أقدم أحفورة أخطبوط لم تكن أخطبوطًا: اكتشاف صادم
بعد عقود من الاعتقاد السائد، تكشف دراسة حديثة أن أقدم أحفورة أخطبوط قد تكون فُسرت بشكل خاطئ، مما يغير فهمنا لتطور الكائنات البحرية
ملخص
بين طبقات صخرية عمرها 300 مليون سنة، اختبأت حقيقة غير متوقعة قلبت تصنيف أقدم أحفورة أخطبوط، وأجبرت العلماء على إعادة التفكير في أصل الأخطبوط. في دراسة حديثة من جامعة ريدينغ، أعاد تحليل أحفورة Pohlsepia mazonensis تشكيل فهم تطور الأخطبوط، بعدما أثبتت تقنيات تصوير متقدمة أنها ليست أقدم أحفورة أخطبوط كما كان يُعتقد، بل نوتيلويد قديم. التحلل قبل التحجر شوّه ملامح الكائن، ما أدى إلى تصنيفه خطأً لعقود. كشف وجود بنية “الراديولا” بأسنان دقيقة اختلافًا حاسمًا عن الأخطبوط، مما دفع العلماء لإعادة ضبط التسلسل الزمني لظهور الأخطبوط، وترجيح ظهوره خلال العصر الجوراسي بدلًا من قبل 300 مليون سنة.

هل يمكن أن تكون أشهر أحفورة أخطبوط في التاريخ مجرد وهم علمي استمر لعقود؟ قصة Pohlsepia mazonensis تكشف كيف يمكن لتفصيلة صغيرة أن تعيد كتابة تاريخ الأخطبوط بالكامل.
أحفورة شهيرة أعادت كتابة تاريخ الأخطبوط
لأعوام طويلة، عاشت واحدة من أشهر قصص الأحافير في العالم على فكرة بدت مبهرة ومغرية في الوقت نفسه: العثور على أقدم أحفورة أخطبوط معروفة على الأرض. لم تكن المسألة مجرد تصنيف علمي عابر، بل قصة وصلت إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية، ورسخت في الأذهان أن تاريخ الأخطبوط يعود إلى نحو 300 مليون سنة. لكن هذه الرواية التي بدت راسخة انقلبت الآن بالكامل.
ولتسليط الضوء على هذا الجدل القديم، أعاد باحثون فحص الأحفورة الشهيرة باستخدام تقنيات تصوير متقدمة كشفت ما كان مخفيًا داخل الصخر طوال مئات الملايين من السنين. الدراسة، التي نُشرت في Proceedings of the Royal Society B يوم 8 أبريل 2026، خلصت إلى أن الكائن المعروف باسم Pohlsepia mazonensis لم يكن أخطبوطًا أصلًا، بل نوتيلويدًا قديمًا، أي كائنًا ينتمي إلى مجموعة قريبة من النوتيلوس الحديث. وبهذا، سقط عن هذه العينة لقب أقدم أخطبوط، وتغير معها جزء مهم من صورة تطور الأخطبوط عبر الزمن.
كيف قاد التحلل إلى هذا الالتباس الطويل؟
المفارقة أن الخطأ لم يبدأ في المختبر، بل قبل تكوّن الأحفورة نفسها بزمن طويل. فعندما مات الحيوان قبل نحو 300 مليون سنة، بدأ جسمه يتحلل لأسابيع قبل أن يُدفن ويتحجر لاحقًا داخل الصخور. هذا التحلل غيّر شكل الجسم وطمس بعض ملامحه الأصلية، وجعل ما بقي منه يبدو مقنعًا بدرجة كبيرة كأنه أخطبوط محفوظ في الحجر.
لهذا السبب، عندما وُصفت الأحفورة للمرة الأولى عام 2000، بدت للكثير من الباحثين وكأنها تحمل صفات تنتمي إلى الأخطبوط، مثل ما فُسر على أنه ثمانية أذرع وزعانف وسمات أخرى مرتبطة برأسيات الأرجل الحديثة. هذا التفسير دفع أصل الأخطبوط إلى الوراء بنحو 150 مليون سنة، ومنح الأحفورة مكانة استثنائية في دراسات التطور.
