رصد ظاهرة جوية فريدة على المشتري: كرات الماء والأمونيا تتساقط من السماء
الطقس المتطرف على كوكب المشتري يُنتج كرات الوحل الجليدية تحت العواصف الرعدية
ماذا لو كانت الأمونيا تختفي من غلاف المشتري بسبب كرات جليدية بحجم كرات السوفتبول؟
أكد علماء من جامعة كاليفورنيا في دراسة حديثة نشرت في Science Advances وجود كرات جليدية نادرة تُدعى "كرات الوحل الجليدية" (Mushballs) تتشكل خلال عواصف رعدية عنيفة على كوكب المشتري. تتكون هذه الكرات من مزيج من الماء والأمونيا، وتهبط لمئات الكيلومترات إلى أعماق الغلاف الجوي، مُفسّرة اختفاء الأمونيا من الطبقات العليا. يوفر هذا الاكتشاف أول نموذج ثلاثي الأبعاد لطبيعة الطقس على الكوكب العملاق، ويشكل خطوة مهمة لفهم الكواكب الغازية في نظامنا الشمسي وخارجه.

كرات الوحل الجليدية تُمطر على كوكب المشتري: دراسة تؤكد ظاهرة جوية فريدة من نوعها
في دراسة جديدة نُشرت في 28 مارس في مجلة Science Advances، أكد علماء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجود عواصف بَرَد استثنائية على كوكب المشتري، تنتج كرات جليدية مكونة من مزيج شبه سائل من الماء والأمونيا، تُعرف باسم "كرات الوحل الجليدية" (الموشبولز - Mushballs). هذه الكرات، التي تتشكل داخل العواصف الرعدية العنيفة، تهبط إلى أعماق الغلاف الجوي للكوكب بينما تضيء ومضات البرق الأفق.
أصل النظرية: تفسير التوزيع غير المنتظم للأمونيا
ظهرت فكرة الموشبولز لأول مرة في عام 2020 كوسيلة لفهم التفاوت في توزيع غاز الأمونيا داخل الغلاف الجوي العلوي للمشتري. تلك التفاوتات تم رصدها عبر أجهزة قياس تابعة لمهمة "جونو" من وكالة ناسا، بالإضافة إلى مشاهدات تلسكوبية راديوية أرضية. في البداية، لم يتوقع العلماء أن تكون الظاهرة حقيقية بسبب الظروف المعقدة التي تتطلبها، إذ قال الباحث كريس موكل، الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، إنه قضى ثلاث سنوات يحاول إثبات بطلان الفرضية، لكنه في النهاية لم يتمكن من ذلك.
إعادة رسم الغلاف الجوي: أول صورة ثلاثية الأبعاد للمشتري
موكل، بالتعاون مع أستاذته إيمكي دي باتر، طوّر أول تصور ثلاثي الأبعاد للغلاف الجوي العلوي لكوكب المشتري، ونشر النتائج في ورقة بحثية على منصة arXivتمهيدًا لمراجعتها. تكشف الصور أن غالبية الأنظمة الجوية على الكوكب سطحية، ولا تتجاوز أعماقها 20 كيلومترًا تحت طبقة السحب المرئية. لكن توجد أنماط جوية عميقة تخترق هذه الطبقات وتُحدث تغييرات جذرية في توزيع الأمونيا والماء.
أحداث جوية عميقة تعيد تشكيل فهمنا للغلاف الجوي
العواصف العنيفة، إلى جانب الدوامات القوية والبؤر الحرارية المحملة بالأمونيا، تمثل القوى الرئيسية التي تُعيد توزيع المواد الكيميائية في الغلاف الجوي للمشتري. هذه الظواهر لا تقتصر فقط على الكوكب العملاق، بل يُحتمل أن تكون شائعة في جميع الكواكب الغازية، بما في ذلك زحل، أورانوس، ونبتون.

السبب خلف اختفاء الأمونيا من السحب العليا
على الرغم من التوقعات السابقة بأن الأمونيا تتواجد بكثافة في الطبقات العليا، كشفت بيانات "جونو" أنها مفقودة حتى عمق يصل إلى 150 كيلومترًا. هذا التناقض كان لغزًا حتى اقتُرح أن العواصف العنيفة تنتج كرات موشبُول تسحب الأمونيا إلى الأعماق. الموشر الراديوي التابع للمركبة أظهر مناطق تفتقر إلى الأمونيا، مما دعم فكرة أن هذه الكرات تسقط محملة بالأمونيا والماء بعيدًا عن متناول أجهزة الرصد السطحية.
