رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
04:04 م calendar السبت 18 يوليو 2026

أسرار الكوكب الأحمر: أين ذهب غلاف المريخ الجوي؟

الغلاف الجوي للمريخ: كوكب متجمد يحتفظ بأسرار ماضية!

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

كشفت دراسة حديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن إمكانية أن يكون الطين الموجود على سطح المريخ قد احتجز كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، الذي فقده الكوكب منذ مليارات السنين. تشير النتائج إلى أن المياه التي تدفقت على المريخ قد تفاعلت مع الصخور، مما أدى إلى تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى ميثان، وهو ما يمكن أن يكون مخزنًا للكربون على مدى زمن طويل. يعزز هذا الاكتشاف من الفهم الجيولوجي لتاريخ المريخ ويعطي بصيص أمل لاستغلال هذا الكربون كمصدر للطاقة في المهمات المستقبلية.


المريخ
المريخ

المريخ: الصحراء الباردة لم تكن دائمًا كذلك

 

لم يكن المريخ دائمًا الصحراء الباردة والجافة التي نراها اليوم. هناك أدلة علمية متزايدة تشير إلى أن المياه كانت تتدفق على سطح الكوكب الأحمر قبل مليارات السنين. إذا كانت هناك مياه سائلة، فلا بد أن غلافًا جويًا كثيفًا كان موجودًا للحفاظ على هذه المياه من التجمد والتبخر. ولكن منذ حوالي 3.5 مليار سنة، بدأت المياه بالتلاشي وتقلص الغلاف الجوي الغني بثاني أكسيد الكربون، مما ترك الكوكب مع بقايا ضئيلة فقط من الغلاف الجوي الذي يلتصق به اليوم.

لغز اختفاء الغلاف الجوي للمريخ

 

أين ذهب الغلاف الجوي للمريخ؟ هذا السؤال يشكل أحد الألغاز المركزية في تاريخ الكوكب الأحمر، الذي يمتد لأكثر من 4.6 مليار سنة. تشير الأبحاث إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا الغلاف الجوي المفقود قد يكون محجوزًا في قشرة المريخ المغطاة بالطين. فريق من الجيولوجيين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) قدّم هذه الفرضية في دراسة نُشرت في مجلة Science Advances، مشيرين إلى أن التربة الطينية على المريخ قد تكون المكان الذي اختفى فيه الغلاف الجوي.

تفاعل الصخور مع الغلاف الجوي

 

تشير الفرضية إلى أن المياه، أثناء وجودها على سطح المريخ، كانت تتسرب ببطء عبر أنواع معينة من الصخور، مما أدى إلى سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي سحبت ثاني أكسيد الكربون تدريجيًا من الغلاف الجوي وحولته إلى ميثان، وهو شكل من أشكال الكربون يمكن تخزينه لآلاف السنين داخل التربة الطينية للكوكب. هذا النوع من التفاعلات الكيميائية مشابه لما يحدث في بعض المناطق على كوكب الأرض.

دور الطين في حجز الغلاف الجوي

 

من خلال تطبيق معرفتهم بالتفاعلات بين الصخور والغازات على الأرض، استنتج الباحثون أن الطين المنتشر على سطح المريخ قد يكون قادرًا على الاحتفاظ بما يصل إلى 1.7 بار من ثاني أكسيد الكربون. هذا الرقم يعادل حوالي 80% من الغلاف الجوي الأولي للمريخ. هذه التفاعلات الكيميائية التي حدثت منذ مليارات السنين ربما كانت العامل الأساسي الذي أدى إلى تغير طبيعة الغلاف الجوي للكوكب وجفاف سطحه بشكل كامل.

إمكانية استعادة الكربون في المستقبل

 

مع تطور الأبحاث حول كيمياء الغلاف الجوي للمريخ، يعتقد العلماء أنه من الممكن استعادة هذا الكربون المحتجز في المستقبل وتحويله إلى وقود لدعم المهمات المستقبلية بين الأرض والمريخ. هذا السيناريو يفتح آفاقًا جديدة لاستكشاف الكوكب الأحمر واستخدام موارده لدعم حياة البشر في حال إقامة مستعمرات دائمة هناك. يُعد حجز الكربون في التربة المريخية بمثابة خزان طبيعي يمكن أن يوفر الوقود والطاقة اللازمة للمستكشفين والمستعمرين في المستقبل.

أهمية الدراسة لتاريخ الكوكب الأحمر

 

تأتي هذه الدراسة كجزء من جهود علمية أوسع لفهم كيف تغيّر الغلاف الجوي للمريخ بمرور الوقت، وما هي العمليات الجيولوجية والكيميائية التي ساهمت في تشكيل سطحه الحالي. إن كشف غموض اختفاء الغلاف الجوي يمكن أن يساعد العلماء على فهم تطور الكواكب بشكل عام، بما في ذلك الأرض، وتحديد العوامل التي تجعل كوكبًا صالحًا للحياة أو غير قابل للعيش. هذه الأبحاث لا تساهم فقط في توضيح تاريخ المريخ، بل تلقي الضوء على مستقبل استكشاف الكواكب الأخرى أيضًا.

تأثير الدراسة على البعثات الفضائية المستقبلية

 

إذا ثبتت صحة هذه الفرضية، فإن التربة الطينية المريخية قد تصبح هدفًا رئيسيًا للبعثات الفضائية المستقبلية. يمكن أن تكون هذه التربة مصدرًا حيويًا لاستعادة الكربون وتحويله إلى موارد طاقة. على المدى الطويل، يمكن أن تساعد هذه العملية في تخفيف تكاليف نقل الوقود من الأرض إلى المريخ، مما يجعل السفر بين الكوكبين أكثر كفاءة واقتصادية. لذلك، فإن تحديد مواقع الطين المحتوية على الكربون وتقدير كميته يُعتبر جزءًا أساسيًا من التخطيط لبعثات الاستكشاف المستقبلية.

استنتاج: رحلة البحث عن الغلاف الجوي المفقود

 

إجمالًا، ما زال أمام العلماء الكثير لفهم كامل تاريخ المريخ وكيفية تغيّر غلافه الجوي، لكن فرضية احتجاز الكربون في التربة الطينية تفتح بابًا جديدًا لفهم هذا اللغز القديم. إذا تم التأكد من هذه النظرية، فقد يغير ذلك طريقة تفكيرنا حول تطور الكواكب الصخرية في نظامنا الشمسي وخارجه. إن حل لغز الغلاف الجوي المفقود للمريخ ليس مجرد إنجاز علمي، بل خطوة نحو استكشاف أعمق لما يمكن أن يخفيه الكوكب الأحمر في باطنه.

اكتشاف جيولوجي: الطين المريخي قد يحمل سر الغلاف الجوي المفقود

 

كشف الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن فرضية جديدة قد تفسر اختفاء جزء كبير من الغلاف الجوي المريخي. يقول أوليفر جاجوتز، مؤلف الدراسة وأستاذ الجيولوجيا في قسم علوم الأرض والجو والكواكب في المعهد: “استنادًا إلى نتائجنا على الأرض، نظهر أن عمليات مشابهة من المحتمل أن تكون قد عملت على المريخ، وأن كميات وفيرة من ثاني أكسيد الكربون الجوي يمكن أن تكون قد تحولت إلى ميثان وتم احتجازها في الطينات”. هذه الطينات، التي يُعتقد أنها تشكلت في وقت كانت فيه المياه تجري على سطح المريخ، قد تكون بمثابة خزان كبير للكربون الذي اختفى من غلافه الجوي. ويضيف جاجوتز: “قد يكون هذا الميثان لا يزال موجودًا وربما يُستخدم كمصدر للطاقة على المريخ في المستقبل”.

مساهمات الباحثين: من الأرض إلى المريخ

 

المؤلف الرئيسي للدراسة هو جوشوا موراي، خريج حديث من قسم علوم الأرض والجو والكواكب (دكتوراه 2024). موراي هو جزء من مجموعة جاجوتز البحثية في معهد MIT، والتي تهدف إلى فهم العمليات الجيولوجية والتفاعلات الكيميائية التي تؤثر على تطور القشرة الأرضية، وهي الطبقة الخارجية الصلبة والهشة من كوكبنا التي تضم القشرة والوشاح العلوي، حيث تحدث الحركات التكتونية. هذه العمليات، التي تمتد لآلاف السنين، تلعب دورًا مهمًا في تنظيم المناخ عبر التفاعلات بين الصخور والغازات الجوية.

الطينات: فخ الكربون الطبيعي

 

في عام 2023، ركز الباحثون على دراسة نوع معين من معادن الطين يُعرف باسم “سميكتايت”، وهو معدن يُعتبر فخًا طبيعيًا فعالًا للكربون. يمتاز السميكتايت بوجود طيات دقيقة يمكن أن تحتجز الكربون بشكل مستقر لآلاف السنين. داخل حبة واحدة من هذا الطين، يمكن للكربون أن يجلس محبوسًا في هذه الطيات دون أن يتفاعل مع البيئة المحيطة. وفقًا لما توصل إليه الباحثون، من المحتمل أن تكون هذه المعادن الطينية قد تشكلت على الأرض نتيجة النشاط التكتوني المكثف.

دور السميكتايت في تنظيم المناخ

 

على الأرض، يُعتقد أن معادن السميكتايت قد ساهمت في تبريد الكوكب على مدى ملايين السنين عن طريق سحب كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتخزينها في الطبقات السطحية. عندما كانت هذه المعادن الطينية معرضة للسطح نتيجة النشاط التكتوني، كانت تتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون في الهواء، مما ساعد على تقليل تركيزه بشكل ملحوظ. هذه التفاعلات الجيولوجية التي تحدث على فترات زمنية طويلة تساهم في تنظيم التوازن المناخي على الكوكب.

هل حدثت نفس العمليات على المريخ؟

 

بعد نشر نتائج أبحاثهم المتعلقة بالسميكتايت على الأرض، بدأ جاجوتز وزملاؤه بتطبيق النتائج على المريخ. عند تحليل الخرائط الطبوغرافية لسطح المريخ، لاحظوا أن الكوكب الأحمر يحتوي على مساحات واسعة مغطاة بنفس الطينات السميكتايت. تساءل جاجوتز: “هل من الممكن أن يكون لهذه الطينات تأثير مشابه في احتجاز الكربون على المريخ كما هو الحال على الأرض؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكمية الكربون التي يمكن أن تحتفظ بها هذه الطينات؟”.

فرضية الطينات المريخية: حل لغز الغلاف الجوي المفقود؟

 

يعتقد الباحثون أن هذه الطينات قد تكون مسؤولة عن احتجاز كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، وربما تصل إلى ما يعادل 80% من الغلاف الجوي الأولي للمريخ. إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن تأثير هذه الطينات على المريخ كان كبيرًا بما يكفي لتحويل الغلاف الجوي من حالة غنية بثاني أكسيد الكربون إلى الحالة الرقيقة التي نراها اليوم. وبسبب طبيعة تكوينها، يمكن لهذه الطينات أن تحتفظ بالكربون بشكل مستقر لآلاف السنين، مما يجعلها هدفًا محتملاً للدراسات المستقبلية حول تاريخ المريخ وتغير مناخاته.

ربط النقاط: من الأرض إلى المريخ

 

يقول جاجوتز: “نحن نعلم أن هذه العملية تحدث، وهي موثقة جيدًا على الأرض. وهذه الصخور والطينات موجودة على المريخ. لذا، أردنا محاولة ربط النقاط”. إن ما يجعل هذه الفرضية مثيرة للاهتمام هو أنها تعتمد على عمليات جيولوجية مشابهة لما يحدث على الأرض، مما يزيد من احتمالية صحتها. إذا تمكن العلماء من إثبات هذا الأمر بشكل قاطع، فسيكون ذلك اكتشافًا حاسمًا لفهم تاريخ المريخ وكيفية تغير مناخاته.

أهمية الفرضية: تطبيقات مستقبلية

 

يمتد تأثير هذه الدراسة إلى ما هو أبعد من مجرد فهم الغلاف الجوي المريخي. إذا ثبت أن الطينات المريخية قادرة على احتجاز الكربون بشكل مستقر، فقد يمكن استخدامها كمصدر طاقة محتمل في المستقبل. يمكن تحويل الكربون المحتجز إلى وقود لدعم البعثات البشرية والمستعمرات المستقبلية على المريخ. هذا السيناريو يفتح آفاقًا جديدة لاستغلال الموارد الطبيعية للكوكب بطريقة مستدامة، مما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي للبعثات الفضائية.

