رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:05 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

تحليل 3200 جينوم يعيد رسم أصول اليابانيين

نظرية الأصول الثلاثية للشعب الياباني لم تعد مجرد فرضية تاريخية، فالجينوم الحديث يكشف طبقات أعمق من الهجرة والاختلاط الوراثي داخل اليابان أكثر مما تصور العلماء سابقًا.

هل ينحدر اليابانيون
هل ينحدر اليابانيون من ثلاثة أصول سكانية؟ - illustration

    ملخص

    تكشف دراسة جينية واسعة أن أصول اليابانيين أكثر تعقيدًا مما افترضته النماذج التقليدية لعقود. فبدل الصورة القديمة التي تربط السكان الحاليين بمزيج من شعب جومون ومهاجرين من شرق آسيا، تدعم البيانات الجديدة وجود أصل ثالث مرتبط بشمال شرق آسيا وربما بشعب إيميشي القديم، ما يعزز نظرية الأصول الثلاثية للشعب الياباني.
    البحث الذي أجراه فريق من مركز ريكين للعلوم الطبية التكاملية ونُشر في Science Advances اعتمد على التسلسل الكامل للجينوم لأكثر من 3200 شخص من مناطق تمتد من هوكايدو إلى أوكيناوا. هذا الحجم من البيانات أتاح للباحثين رؤية اختلافات وراثية دقيقة لم تكن واضحة في الدراسات السابقة، وأظهر أن اليابانيين لا يشكلون مجموعة متجانسة وراثيًا كما كان يُعتقد.
    النتائج كشفت أن أثر شعب جومون يظهر بقوة أكبر في أوكيناوا، بينما ترتبط مناطق غرب اليابان بدرجة أعلى بجماعات الهان الصينية، في انعكاس واضح لموجات الهجرة القادمة من شرق آسيا خلال فترات تاريخية مهمة. أما الإشارة الوراثية الثالثة فكانت أوضح في شمال شرق اليابان، وهو ما ينسجم مع فرضيات تربطها بجماعات إيميشي القديمة.
    الدراسة لم تقتصر على تتبع الهجرات. فقد حلل الباحثون أيضًا مقاطع وراثية موروثة من النياندرتال والدينيسوفان، وحددوا عشرات المناطق الجينية القديمة التي لا تزال موجودة لدى اليابانيين المعاصرين، وبعضها يرتبط بأمراض مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والتهاب المفاصل الروماتويدي.
    وتضيف هذه النتائج بعدًا جديدًا لفهم تاريخ اليابان السكاني، إذ تُظهر أن الجغرافيا الحالية ما تزال تحمل بصمات موجات الهجرة القديمة داخل الجينوم. وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية توسيع الدراسات الجينية خارج المجموعات الأوروبية، لأن فهم التنوع الوراثي الآسيوي قد يساعد مستقبلًا في تطوير طب شخصي أكثر دقة وملاءمة للسكان المحليين.

    دراسة جينية تدعم نظرية الأصول الثلاثية للشعب الياباني
    أصول اليابانيين لم تعد تفسرها ثنائية جومون وشرق آسيا فقط - illustration

    سؤال أصول اليابانيين لم يعد بسيطًا كما كان

     

    لوقت طويل، بدت قصة أصول الشعب الياباني وكأنها تقوم على خطّين رئيسيين. الأول يعود إلى شعب جومون، صيادي وجامعي الثمار الذين عاشوا في الأرخبيل آلاف السنين، والثاني يرتبط بمهاجرين لاحقين من شرق آسيا حملوا زراعة الأرز وتقنيات جديدة إلى اليابان.

    لكن هذه الصورة المزدوجة لم تعد كافية لتفسير ما يكشفه جينوم اليابانيين اليوم. ولفهم أصول اليابانيين بصورة أدق، أجرى باحثون من مركز ريكين للعلوم الطبية التكاملية (RIKEN Center for Integrative Medical Sciences) تحليلًا جينيًا لأكثر من 3200 شخص في اليابان، نُشر في Science Advances، واعتمد على التسلسل الكامل للجينوم من مناطق مختلفة في البلاد.

    أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن نظرية الأصول الثلاثية للشعب الياباني أصبحت أكثر قوة. فالنتائج لا تشير فقط إلى امتزاج شعب جومون مع مهاجرين من شرق آسيا، بل تكشف أيضًا أثر مجموعة ثالثة مرتبطة بشمال شرق آسيا، وربما متصلة بشعب إيميشي القديم. وفي الوقت نفسه، أظهرت الدراسة أن السكان في اليابان أكثر تنوعًا وراثيًا مما كان يُعتقد سابقًا.

    خريطة جينية واسعة تكشف تنوع اليابانيين

     

    حلّل الباحثون عينات حمض نووي من سبع مناطق يابانية، تمتد من هوكايدو في الشمال إلى أوكيناوا في الجنوب. وبهذا الحجم، أصبحت الدراسة واحدة من أكبر دراسات التسلسل الكامل للجينوم التي أُجريت على سكان غير أوروبيين.

    بدل الاعتماد على طرق أقدم تقرأ أجزاء محدودة من الحمض النووي، استخدم الفريق التسلسل الكامل للجينوم، وهي تقنية تقرأ تقريبًا كل القواعد الوراثية الثلاثة مليارات في جينوم الإنسان. وبحسب الباحثين، تمنح هذه الطريقة معلومات أكثر بنحو 3000 مرة من التقنيات التقليدية، ما يسمح برؤية تفاصيل دقيقة في جينوم اليابانيين لم تكن ظاهرة من قبل.

    يوضح تشيكاشي تيراو (Chikashi Terao)، الذي قاد الدراسة في ريكين، أن هذا النوع من التسلسل أتاح للفريق النظر في كمية أكبر من البيانات والعثور على إشارات أكثر إثارة للاهتمام. ومن بين أهم هذه الإشارات أن اليابانيين لا يشكلون كتلة وراثية متجانسة كما كان يُعتقد، بل تظهر بينهم اختلافات دقيقة ترتبط بالمناطق الجغرافية داخل البلاد.

    الجينوم الكامل يظهر أن اليابانيين أكثر تنوعًا وراثيًا مما كان يُعتقد
    تنوع اليابانيين الوراثي يكشف أثر جومون وإيميشي ومهاجري شرق آسيا - illustration

    كيف كشفت المتغيرات الجينية النادرة تاريخ اليابان

     

    لم يكتف الفريق بقراءة الجينوم، بل جمع المعلومات الوراثية مع السجلات الطبية، وتشخيصات الأمراض، والتاريخ العائلي، ونتائج الفحوص السريرية. ومن هذا الجمع نشأت قاعدة بيانات واسعة تُعرف باسم المكتبة اليابانية لتسلسل الجينوم الكامل والإكسوم (Japanese Encyclopedia of Whole-Genome/Exome Sequencing Library, JEWEL).

    كان للمتغيرات الجينية النادرة دور مهم في هذا العمل. هذه التغيرات غير الشائعة في الحمض النووي قد تعمل أحيانًا مثل آثار صغيرة تركتها هجرات قديمة أو جماعات سكانية اندمجت لاحقًا في المجتمع. لذلك ركز الباحثون عليها لفهم مسارات أكثر دقة لحركة السكان داخل اليابان.

    ويرى تيراو أن هذه المتغيرات يمكن في بعض الحالات تتبعها إلى جماعات أسلاف محددة، ما يجعلها مفيدة في كشف أنماط الهجرة الدقيقة. وبهذا المعنى، لم يكن الجينوم مجرد سجل صحي، بل سجلًا تاريخيًا أيضًا، يربط بين الجغرافيا القديمة والتنوع الوراثي الحالي.

    دليل أقوى على نظرية الأصول الثلاثية

     

    أظهرت الدراسة فروقًا إقليمية واضحة داخل اليابان. فقد كان الأصل المرتبط بجومون أقوى في أوكيناوا، حيث ظهر في 28.5 في المئة من العينات، بينما كان أقل بكثير في غرب اليابان عند 13.4 في المئة.