كيف تتشكل الموشبولز داخل العواصف
العالم تريستان غييو وضع تصورًا لآلية تشكل هذه الكرات. تبدأ العملية عندما ترفع التيارات الهوائية الصاعدة قطرات الماء إلى ارتفاعات عالية، حيث تختلط ببخار الأمونيا الذي يمنعها من التجمد. مع تكرار الصعود والهبوط، تنمو هذه القطرات تدريجيًا إلى أن تصبح كرات موشبُول بحجم كرات السوفتبول. بفضل كثافتها العالية، تهبط مئات الكيلومترات داخل الغلاف الجوي، حاملة معها نسبة عالية من الأمونيا.
موكل أوضح أن "رحلة الموشبول تبدأ من عمق يتراوح بين 50 و60 كيلومترًا، تصعد بسرعة إلى القمة حيث تتجمد، ثم تبدأ في السقوط مجددًا إلى أعماق الكوكب، حيث تتبخر وتترك وراءها بصمات كيميائية يمكن تتبعها راديويًا".
إشارات راديوية تؤكد وجود الموشبولز
أحد الاكتشافات المفصلية كان ظهور منطقة أسفل إحدى السحب الرعدية تُظهر إشارة راديوية لا يمكن تفسيرها إلا بذوبان جليد أو زيادة في تركيز الأمونيا، وهي إشارات تتوافق تمامًا مع وجود الموشبولز. بحسب هواتشي جي، زميل موكل وخبير في ديناميكيات السحب، فإن التفسيرات التقليدية مثل المطر أو الثلج لا يمكنها إنتاج مثل هذه الإشارات.
موكل قال إن ما أكد له صحة النظرية هو استحالة وجود تفسير بديل مقنع للبيانات. على الرغم من رغبته في إيجاد إجابة أبسط، فإن كل المؤشرات كانت تشير إلى أن كرات الموشبول هي المصدر الوحيد الممكن.
جهود رصد جماعي تكشف صورة الطقس ثلاثية الأبعاد
لتحقيق صورة شاملة، تعاون العلماء في جمع بيانات من تلسكوب "هابل"، الذي قدّم مشاهدات للضوء المنعكس عن السحب، وتلسكوب "فيري لارج أراي" في نيومكسيكو، الذي اخترق عشرات الكيلومترات أسفل السحب. بيانات "جونو" الإشعاعية غطت مناطق ضيقة لكنها عميقة، وساهمت في إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للأحوال الجوية. وقال موكل إنه ابتكر طريقة تصوير طبقي تسمح بتحويل البيانات الراديوية إلى خرائط ثلاثية الأبعاد للأجزاء التي رصدتها المركبة، مضيفًا: "طبقة تكاثف الماء هي عنصر حاسم في تحديد ديناميكيات الطقس على المشتري، ولا تتمكن سوى أقوى العواصف من اختراقها".
مستقبل أبحاث الكواكب الخارجية يعتمد على فهم المشتري
نتائج الدراسة تعيد النظر في الافتراضات السابقة حول أن الغلاف الجوي العلوي يمثل بشكل جيد ما يوجد في أعماق الكوكب. هذا الفهم مهم جدًا عند دراسة الكواكب الخارجية (Exoplanets)، حيث لا يمكن رصد سوى الطبقات العليا. وبما أن العديد من تلك الكواكب تُشبه المشتري من حيث التركيب والحجم، فإن هذا النموذج الجديد يساعد في تفسير إشاراتها الكيميائية بطريقة أكثر دقة. موكل اختتم بالإشارة إلى أن نقص البيانات المعايرة علنًا من مهمة "جونو" كان من أبرز العوائق التي واجهها خلال أبحاثه، ما اضطره إلى إعادة بناء أدوات التحليل بنفسه. لاحقًا، قرر نشر هذه الأدوات لدعم المجتمع العلمي وتوسيع فرص المشاركة.