ما هي الخطوة التالية؟

 

من أجل إثبات هذه الفرضية، يحتاج الباحثون إلى المزيد من البيانات من سطح المريخ، والتي يمكن جمعها من خلال بعثات فضائية مستقبلية تستهدف تحليل تركيب الطينات المريخية. تكنولوجيا استشعار الكربون والتحليل الطيفي قد تساعد في تحديد مواقع تركيزات الكربون داخل التربة المريخية. كما أن استخدام المركبات الروبوتية لتجميع عينات من سطح المريخ وتحليلها على الأرض سيكون خطوة مهمة نحو التحقق من مدى دقة هذه الفرضية.

تأثير الاكتشاف على فهم تطور الكواكب

 

إذا تم إثبات أن هذه العملية الجيولوجية مسؤولة عن اختفاء الغلاف الجوي المريخي، فإن ذلك سيغير بشكل جذري طريقة فهمنا لتطور الكواكب الصخرية في النظام الشمسي. إن فهم كيفية احتجاز الكربون وتخزينه في الطينات ليس مجرد معرفة تخص المريخ، بل يمكن أن يقدم لنا نماذج جديدة لدراسة الكواكب الأخرى، مثل الزهرة أو حتى الكواكب الصخرية خارج نظامنا الشمسي.

نحو فهم أعمق للمريخ

 

تظل فرضية احتجاز الكربون في الطينات المريخية خطوة أولى نحو حل لغز الغلاف الجوي المفقود للمريخ. ومع تزايد الاهتمام باستكشاف الكوكب الأحمر، ستكون هذه الأبحاث حجر الزاوية لتحديد مستقبل الاستكشاف البشري. إذا أمكن استعادة الكربون المخزن وتحويله إلى وقود، فقد يتحول المريخ من كوكب جاف وصحراوي إلى بيئة قابلة للاستغلال البشري.

الفرق في تكوين الطينات بين المريخ والأرض

 

على كوكب الأرض، يُعتبر تكوين الطينات، مثل السميكتايت، نتيجة مباشرة لحركة الصفائح التكتونية. هذه العملية التكتونية تؤدي إلى انتقال ورفع الصخور من أعماق الوشاح إلى السطح، مما يُتيح لهذه الصخور التفاعل مع المياه والغلاف الجوي لتكوين الطينات الغنية بالمعادن. ومع ذلك، يختلف الوضع بشكل كبير على كوكب المريخ، حيث لا يوجد نشاط تكتوني نشط مثل الأرض. ولهذا السبب، قام فريق البحث بالبحث عن آليات بديلة يمكن أن تفسر تكوّن الطينات على المريخ، بالاعتماد على ما هو معروف عن تاريخ الكوكب الأحمر وتركيبته الجيولوجية.

المؤشرات الجيولوجية: دلالات الصخور النارية على المريخ

 

تشير الدراسات والقياسات البعيدة لسطح المريخ إلى أن جزءًا كبيرًا من قشرته يتألف من صخور نارية تُعرف باسم فوق مافيك. هذه الصخور تُعتبر مماثلة لتلك التي تتكوّن على الأرض وتؤدي إلى تكوين السميكتايت من خلال عملية التجوية الكيميائية، عندما تتعرض للتفاعل مع الماء. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت ملاحظات العلماء وجود أنماط جيولوجية على المريخ، تشبه شبكات الأنهار والتفرعات الأرضية، مما يشير إلى أن المياه كانت تتدفق في وقت ما عبر هذه الصخور، وربما كانت تتفاعل مع الطبقات الأساسية منها لتشكل أنواعًا معينة من الطينات.

فرضية جاجوتز وموراي: تكوين الطينات من تفاعل المياه مع الصخور فوق المافيك

 

انطلق الباحثان جاجوتز وموراي من تساؤل رئيسي: “هل من الممكن أن المياه على سطح المريخ قد تفاعلت مع الصخور العميقة الغنية بالمعادن بطريقة أدت إلى تكوين الطينات التي تغطي سطح الكوكب اليوم؟”. للإجابة على هذا التساؤل، قاما بتطوير نموذج كيميائي بسيط يستند إلى ما هو معروف عن كيفية تفاعل الصخور النارية مع المياه والغازات في بيئة كوكب الأرض. استخدم هذا النموذج لتقديم تقديرات دقيقة للتغيرات الكيميائية التي قد تكون طرأت على الصخور المريخية نتيجة هذا التفاعل.