    في المقابل، أظهر سكان غرب اليابان صلات جينية أقوى مع جماعات الهان الصينية، وهو ما يرجح أثر موجات هجرة كبيرة من شرق آسيا القارية بين عامي 250 و794 ميلاديًا. وتزامنت هذه الهجرات مع انتشار أنظمة حكم متأثرة بالنمط الصيني، إلى جانب الكتابة والتعليم في اليابان.

    أما الأصل الثالث، المرتبط بشمال شرق آسيا وربما بشعب إيميشي، فظهر بتركيز أكبر في شمال شرق اليابان، ثم أصبح أقل شيوعًا كلما اتجهت العينات غربًا. هذه الإشارة منحت نظرية الأصول الثلاثية للشعب الياباني دعمًا جديدًا، لأنها تكشف طبقة وراثية لا تفسرها الثنائية القديمة بين جومون ومهاجري شرق آسيا وحدها.

    وتبني هذه النتائج على دراسات حمض نووي قديم نُشرت عام 2021، وكانت قد اقترحت أن اليابانيين المعاصرين ينحدرون من ثلاثة مصادر سكانية رئيسية لا من مصدرين فقط. وربطت تلك الدراسات الهجرة الثالثة بفترة كوفون، وهي مرحلة كان لها دور مهم في تشكيل اليابان الحديثة. كما دعمت دراسات لاحقة على جينومات قديمة وبقايا هياكل عظمية فكرة أن تاريخ اليابان السكاني تشكّل عبر موجات هجرة متعددة على مدى قرون.

    جينات النياندرتال والدينيسوفان في جينوم اليابانيين

     

    امتد التحليل أيضًا إلى الحمض النووي الموروث من النياندرتال والدينيسوفان، وهما مجموعتان بشريتان قديمتان تزاوجتا مع الإنسان العاقل قبل عشرات آلاف السنين. ويهتم العلماء بهذه المقاطع القديمة لأنها قد ترتبط أحيانًا بالتكيف مع البيئة أو بخطر الإصابة ببعض الأمراض.

    توضح أمثلة سابقة لماذا تبقى هذه المقاطع مهمة حتى اليوم. فقد أظهرت دراسات أن التبتيين ورثوا نسخة مرتبطة بالدينيسوفان من جين (EPAS1)، وربما ساعدتهم على العيش في البيئات المرتفعة. كما ربطت أبحاث أخرى بعض المقاطع الموروثة من النياندرتال بزيادة خطر مضاعفات شديدة من كوفيد-19 لدى بعض السكان.

    في الدراسة اليابانية، حدد الباحثون 44 منطقة من الحمض النووي القديم لا تزال موجودة في جينوم اليابانيين المعاصرين، وكان كثير منها فريدًا لدى سكان شرق آسيا. ومن بينها منطقة موروثة من الدينيسوفان داخل جين (NKX6-1)، ارتبطت بالسكري من النوع الثاني، وقد تؤثر في استجابة بعض المرضى لعلاجات سيماجلوتيد. كما وجد الفريق 11 مقطعًا موروثًا من النياندرتال ترتبط بحالات تشمل مرض الشريان التاجي، وسرطان البروستاتا، والتهاب المفاصل الروماتويدي.

    ماذا تكشف الأصول الثلاثية عن تنوع اليابان الوراثي؟

     

    ما يجعل هذه الدراسة لافتة أنها لا تتوقف عند سؤال الأصول فقط. فهي تُظهر أن التنوع الوراثي داخل اليابان يتبع إلى حد كبير خريطة الجغرافيا، وأن تاريخ الهجرات القديمة ما زال يترك أثره في جينوم السكان اليوم.

    هذا لا يعني أن الهوية اليابانية يمكن اختزالها في الجينات، ولا أن الجينوم يفسر وحده اللغة أو الثقافة أو المجتمع. لكنه يضيف طبقة علمية مهمة إلى فهم التاريخ السكاني، ويبيّن أن الصورة القديمة عن تجانس اليابانيين تحتاج إلى مراجعة أكثر دقة.

    ويقول تيراو إن الدراسة كشفت بنية فرعية دقيقة داخل السكان اليابانيين، مصنفة بصورة واضحة وفق المواقع الجغرافية في البلاد. هذه الملاحظة تلخص جوهر النتائج، لأن التنوع هنا لا يظهر عشوائيًا، بل يعكس طبقات طويلة من الهجرة والاستقرار والتفاعل بين جماعات مختلفة، من بينها شعب جومون وشعب إيميشي وموجات الهجرة القادمة من شرق آسيا.

    الجينوم والطب الشخصي في اليابان

     

    إلى جانب تتبع الأصول، يرى الباحثون أن هذا العمل قد يساعد مستقبلًا في تحسين الرعاية الصحية. ففي الجانب الطبي من الدراسة، ظهرت أمثلة مباشرة على ارتباط بعض المتغيرات الجينية بمخاطر مرضية. فقد حدد الفريق متغيرات قد تكون ضارة في جين (PTPRD)، وربما ترتبط بارتفاع ضغط الدم، والفشل الكلوي، واحتشاء عضلة القلب. كما وجد متغيرات شائعة تفقد الجين وظيفته في جيني (GJB2) و(ABCC2)، وهما مرتبطان بفقدان السمع ومرض الكبد المزمن.

    يوضح تيراو أن الفريق حاول العثور على متغيرات جينية معطلة للوظيفة تكون أكثر خصوصية لدى اليابانيين، وفهم سبب ارتباط بعضها بسمات أو أمراض معينة. ومن هنا تظهر أهمية ربط الاختلافات السكانية بالاختلافات الجينية، لا من أجل تصنيف الناس، بل من أجل فهم مخاطر المرض بصورة أدق.

    وتوضح الدراسة تحولًا أوسع في أبحاث الجينوم. فلفترة طويلة، ركزت قواعد البيانات الجينية الكبرى على أشخاص من أصول أوروبية، ما حدّ من قدرة العلماء على فهم مخاطر الأمراض لدى سكان آخرين. لذلك يأمل تيراو أن يساعد توسيع قاعدة (JEWEL) بمزيد من البيانات الجينية الآسيوية على تصحيح هذا الخلل. وعلى المدى الطويل، قد يجعل ذلك الطب الشخصي أكثر فائدة لسكان آسيا، لا لمجموعة محدودة من البشر ممثلة بشكل أكبر في قواعد البيانات الحالية.

    أسئلة شائعة (FAQ):

     

     ##كيف أثبتت الجينات نظرية الأصول الثلاثية للشعب الياباني؟

    أظهر تحليل الجينوم الكامل وجود ثلاث طبقات وراثية رئيسية داخل السكان اليابانيين، تشمل أصول جومون وشرق آسيا وشمال شرق آسيا.

     ##ما علاقة شعب إيميشي بأصول اليابانيين؟

    تشير النتائج الجينية إلى وجود أثر وراثي مرتبط بجماعات شمال شرق آسيا، ويرجح بعض الباحثين ارتباطه بشعب إيميشي القديم.

     ##هل اليابانيون متجانسون وراثيًا؟

    لا، فقد أظهرت الدراسة وجود اختلافات جينية إقليمية واضحة بين سكان مناطق اليابان المختلفة.

     ##ما أهمية دراسة الجينوم الياباني طبيًا؟

    قد تساعد البيانات الجينية في فهم مخاطر بعض الأمراض وتطوير علاجات وطب شخصي أكثر دقة للسكان الآسيويين.

     ##هل يحمل اليابانيون جينات من النياندرتال والدينيسوفان؟

    نعم، حدد الباحثون عشرات المقاطع الوراثية الموروثة من النياندرتال والدينيسوفان داخل جينوم اليابانيين المعاصرين.

     ##ما هو مشروع JEWEL في اليابان؟

    هو قاعدة بيانات جينية تجمع معلومات التسلسل الكامل للجينوم والإكسوم مع بيانات صحية وطبية لدراسة التنوع الوراثي والأمراض.

     ##ما الفرق بين نظرية الأصلين ونظرية الأصول الثلاثية لليابانيين؟

    نظرية الأصلين تفسر أصول اليابانيين بمزيج من جومون ومهاجري شرق آسيا، بينما تضيف النظرية الثلاثية مجموعة سكانية ثالثة مرتبطة بشمال شرق آسيا.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط