهر عبر تحولات متزامنة في أنواع متعددة من الخلايا.
سجل الفريق انخفاضًا في نسبة الخلايا المتخصصة في أعضاء مثل الكلى والعضلات والرئتين، مقابل زيادة ملحوظة في الخلايا المناعية، وهو ما يشير إلى دور الالتهاب في عملية الشيخوخة. ووفقًا لما ورد في الدراسة المنشورة في ساينس، شهد نحو ربع أنواع الخلايا تغيرات كبيرة في أعدادها مع التقدم في العمر، وكانت هذه التحولات متناسقة بين الأعضاء المختلفة، ما يعزز فرضية وجود إشارات جهازية، ربما عبر عوامل تنتقل في الدم، تنظم مسار الشيخوخة على مستوى الجسم ككل.
الفروق بين الجنسين وتأثيرها في الشيخوخة
كشفت الدراسة أيضًا عن فروق بين الجنسين في مسار الشيخوخة، إذ تبين أن نحو 40 في المئة من التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر تعتمد على الجنس. في الإناث، لوحظ تنشيط أوسع في الخلايا المناعية، وهو ما يتوافق مع ما أشارت إليه تقارير سابقة لمنظمة الصحة العالمية بشأن ارتفاع معدلات أمراض المناعة الذاتية لدى النساء. أما في الذكور، فقد تركزت التغيرات في تنظيم الجينات المرتبطة بالإجهاد الخلوي.
يرى الباحثون في جامعة روكفلر أن هذه النتائج تساعد في تفسير اختلاف مخاطر الإصابة بأمراض مرتبطة بالعمر، مثل السرطان وأمراض القلب، بين الرجال والنساء، وتدعم أهمية مراعاة الفروق بين الجنسين في أبحاث الشيخوخة المستقبلية.

تفاصيل جينومية داخل الأطلس الخلوي
من الناحية التقنية، تمكن الفريق من تحديد أكثر من 1800 نوع فرعي من الخلايا، إلى جانب تحليل 1.3 مليون منطقة جينومية. وشهدت نحو 300 ألف منطقة تغيرات مرتبطة بالشيخوخة، فيما وُجد أن قرابة ألف منطقة كانت مشتركة عبر أنواع مختلفة من الخلايا، وترتبط أساسًا بإشارات المناعة والالتهاب وصيانة الخلايا الجذعية.
كما حدد الباحثون ما وصفوه بنقاط تنظيمية ساخنة يمكن أن تمثل أهدافًا محتملة لتأخير الشيخوخة، مثل تعديل السيتوكينات المرتبطة بالاستجابة الالتهابية. وأكد الدكتور جونيو كاو أن هذا الأطلس الخلوي قد يفتح المجال أمام تطوير تدخلات دوائية تستهدف تقليل الالتهاب أو حماية الخلايا الأكثر عرضة للضعف مع التقدم في العمر.
إتاحة البيانات وآفاق البحث المستقبلي
أصبح الأطلس الخلوي الناتج عن هذه الدراسة متاحًا للباحثين عبر منصة epiage.net، ما يتيح الاستفادة من البيانات في أبحاث إضافية. ورغم أن الدراسة اعتمدت على نموذج الفئران بوصفه ممثلًا للثدييات، شدد الفريق في جامعة روكفلر على ضرورة إجراء دراسات لاحقة على البشر لتأكيد الآليات التي جرى رصدها.
ويمثل هذا العمل، وفق ما نشرته مجلة ساينس، خطوة متقدمة في فهم الشيخوخة بوصفها عملية بيولوجية يمكن تحليلها وربما التأثير فيها مستقبلًا، من خلال استهداف المسارات الجزيئية التي يعاد تشكيلها عبر الزمن داخل أنسجة الجسم المختلفة.




