رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:23 م calendar السبت 18 يوليو 2026

قلوب تنبض بالنور... لكنها تذبل بصمت تحت وطأة الطاقة السلبية والعلاقات السامة

 

ثمة لحظات لا يكون فيها الألم صاخبًا، ولا يكون الضرر واضحًا. إنّه ذلك النوع من الأذى الذي يتسلل بهدوء، ويتلبّس وجهًا مألوفًا، وصوتًا محبّبًا. لحظات تجد نفسك بعدها فارغًا، مرهقًا، دون سبب ظاهر. هنا تمامًا، تبدأ الطاقة السلبية في أداء دورها..هدوء قاتل، وخفوت لا تدري من أين بدأ.

الأكثر إيلامًا أن هذه الطاقة السلبية لا تأتي من الغرباء، بل كثيرًا ما تحملها ملامح من نظنهم ملاذًا. الأشخاص السلبيون لا يطرقون الباب كعاصفة، بل يدخلون خلسة عبر كلمة، أو موقف، أو حتى صمتٍ مريب. هؤلاء يُطفئون نورك بالتدريج، ويغادرون وكأنهم لم يفعلوا شيئًا.

البعض يسميهم مصاصو الطاقة، لأنهم يستنزفونك دون أن يمدوا يدًا، ودون أن يرفعوا صوتًا. شخصيات تُرهقك بحضورها، تُثقلك بكلماتها، وتجعلك تشك في ذاتك رغم أنك لم تخطئ. إنهم لا يهاجمونك علنًا، بل يتسللون إلى روحك عبر التفاصيل الصغيرة، ويتركونك تائهًا في دوامة من الاستنزاف الخفي.

ما يُعرف اليوم بـالشخصيات السامة ليس سُبّة اجتماعية، بل توصيف دقيق لأنماط سلوكية تؤثر على من حولها بشكل مستمر. هؤلاء يزرعون الشك، يغذّون التوتر، ويجعلونك تشعر بالذنب لمجرد أنك حاولت أن تحافظ على سلامك. منهم من يتقمّص دور الضحية باستمرار، ومنهم من يُجيد التلاعب العاطفي، ومنهم من يرى في كل فرح فرصة للتقليل والتشكيك.

هكذا تتشكل العلاقات السامة، لا عبر الصراعات الكبرى، بل من خلال التكرار الهادئ للأذى الصغير. كل تعليق سلبي، كل انتقاد مموّه، كل تجاهل غير مبرر، يُراكم داخلك شيئًا من التآكل. تبدأ بالانسحاب، بالصمت، بإعادة النظر في نفسك، ليس لأنك مُخطئ، بل لأن من حولك يُظهرك كذلك.

ما لا يدركه كثيرون هو أن هذا الاستنزاف العاطفي الناتج عن العلاقات السامة لا يتوقف عند مجرد الشعور بالتعب أو الضيق المؤقت، بل يترك أثرًا عميقًا في الجسد والنفس معًا. فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة هارفارد بعنوان
"Negative Interactions and Health: The Role of Hostility and Ambivalence in Relationships" 
أن التعرّض المستمر للتوترات الناتجة عن الأشخاص السلبيين والعلاقات المتوترة يرفع من معدلات الكورتيزول في الجسم، ويضعف الجهاز المناعي، ويزيد من احتمالية الإصابة بالقلق، الأرق، وحتى الاكتئاب.هذه النتائج العلمية تؤكد ما نشعر به intuitively: أن القرب من الشخصيات السامة لا يُرهقك نفسيًا فقط، بل يسحب من طاقتك الحيوية بشكل تدريجي، حتى دون وعي منك.

في المقابل، لا يملك الجميع رفاهية القطيعة التامة مع هذه الشخصيات. أحيانًا يكونون من العائلة، أو زملاء في العمل، أو أشخاصًا يصعب تجنبهم. وهنا تبرز أهمية ما يُعرف بـحماية الطاقة الشخصية. أن تبني حاجزًا داخليًا، أن تتعلم متى تقول "كفى"، أن تُدرك أنك لست مطالبًا بتحمّل كل من يستنزفك تحت شعار القرب أو الإخلاص.

حماية الطاقة الشخصية ليست قسوة، بل وعي. هي أن تفهم أن استمرارك في علاقة تُطفئك ليس نُبلًا، بل ظلمٌ لذاتك. أن تضع حدودًا لا تُختَرق، وأن تُراجع موقعك في حياة الآخرين كما تراجعهم في حياتك. ليس كل من يبتسم صديقًا، وليس كل من يشكي لك يستحق أن يُفرغ عليك أحماله.

ولأن التخلص من الأثر لا يكفي أن يكون قرارًا، بل يحتاج أدوات، فإن عليك أن تمنح نفسك مساحة للشفاء. من طرق التخلص من السلبية: المشي الطويل في الهواء، ممارسة التأمل، الحديث مع من يمنحك أمانًا، أو حتى الكتابة كنافذة لتفريغ ما تراكم. إنها ليست رفاهية، بل ضرورة للنجاة من أثر لا يُرى، لكنه ينهكك كل يوم.

أن تختار من تُجاور، هو جزء من العناية بنفسك. أن تُحسن الإصغاء لصوتك الداخلي حين يشعر بالتعب، هو ذكاء روحي. وأن تُدرك أن بعض القرب مؤذٍ، هو وعي عميق. استنزاف الطاقة لا يأتي من العمل فقط، بل كثيرًا ما يأتي من علاقاتٍ تحتل مقعد القرب، لكنها تسرق منك أكثر مما تُعطيك.

في النهاية، التأثير النفسي للعلاقات ليس أمرًا عابرًا، بل حقيقة لها جذورها في كل تجربة يومية نعيشها. وأنت تستحق أن تُحيط نفسك بأشخاص يُضيئونك، لا يُطفئونك. لأن النور الذي فيك، أثمن من أن يُستهلك في صمت.

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط