ثورة في الأطراف الاصطناعية: اليد التي تحاكي الإحساس البشري
في خطوة جديدة نحو تطوير الأطراف الاصطناعية، قدم الباحثون في جامعة جونز هوبكنز يدًا ذكية قادرة على التفاعل مع البيئة.
هل الأطراف الاصطناعية القادمة ستشعر وتعمل كيد بشرية حقيقية؟
نجح فريق من جامعة جونز هوبكنز في تطوير يد اصطناعية متطورة تستخدم تقنية هجينة تجمع بين الصلابة والمرونة لمحاكاة الإمكانيات الفيزيائية واللمسية لليد البشرية. تتميز اليد بقدرتها على التفاعل مع الأجسام المختلفة بفضل المستشعرات المتطورة التي تمكنها من الإحساس بالملمس والشكل، مما يسمح لها بالإمساك بالأشياء دون إتلافها. تم اختبار النظام بنجاح في المختبر، حيث أثبت فعاليته في التعامل مع 15 نوعًا مختلفًا من الأجسام. هذا الابتكار يُعد خطوة هامة في تطوير الأطراف الاصطناعية المستقبلية.

باحثون من جامعة جونز هوبكنز يطورون يدًا اصطناعية متطورة تحاكي يد الإنسان
في دراسة جديدة نُشرت في Science Advances، نجح مهندسون من جامعة جونز هوبكنز في تطوير يد اصطناعية رائدة يمكنها الإمساك بالأشياء اليومية مثل الدمى القماشية وزجاجات المياه بطريقة تحاكي اليد البشرية، مما يمنحها القدرة على التكيف مع ملمس وشكل الأجسام المختلفة دون التسبب في تلفها أو إسقاطها. ويُعد هذا النظام الهجين الأول من نوعه في مجال الأطراف الاصطناعية والروبوتات، حيث يجمع بين الصلابة والمرونة لتحقيق تجربة لمسية طبيعية، وهو ما يُمثل تطورًا مهمًا للأشخاص الذين فقدوا أيديهم، كما يمكن أن يُحسّن من تفاعل الأذرع الروبوتية مع البيئة المحيطة.
تقنية هجينة لمحاكاة قبضة اليد البشرية
على مدار سنوات، واجهت الأطراف الاصطناعية تحديًا في تحقيق التوازن بين الصلابة والمرونة، مما جعلها إما شديدة التصلب أو لينة أكثر من اللازم، الأمر الذي يُعيق محاكاتها لليد البشرية بدقة. لكن الجهاز الجديد الذي طوره فريق من مهندسي الأعصاب والأجهزة الطبية في مختبر Neuroengineering and Biomedical Instrumentations Lab بجامعة جونز هوبكنز يعتمد على تصميم مبتكر يجمع بين هياكل داخلية صلبة مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد وطبقات من البوليمرات المطاطية، مما يتيح له التعامل مع الأجسام المتنوعة كما تفعل اليد البشرية. وصرّح سريرامانا سانكار، المهندس الحيوي المسؤول عن البحث، بأن الهدف الأساسي منذ البداية كان تطوير يد اصطناعية تحاكي الإمكانات الفيزيائية والحسية لليد البشرية، بحيث تبدو وكأنها امتداد طبيعي لذراع الشخص المبتور، وأضاف: "نريد أن نتيح للأشخاص الذين فقدوا أطرافهم القدرة على التفاعل بحرية وأمان مع محيطهم، ليتمكنوا من الإمساك بأحبائهم دون قلق من إيذائهم."
أنظمة استشعار متطورة تمنح الأطراف الاصطناعية إحساسًا باللمس
يتميز الجهاز الجديد بنظام متعدد الأصابع مستوحى من طبقات الجلد البشري، حيث يحتوي على ثلاث طبقات من المستشعرات اللمسية التي تُمكّنه من التمييز بين مختلف القوام والأسطح، بدلاً من مجرد استشعار اللمس فقط. كما تم تزويده بمفاصل هوائية لينة يمكن التحكم فيها من خلال عضلات الساعد، مما يسمح للمستخدم بالتحكم الطبيعي بحركات اليد.
إحدى الابتكارات الرئيسية في هذا النظام هي خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعمل على معالجة الإشارات الصادرة عن المستقبلات اللمسية الاصطناعية، مما يُوفر للمستخدم إحساسًا واقعيًا باللمس من خلال تحفيز الأعصاب كهربائيًا. ويوضح سانكار: "المعلومات الحسية من الأصابع تُترجم إلى إشارات عصبية بحيث يتمكن الدماغ من إدراك الشعور بالأشياء بطريقة طبيعية."
نتائج دقيقة في التجارب المخبرية
في بيئة المختبر، أثبتت اليد الاصطناعية قدرتها على التعرف على 15 نوعًا مختلفًا من الأجسام والتعامل معها بكفاءة، بدءًا من المواد الهشة مثل الدمى القماشية وأكواب البلاستيك الرقيقة، وصولًا إلى العناصر الأكثر صلابة مثل الأناناس وزجاجات المياه المعدنية. وخلال التجارب، أظهرت اليد الاصطناعية دقة استثنائية، حيث تمكنت من الإمساك بالأشياء بنسبة نجاح بلغت 99.69%، مع قدرتها على تعديل قوة قبضتها بشكل ديناميكي لتجنب إسقاط الأجسام أو إتلافها. أحد أبرز الأمثلة على ذلك كان قدرتها على التقاط كوب بلاستيكي رقيق مملوء بالماء باستخدام ثلاثة أصابع فقط دون ترك أي أثر للضغط عليه. ويوضح سانكار: "نحن ندمج بين خصائص الروبوتات الصلبة واللينة لمحاكاة وظائف اليد البشرية. فاليد الطبيعية ليست صلبة بالكامل ولا لينة بالكامل، بل هي نظام هجين يجمع بين العظام والمفاصل اللينة والأنسجة، وهذا ما نسعى لتحقيقه في يدنا الاصطناعية."

خطوة جديدة نحو تطوير الأطراف الاصطناعية المستقبلية
بحسب البروفيسور نيتيش ثاكور، الأستاذ في الهندسة الطبية الحيوية والمشرف على البحث، فإن نجاح الأطراف الاصطناعية في منح الإحساس الطبيعي للمستخدم يعتمد على وجود ثلاثة عناصر أساسية:
- مستشعرات قادرة على رصد البيئة المحيطة.
- نظام لترجمة هذه البيانات إلى إشارات عصبية شبيهة بتلك التي ينتجها الجهاز العصبي.
- تقنية لتحفيز الأعصاب بحيث يتمكن المستخدم من الشعور بالأجسام التي يلمسها.
يُوضح ثاكور أن هذه التقنية الحيوية المستوحاة من الطبيعة تعتمد على إشارات العضلات في الساعد، مثل معظم الأطراف الاصطناعية الحديثة، مما يسمح لها بالتفاعل مع الدماغ والأعصاب بشكل يشبه اليد الطبيعية. وأضاف: "عندما تمسك بفنجان قهوة، كيف تعرف أنك على وشك إسقاطه؟ ترسل راحة يدك وأطراف أصابعك إشارات إلى الدماغ تُنبّهه بأن الفنجان ينزلق. نظامنا يعمل بنفس الطريقة، حيث يستخدم مستقبلات لمسية صناعية تُنتج إشارات عصبية ليتمكن الحاسوب المتحكم في الطرف الاصطناعي من فهم طبيعة الجسم، سواء كان ناعمًا أو خشنًا، باردًا أو ساخنًا، أو في طريقه للسقوط."
آفاق مستقبلية وتحديات التطوير
رغم أن البحث يُشكل اختراقًا علميًا في تطوير الأطراف الاصطناعية والروبوتات، إلا أن هناك حاجة إلى المزيد من التحسينات قبل أن تصبح اليد الاصطناعية جاهزة للاستخدام العملي. يوضح ثاكور أن الخطوات المستقبلية ستشمل تحسين قوة القبضة، إضافة مستشعرات أكثر تقدمًا، واستخدام مواد صناعية أكثر متانة. وأشار إلى أن هذه التقنية لا تقتصر على الأطراف الاصطناعية فقط، بل يمكن أن تُستخدم في تطوير الأيدي الروبوتية المستقبلية، التي لن تقتصر مهامها على التعامل مع الأشياء الكبيرة والثقيلة، بل ستحتاج أيضًا إلى التعامل مع مواد حساسة مثل الزجاج والأقمشة واللعب الطرية. وأضاف: "لهذا السبب، يُعد الروبوت الهجين، المصمم ليحاكي اليد البشرية، تطورًا بالغ الأهمية، فهو يجمع بين الهياكل الصلبة والأنسجة المرنة، تمامًا مثل الجلد والعضلات والعظام في اليد الطبيعية."