لكن الشكوك لم تختفِ تمامًا. على مر السنين، ظل بعض العلماء يتساءلون عما إذا كان هذا التفسير صحيحًا فعلًا، إلا أن المشكلة كانت في غياب وسيلة موثوقة تسمح بفحص البنية الداخلية للأحفورة دون إتلافها. وهنا بدأت القصة تأخذ مسارًا مختلفًا.
التصوير بالسنكروترون كشف أسنانًا صغيرة غيرت القصة
قاد الدراسة الدكتور توماس كليمنتس (Thomas Clements)، المحاضر في علم الحيوان اللافقاري في جامعة ريدينغ (University of Reading)، واستخدم فريقه تقنية تصوير متقدمة تعتمد على السنكروترون، وهي أداة تتيح للعلماء رؤية تفاصيل دقيقة للغاية داخل الصخور لا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة.
ما ظهر داخل الأحفورة كان كافيًا لقلب التصنيف السابق رأسًا على عقب. فقد كشفت الصور عن تراكيب صغيرة شبيهة بالأسنان، موجودة ضمن عضو تغذية يُعرف باسم "radula" (الراديولا)، وهو شريط يحمل صفوفًا من الأسنان الدقيقة ويوجد لدى الرخويات. هذه البنية لم تكن مجرد تفصيل إضافي، بل كانت الدليل الذي حسم القضية.
الأحفورة أظهرت ما لا يقل عن 11 بنية شبيهة بالأسنان في كل صف. وهذا العدد لا ينسجم مع الأخطبوط، لأن الأخطبوط يملك عادة سبع أو تسع أسنان في الصف الواحد. أما النوتيلويدات فعادة ما تمتلك 13. ورغم أن العدد المكتشف في هذه العينة لم يطابق النمط الكامل للنوتيلويدات تمامًا، فإنه ابتعد بوضوح عن نمط الأخطبوط، ما جعل التفسير السابق غير قابل للاستمرار.
Pohlsepia mazonensis لم تكن أخطبوطًا بل نوتيلويدًا
عندما قارن الباحثون هذه الأسنان بتلك الموجودة في نوع متحجر معروف من النوتيلويدات يسمى Paleocadmus pohli، والمكتشف في الموقع نفسه، وجدوا تشابهًا وثيقًا جدًا. هذا التطابق دعم الاستنتاج بأن Pohlsepia mazonensis لم تكن أخطبوطًا، بل نوتيلويدًا تحلل جزئيًا قبل التحجر، وهو ما غيّر شكله الخارجي وأدى إلى سوء تعريفه قبل 25 عامًا.
بهذا المعنى، لم يكن التصحيح مجرد تبديل اسم بآخر، بل إعادة فهم كاملة لهوية الكائن. فبدل أن تكون العينة دليلًا مبكرًا على ظهور الأخطبوط، أصبحت الآن أقدم دليل معروف على حفظ أنسجة رخوة لنوتيلويد في السجل الأحفوري. كما أنها تجاوزت الرقم القياسي السابق في هذا المجال بنحو 220 مليون سنة، ما منحها أهمية علمية جديدة، وإن كانت مختلفة تمامًا عن شهرتها القديمة.

أحفورة إلينوي التي غيرت سجل أقدم الأخطبوط
كانت هذه أحفورة إلينوي قد اكتُشفت أصلًا في ولاية إلينوي الأمريكية، وتحديدًا من موقع Mazon Creekالمعروف بأهميته الأحفورية. وسرعان ما تحولت بعد وصفها الأول إلى عينة مرجعية في النقاشات المتعلقة بتاريخ رأسيات الأرجل، لأن اعتبارها أقدم أخطبوط كان يغير جذريًا الجدول الزمني لتطور هذه الحيوانات.
لكن الدراسة الجديدة تعاملت مع العينة كما لو أنها قضية علمية قديمة أُعيد فتحها بأدوات حديثة. وقد شُبّه هذا النهج بتحقيق جنائي معاصر على كائن عمره 300 مليون سنة، لأن الحسم لم يأتِ من المظهر الخارجي وحده، بل من أدلة دقيقة كانت مخفية في الداخل طوال كل هذه المدة.
ويقول كليمنتس إن الأمر المدهش هو أن أشهر أحفورة ارتبطت بفكرة أقدم أخطبوط لم تكن أخطبوطًا على الإطلاق، بل أحد أقارب النوتيلوس ظل يتحلل لأسابيع قبل أن يُدفن ويتحجر، وهذا التحلل هو ما منحه مظهرًا شبيهًا بالأخطبوط إلى درجة أربكت العلماء لسنوات. وأضاف أن إعادة فحص الأحافير المثيرة للجدل بأدوات جديدة قد تكشف أحيانًا عن إشارات صغيرة تقود إلى اكتشافات مثيرة فعلًا.
ماذا يعني هذا لتطور الأخطبوط اليوم؟
الأثر الأكبر لهذا الاكتشاف لا يتعلق بالأحفورة وحدها، بل بما تعنيه لسردية تطور الأخطبوط نفسها. فبعد إسقاط Pohlsepia mazonensis من سجل أقدم أحفورة أخطبوط، لم يعد هناك ما يدعم فكرة ظهور أقدم أخطبوط في ذلك الزمن السحيق. ووفق الأدلة الحالية، يبدو أن الأخطبوطات ظهرت لاحقًا، خلال العصر الجوراسي.
كذلك، أصبح العلماء يضعون الانفصال التطوري بين الأخطبوط وأقاربه ذوي الأذرع العشر، مثل الحبار، في حقبة الحياة الوسطى من تاريخ الأرض، لا قبل مئات الملايين من السنين كما كان يُعتقد سابقًا. وبذلك، لم تُعد هذه الأحفورة مجرد قصة تصحيح تصنيفي، بل أصبحت نقطة مفصلية في إعادة ضبط التسلسل الزمني لتطور الأخطبوط.
لماذا تبقى هذه المراجعة العلمية مهمة؟
تكشف هذه القصة أن صفًا صغيرًا من الأسنان، ظل مخفيًا داخل الصخر طوال 300 مليون سنة، كان كافيًا لتغيير ما نعرفه عن ظهور الأخطبوط وكيفية تطوره. كما تؤكد أن العلم لا يتقدم فقط عبر اكتشاف أحافير جديدة، بل أيضًا عبر العودة إلى أحافير قديمة مثيرة للجدل وقراءتها من جديد بأدوات أكثر تطورًا.
أسئلة شائعة (FAQ):
##ما هي حقيقة أقدم أحفورة أخطبوط المكتشفة حتى الآن؟
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأحفورة التي اعتُبرت أقدم أخطبوط ليست كذلك، بل تعود إلى نوتيلويد، مما يعني أن أقدم دليل مؤكد للأخطبوط أحدث زمنيًا.
## كيف تم اكتشاف الخطأ في تصنيف أحفورة الأخطبوط؟
تم استخدام تقنية تصوير متقدمة تُعرف بالسنكروترون للكشف عن تفاصيل داخلية دقيقة، مثل الأسنان المجهرية، التي لا تتطابق مع خصائص الأخطبوط.
## متى ظهر الأخطبوط لأول مرة وفق الدراسات الحديثة؟
تشير الأدلة الحالية إلى أن الأخطبوط ظهر خلال العصر الجوراسي، وليس قبل 300 مليون سنة كما كان يُعتقد سابقًا.
## ما الفرق بين الأخطبوط والنوتيلويد في السجل الأحفوري؟
الأخطبوط يفتقر إلى بعض التراكيب الصلبة ويملك نمطًا مختلفًا من الأسنان، بينما النوتيلويد يمتلك بنية “راديولا” مميزة وعددًا مختلفًا من الأسنان، ما يساعد في التمييز بينهما.




