رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:59 م calendar السبت 18 يوليو 2026

إيقاعات البكتيريا اليومية: مفتاح جديد للتكيف مع التغيرات المناخية

اكتشاف علمي يكشف قدرة البكتيريا على استخدام ساعتِها البيولوجية في التنبؤ بالفصول والاستعداد للتغيرات المناخية، ما يمهد الطريق لتطبيقات واعدة في مواجهة تحديات البيئة.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

أظهرت دراسة علمية جديدة أن للبكتيريا، وتحديداً الطحالب الزرقاء الخضراء، القدرة على استخدام ساعتِها البيولوجية للتكيف مع التغيرات الموسمية، مستفيدةً من الإيقاعات اليومية للتنبؤ بالتحولات المناخية. أظهرت التجارب أن هذه الإيقاعات تعزز مقاومة البكتيريا للظروف البيئية الصعبة، مما يتيح لها تعديل نشاطها وفقًا للفصول. تعد هذه الدراسة خطوة مهمة في فهم كيف تؤثر الإيقاعات اليومية على تفاعل الكائنات الحية مع البيئة، مما يفتح الباب أمام تطبيقات علمية جديدة لمواجهة التغيرات المناخية.


صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

البكتيريا والإيقاعات اليومية

 

تعد الإيقاعات اليومية (الساعة البيولوجية) جزءًا مهمًا من حياة الكائنات الحية، إذ تساعدها على تنظيم نشاطاتها اليومية وفقًا للتغيرات البيئية المتوقعة. وفي حين كانت دراسات الساعة البيولوجية تركز غالبًا على الكائنات الأكبر مثل النباتات والحيوانات، فإن دراسة حديثة نشرتها مجلة “Science” فتحت آفاقًا جديدة، حيث اكتشف الباحثون أن للبكتيريا، وخصوصًا الطحالب الزرقاء الخضراء أو ما يُعرف بالسيانوبيكتيريا، قدرةً مدهشةً على استخدام الإيقاعات اليومية للتكيف مع الفصول والتغيرات المناخية. هذا الاكتشاف يعيد صياغة فهمنا لدور الساعة البيولوجية حتى في الكائنات التي تعيش لدقائق أو ساعات معدودة.

تجربة مثيرة على الطحالب الزرقاء الخضراء: استكشاف تأثير الضوء والبرد على البقاء

 

أجرى الباحثون تجربة مثيرة على الطحالب الزرقاء الخضراء (السيانوبيكتيريا)، حيث تم تعريض العينات لظروف ضوء اصطناعية متنوعة، تشمل أيامًا قصيرة، وأيامًا معتدلة حيث يتساوى الضوء والظلام، وأيامًا طويلة، وذلك في بيئة ثابتة عند درجة حرارة معينة لمدة ثمانية أيام. بعد ذلك، تم وضع هذه العينات في درجات حرارة منخفضة وتغطيتها بالثلج لمدة ساعتين، ثم تمت مراقبة معدلات بقائها على قيد الحياة في ظل هذه الظروف القاسية.

نتائج البحث: تأثير الإيقاع اليومي على بقاء الطحالب الزرقاء الخضراء

 

كانت نتائج التجربة مفاجئة، حيث أظهرت العينات التي تعرضت لأيام قصيرة معدلات بقاء تصل إلى 75%، وهي نسبة أعلى بثلاث مرات مقارنة بالمستعمرات التي لم تُحضّر تحت هذه الظروف. ومع ذلك، كان من اللافت أن يومًا قصيرًا واحدًا لم يكن كافيًا لتعزيز مقاومة البكتيريا؛ بل استغرق الأمر بين ستة إلى ثمانية أيام قصيرة لتحقيق تحسن ملحوظ في فرص البقاء. ما يميز هذا الاكتشاف هو أن العينات التي تم تعديل جيناتها لتفقد الساعة البيولوجية أظهرت عدم وجود فروق ملحوظة في معدلات البقاء، بغض النظر عن طول اليوم. هذا يوضح أن “الإيقاع اليومي” هو العامل الأساسي الذي يمكن البكتيريا من التكيف مع التغيرات البيئية على المدى الطويل.

تصريحات العلماء

 

أوضحت الدكتورة لويزا جابر، المؤلفة الأولى للدراسة والباحثة السابقة في جامعة فاندربيلت، أن النتائج تشير إلى أن البكتيريا تعتمد على ساعاتها البيولوجية الداخلية لقياس طول اليوم. وعندما تنخفض الأيام القصيرة إلى مستوى معين، كما يحدث في فصل الخريف، تتحول البكتيريا إلى حالة فيزيولوجية مختلفة استعدادًا لفصل الشتاء. وأضافت أن هذا الاكتشاف يفتح أفقًا جديدًا لفهم كيفية تفاعل الكائنات الحية مع الإشارات البيئية المتعلقة بالفصول والمناخ.

يتمتع مختبر البروفيسور كارل جونسون بتاريخ طويل في دراسة الساعة البيولوجية للسيانوبيكتيريا، حيث أظهرت الدراسات السابقة قدرة هذه البكتيريا على قياس اختلافات الضوء اليومي، مما يمنحها ميزة تطورية. إلا أن هذه الدراسة الجديدة تُعد أول إثبات علمي لقدرة البكتيريا على التنبؤ بالتغيرات الموسمية استنادًا إلى إيقاعها اليومي.

تطبيقات مستقبلية للتكنولوجيا الحيوية

 

استنادًا إلى هذه النتائج، يتطلع العلماء إلى آفاق جديدة من الاكتشافات العلمية. السؤال المحوري هو كيف يمكن لكائن حي قصير العمر، يمتد إلى ساعات معدودة فقط، أن يطور آليات تتيح له التنبؤ بالظروف المستقبلية؟ تُرجح الدكتورة جابر أن البكتيريا تمرر هذه المعلومات إلى خلايا الجيل التالي، مما يعكس أهمية دور الإيقاعات اليومية في تهيئة الكائنات لمواجهة التغيرات البيئية.

في مركز جون إينيس، سيستخدم الباحثون السيانوبيكتيريا كنموذج لدراسة تطور الاستجابات الضوئية اليومية في الكائنات الحية الأخرى. ستتوجه الأبحاث بشكل خاص نحو تطبيق هذه المفاهيم على المحاصيل الزراعية الرئيسية، مع التركيز على فهم أنظمة الذاكرة الجزيئية التي تسهم في نقل المعلومات بين الأجيال. وقد يكون لهذا الاكتشاف تأثير كبير على الزراعة، حيث يساعد في تحسين استدامتها في مواجهة التغيرات المناخية.

اختراق علمي واعد

 

في بداية التجربة، كانت الدكتورة جابر تواجه بعض الشكوك من قبل مشرفها، البروفيسور كارل جونسون، الذي يعرف بشغفه بالموسيقى ويغني في جوقة سيمفونية ناشفيل. لكن على الرغم من ذلك، شجعها على المضي قدمًا في فكرتها. وأظهرت النتائج أن ما بدا غير واقعي في البداية تحول إلى اختراق علمي حقيقي. بعد تكرار التجارب، أدرك الفريق أنهم كانوا على أعتاب اكتشاف علمي هام.

تعد هذه الدراسة خطوة جديدة نحو فهم أعمق لدور الإيقاعات اليومية في حياة الكائنات الحية، وخاصة البكتيريا. تشير النتائج إلى أن البكتيريا قادرة على تعديل سلوكها استجابة لتغيرات الفصول، مما يفتح أمام العلماء العديد من التطبيقات العلمية التي قد تسهم في التكيف مع التغيرات المناخية المستقبلية.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط