رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:46 م calendar السبت 18 يوليو 2026

ذكاء اصطناعي يفتح آفاقًا جديدة لتصميم جينات دقيقة لعلاج الأمراض

باستخدام تقنيات متطورة، تمكن الباحثون من تصميم عناصر تنظيمية جينية جديدة تعزز من دقة العلاج الجيني، مما يتيح التحكم الفعال في تعبير الجينات داخل خلايا محددة.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في دراسة مبتكرة، استخدم باحثون من مختبر جاكسون ومعهد برود تقنيات الذكاء الاصطناعي لتصميم آلاف المفاتيح الجينية، مما يتيح لهم التحكم بدقة في تعبير الجينات داخل أنواع محددة من الخلايا. نُشرت النتائج في مجلة Nature، حيث أظهر البحث قدرة العناصر التنظيمية الجينية الجديدة على تنشيط الجينات في خلايا معينة دون التأثير على باقي الأنسجة في الجسم. تعتمد هذه التقنية على التعلم العميق لتحليل بيانات الجينوم، مما يفتح آفاقًا جديدة في مجالات العلاج الجيني والبحوث الطبية. وأكد الباحثون على أهمية هذه الأدوات في تحسين فعالية العلاجات الجينية، مع إمكانية استخدامها في التطبيقات الطبية المستقبلية، مما قد يسهم في معالجة مجموعة واسعة من الأمراض.


صورة أرشيفية 
صورة أرشيفية 

بحث مبتكر في استخدام الذكاء الاصطناعي

 

قام باحثون في مختبر جاكسون (JAX) ومعهد برود في MIT وهارفارد وجامعة ييل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتصميم آلاف المفاتيح الجينية الجديدة، التي يمكنها التحكم بدقة في تعبير الجينات في أنواع مختلفة من الخلايا. يفتح هذا النهج الجديد إمكانية التحكم في توقيت ومكان تعبير الجينات داخل الجسم، مما يساهم في تحسين الصحة البشرية والبحوث الطبية بطرق لم تكن ممكنة من قبل.

دقة غير مسبوقة

 

أشار الدكتور رايان توهي، أستاذ مساعد في مختبر جاكسون والمؤلف المشارك للعمل، إلى أن “ما يميز هذه العناصر المصممة بشكل صناعي هو أنها تظهر دقة ملحوظة تجاه نوع الخلايا المستهدفة التي تم تصميمها من أجلها”. وأضاف: “هذا يخلق فرصة لنا لتفعيل أو إيقاف تعبير الجين في نسيج واحد فقط دون التأثير على باقي الجسم."

تقدم كبير في العلاج الجيني

 

في السنوات الأخيرة، وفرت تقنيات التعديل الجيني وغيرها من أساليب العلاج الجيني للعلماء القدرة على تغيير الجينات داخل الخلايا الحية. ومع ذلك، كان من الصعب التأثير على الجينات فقط في أنواع معينة من الخلايا أو الأنسجة، بدلاً من التأثير على كامل الكائن الحي. يُعزى ذلك جزئيًا إلى التحدي المستمر في فهم المفاتيح الجينية، المعروفة باسم “العناصر التنظيمية الجينية” (CREs)، التي تتحكم في تعبير الجينات وقمعها.

ابتكار العناصر التنظيمية الجينية

 

في ورقة بحثية نُشرت في مجلة Nature بتاريخ 23 أكتوبر، صمم الدكتور توهي وزملاؤه عناصر تنظيمية جينية صناعية جديدة وغير مسبوقة. استخدمت هذه العناصر بنجاح لتفعيل الجينات في خلايا الدماغ أو الكبد أو الدم، دون تشغيل تلك الجينات في أنواع الخلايا الأخرى.

تعليمات محددة حسب الأنسجة والوقت

 

رغم أن كل خلية في الكائن الحي تحتوي على نفس الجينات، فإن ليس كل الجينات مطلوبة في كل الخلايا أو في جميع الأوقات. تساعد العناصر التنظيمية الجينية (CREs) في ضمان عدم استخدام الجينات المطلوبة في الدماغ في خلايا الجلد، على سبيل المثال، أو أن الجينات الضرورية خلال التطور المبكر لا تنشط في البالغين. الـ CREs ليست جزءًا من الجينات، لكنها تسلسلات DNA تنظيمية منفصلة، وغالبًا ما تكون قريبة من الجينات التي تتحكم فيها.

التحديات في فهم العناصر التنظيمية

 

يدرك العلماء أن هناك آلاف العناصر التنظيمية الجينية المختلفة في الجينوم البشري، لكل منها دور مختلف قليلاً. ومع ذلك، فإن “قواعد” هذه العناصر كانت صعبة الفهم. كما أوضح الدكتور رودريغو كاسترو، عالم الحوسبة في مختبر توهي في جاكسون وأحد المؤلفين الرئيسيين للورقة الجديدة، قائلاً: “لا توجد قواعد بسيطة تتحكم في ما يفعله كل عنصر تنظيمي جيني، مما يحد من قدرتنا على تصميم علاجات جينية تؤثر فقط على أنواع معينة من الخلايا في الجسم البشري."

قراءة وكتابة الشفرات التنظيمية

 

أضاف الدكتور ستيفن ريلي، أستاذ مساعد في علم الوراثة في جامعة ييل وأحد كبار مؤلفي الدراسة، قائلاً: “هذا المشروع يسأل السؤال الأساسي: هل يمكننا تعلم قراءة وكتابة شفرة هذه العناصر التنظيمية؟” وأوضح: “إذا فكرنا في الأمر من حيث اللغة، فإن القواعد والنحو لهذه العناصر غير مفهومة بشكل جيد. لذلك، حاولنا بناء طرق تعلم الآلة التي يمكنها تعلم رمز أكثر تعقيدًا مما يمكننا القيام به بمفردنا.”

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الحمض النووي

 

باستخدام نوع من الذكاء الاصطناعي يسمى التعلم العميق، قام فريق البحث بتدريب نموذج باستخدام مئات الآلاف من تسلسلات الحمض النووي (DNA) من الجينوم البشري. وقد قاسوا نشاط هذه العناصر التنظيمية الجينية (CRE) في ثلاثة أنواع من الخلايا: خلايا الدم، الكبد، والدماغ. سمح نموذج الذكاء الاصطناعي للباحثين بالتنبؤ بنشاط أي تسلسل من بين عدد لا نهائي تقريبًا من التوليفات الممكنة.

الكشف عن أنماط جديدة

 

من خلال تحليل هذه التنبؤات، اكتشف الباحثون أنماطًا جديدة في الحمض النووي، وتعلموا كيف تؤثر قواعد تسلسل الـ CRE في الحمض النووي على كمية الحمض النووي الريبي (RNA) التي يتم إنتاجها – وهو مقياس لنشاط الجينات. تساهم هذه النتائج في فهم أعمق لكيفية عمل الجينات في الخلايا المختلفة، مما قد يساعد في تطوير علاجات جينية أكثر دقة وفعالية.

تطوير منصة CODA

 

ضم الفريق الباحثة بارديس صابتي، وهي مؤلفة مشاركة رئيسية في الدراسة وعضو أساسي في معهد برود وأستاذة في جامعة هارفارد. وقد طوّر الفريق منصة تُدعى CODA (Optimization of DNA Activity)، التي استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بهم لتصميم آلاف من العناصر التنظيمية الجينية الجديدة (CREs) بخصائص محددة مسبقًا. على سبيل المثال، تمكنوا من تفعيل جين معين في خلايا الكبد البشرية دون التأثير على نفس الجين في خلايا الدم أو الدماغ البشرية.

مزيج من التجارب والتحليلات

 

من خلال مزيج تكراري من التجارب المعملية (wet) والتحليلات الحسابية (dry)، استخدم الباحثون البيانات التجريبية لبناء وتقييم نماذجهم الحسابية. وهذا ما مكّنهم من تحسين قدرة البرنامج على التنبؤ بالتأثير البيولوجي لكل CRE وتصميم عناصر جديدة لم يسبق لها مثيل في الطبيعة.

الإمكانات المستقبلية

 

قال ساجر جوساي، المؤلف المشارك الأول في الدراسة وزميل ما بعد الدكتوراه في مختبر صابتي: “رغم كثرتها، تمثل العناصر التنظيمية الطبيعية (CREs) جزءًا صغيرًا جدًا من العناصر الجينية المحتملة، وتخضع لوظائفها لضغوط الانتقاء الطبيعي.” وأضاف: “أدوات الذكاء الاصطناعي هذه لديها إمكانات هائلة لتصميم مفاتيح جينية تضبط تعبير الجينات بدقة، مما يفتح آفاقًا جديدة لتطبيقات مثل التصنيع الحيوي والعلاجات الطبية، التي تتجاوز نطاق الضغوط التطورية.

اختيار وتحديد العضو المستهدف

 

اختبر تيوهي وزملاؤه العناصر التنظيمية الجينية الاصطناعية التي صممها الذكاء الاصطناعي من خلال إضافتها إلى الخلايا وقياس مدى قدرتها على تنشيط الجينات في نوع الخلايا المرغوب. كما قاموا أيضًا بتقييم قدرتها على تجنب تنشيط الجينات في أنواع الخلايا الأخرى. وقد اكتشف الباحثون أن العناصر الاصطناعية الجديدة كانت أكثر تحديدًا لنوع الخلايا مقارنةً بالعناصر التنظيمية الطبيعية المرتبطة بأنواع الخلايا.

نتائج غير متوقعة

 

قال جوساي: “لقد انحرفت العناصر الاصطناعية بشكل بعيد جدًا عن العناصر الطبيعية لدرجة أن التوقعات بفاعليتها بدت غير معقولة.” وأضاف: “في البداية، كنا نتوقع أن العديد من هذه التسلسلات قد لا تعمل بشكل صحيح داخل الخلايا الحية.”

نجاح منصة CODA

 

وأضاف كاسترو: “لقد كان مفاجئًا لنا مدى جودة أداء CODA في تصميم هذه العناصر.” هذه النتائج تعزز إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات دقيقة للتحكم في تعبير الجينات، مما يعد خطوة كبيرة نحو تحسين العلاجات الجينية

تفوق العناصر الاصطناعية على الطبيعية

 

درس تيوهي وزملاؤه أسباب تفوق العناصر الاصطناعية على الطبيعية. وقد وجدوا أن العناصر الاصطناعية الخاصة بنوع الخلايا تحتوي على تركيبات من التسلسلات التي تتحكم في تعبير الجينات في الخلايا المستهدفة، بالإضافة إلى تسلسلات تعمل على كبح أو إيقاف الجين في أنواع الخلايا الأخرى.

التجارب على الأسماك والفئران

 

اختبر الفريق عدة تسلسلات اصطناعية من العناصر التنظيمية الجينية (CRE) في أسماك الزرد والفئران، وكانت النتائج إيجابية. على سبيل المثال، تمكن أحد هذه العناصر من تنشيط بروتين فلوري في أكباد أسماك الزرد النامية دون تنشيطه في أي منطقة أخرى من السمكة.

آفاق جديدة في الأبحاث الطبية

 

قال تيوهي: “تفتح هذه التقنية الطريق نحو كتابة عناصر تنظيمية جديدة بوظائف محددة مسبقًا.” وأضاف: “مثل هذه الأدوات ستكون ذات قيمة كبيرة للأبحاث الأساسية، ولكن يمكن أن يكون لها أيضًا آثار طبية كبيرة، حيث يمكن استخدام هذه العناصر للتحكم في تعبير الجينات في أنواع خلايا محددة جدًا لأغراض علاجية.”

تُظهر هذه النتائج أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تطوير تقنيات جديدة تسهم في تحسين العلاجات الجينية، مما قد يحدث ثورة في مجال الطب الحديث.

تم نسخ الرابط