تطبيق النموذج الكيميائي على البيئة المريخية

 

عند تطبيق النموذج على البيئة المريخية، افترض الفريق أن القشرة المريخية تتكون في معظمها من الصخور النارية الغنية بمعدن الأوليفين. الأوليفين هو أحد المعادن الشائعة في الصخور النارية على الأرض، ويُعتقد أنه يشكل جزءًا كبيرًا من قشرة المريخ أيضًا. انطلق الباحثون من فرضية أن المياه كانت متواجدة على سطح المريخ لفترات زمنية طويلة، قد تصل إلى مليار سنة أو أكثر، وأن الغلاف الجوي في تلك الفترة كان كثيفًا ويحتوي على كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.

دور ثاني أكسيد الكربون في التفاعلات الكيميائية

 

يقول موراي في هذا السياق: “في تلك الفترة من تاريخ المريخ، نعتقد أن ثاني أكسيد الكربون كان موجودًا في كل مكان، في كل زاوية وركن، وأن المياه التي تتسرب عبر الصخور كانت مشبعة أيضًا بثاني أكسيد الكربون”. يشير هذا التصور إلى أن المياه التي كانت تتدفق على سطح المريخ لم تكن مجرد مياه عادية، بل كانت تحمل معها كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون المذاب، مما جعلها أكثر قدرة على التفاعل مع المعادن وتغيير تركيبها الكيميائي.

تفاعل الأوليفين مع المياه المشبعة بثاني أكسيد الكربون

 

عندما تتفاعل المياه المشبعة بثاني أكسيد الكربون مع الأوليفين، يحدث تفاعل كيميائي يؤدي إلى تحلّل المعدن وتكوّن معادن طينية جديدة مثل السميكتايت. هذا النوع من الطين يمتاز بقدرته على احتجاز الكربون داخل بنيته البلورية، مما يجعله فخًا طبيعيًا لثاني أكسيد الكربون. مثل هذه التفاعلات تُظهر كيف يمكن للصخور الغنية بالمعادن على سطح المريخ أن تكون قد ساهمت في تغيير تركيب الغلاف الجوي للكوكب بمرور الزمن.

تأثير الغلاف الجوي الكثيف على البيئة المريخية

 

إن وجود غلاف جوي كثيف مشبع بثاني أكسيد الكربون على المريخ في تلك الفترة كان يعني أن الغازات الموجودة كانت تذوب بكفاءة في المياه المتدفقة، مما يؤدي إلى تفاعلات كيميائية قوية مع الصخور. هذه التفاعلات لم تكن تقتصر على السطح فقط، بل ربما امتدت إلى الطبقات العميقة من القشرة المريخية، مما أدى إلى تكوين كميات كبيرة من الطينات التي احتجزت كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون، مما قلل من تركيز هذا الغاز في الغلاف الجوي بشكل تدريجي.

النتائج المحتملة: تأثير التفاعلات الكيميائية على مناخ المريخ

 

إذا كان هذا السيناريو دقيقًا، فإن هذه التفاعلات الكيميائية قد تكون هي السبب الرئيسي في تقليل كثافة الغلاف الجوي للمريخ وتحوله من كوكب رطب ودافئ إلى صحراء جافة وباردة كما هو عليه اليوم. وبمرور الوقت، أدت عملية احتجاز ثاني أكسيد الكربون داخل الطينات إلى فقدان جزء كبير من الغلاف الجوي، مما جعل المريخ غير قادر على الاحتفاظ بالحرارة والمياه على سطحه.

مستقبل البحث: استكشاف الطينات المريخية

 

هذه الفرضية تدفع العلماء إلى التفكير بشكل أعمق في دراسة الطينات الموجودة على سطح المريخ اليوم. إذا تمكّن الباحثون من العثور على دلائل إضافية تدعم هذه النظرية، فإن الطينات قد تصبح الهدف الرئيسي للبعثات المستقبلية إلى المريخ. من خلال دراسة هذه الطينات، يمكن للعلماء تحديد مدى قدرة الصخور المريخية على احتجاز الكربون واستكشاف كيفية تطور المناخ المريخي بمرور الزمن.

ما هي الخطوة التالية؟

 

من أجل اختبار هذه الفرضية، يجب على الباحثين جمع المزيد من البيانات حول تركيب الطينات المريخية ومواقعها على السطح. المركبات الروبوتية مثل مركبة “بيرسيفيرنس” الحالية يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في هذا الجانب، من خلال تحليل العينات التي يتم جمعها من التربة والصخور المريخية. كما أن استخدام تكنولوجيا الاستشعار عن بعد قد يساعد في تحديد مواقع تركيز الطينات وتقدير كميات الكربون المحتجزة فيها.

نحو فهم أعمق لتاريخ المريخ

 

إن حل لغز الطينات المريخية وتأثيرها على الغلاف الجوي قد يساعد العلماء في فهم كيفية تطور مناخ الكواكب الصخرية الأخرى، مثل كوكب الزهرة أو حتى الكواكب خارج نظامنا الشمسي. إذا كانت التفاعلات الكيميائية التي تُحول ثاني أكسيد الكربون إلى طين تحدث بشكل مشابه على كواكب أخرى، فقد يكون لهذا الاكتشاف تأثير كبير على فهمنا لكيفية تحول البيئات الكوكبية بمرور الوقت.

الطين كمفتاح لحل لغز المناخ المريخي

 

في النهاية، قد يكون تكوين الطينات على المريخ هو المفتاح لفهم سبب تغير مناخ الكوكب الأحمر من بيئة رطبة ودافئة إلى صحراء باردة وجافة. إذا أمكن للعلماء التحقق من صحة هذه الفرضية، فإن ذلك سيشكل قفزة نوعية في فهمنا لتطور الكواكب وكيفية تأثير العمليات الجيولوجية على مناخاتها. ومع استمرار الأبحاث، قد نكون على أعتاب حل واحد من أكبر الألغاز في تاريخ المريخ.

كيف تشكل المريخ الأحمر: دور التفاعلات الكيميائية بين المياه والأوليفين

 

على مدى ما يقارب مليار سنة، كانت المياه تتدفق ببطء عبر قشرة كوكب المريخ، مما أدى إلى سلسلة من التفاعلات الكيميائية المعقدة مع معدن الأوليفين الموجود في الصخور السطحية. يتميز الأوليفين بكونه غنيًا بنوع مخفض من الحديد، وعند تفاعله مع المياه، كانت جزيئات الأكسجين في الماء ترتبط بالحديد، مما يؤدي إلى أكسدة الحديد وتحرير الهيدروجين كنتيجة طبيعية لهذا التفاعل. هذا الهيدروجين الحر، بدوره، كان يتحد مع ثاني أكسيد الكربون المذاب في الماء، ليُنتج الميثان، وهو غاز يُعتبر أكثر استقرارًا ويمكن تخزينه في التربة لآلاف السنين.

كيف اكتسب المريخ لونه الأحمر المميز؟

 

كانت التفاعلات الكيميائية بين الأكسجين والمياه والحديد هي السبب الرئيسي وراء اللون الأحمر الأيقوني للمريخ. عندما ارتبط الأكسجين بالحديد الموجود في معدن الأوليفين، تشكل أكسيد الحديد الأحمر، المعروف بالصدأ، والذي يمنح المريخ لونه المميز. هذه التفاعلات لم تكن مجرد عمليات سطحية، بل أثرت بشكل عميق في تركيبة الصخور على مدى مليارات السنين، مما أدى إلى تحويل الأوليفين إلى نوع آخر من الصخور الغنية بالحديد يُعرف باسم السربنتين.

تحول الصخور إلى طينات غنية بالكربون

 

مع استمرار تفاعل السربنتين مع المياه المشبعة بثاني أكسيد الكربون، تحولت هذه الصخور تدريجيًا إلى معادن طينية مثل السميكتايت. يعتبر السميكتايت معدنًا طينيًا قادرًا على تخزين كميات كبيرة من الكربون داخل بنيته البلورية، مما يجعله فخًا طبيعياً لاحتجاز الغازات. ويقول موراي، الباحث الرئيسي في الدراسة: “هذه الطينات السميكتايت لديها قدرة هائلة على تخزين الكربون. لذا، استخدمنا المعرفة الحالية حول كيفية تخزين هذه المعادن للكربون في الطينات على الأرض، وتوقعنا كمية الميثان التي يمكن تخزينها في تلك الطينات على سطح المريخ”.

التقديرات الأولية: كم يمكن للطين أن يخزن من الغلاف الجوي؟

 

قام الفريق البحثي، بقيادة موراي وجاجوتز، بحساب مدى قدرة السميكتايت المريخي على تخزين الكربون. وجدوا أنه إذا كان المريخ مغطى بطبقة من الطين بعمق 1,100 متر، فإن هذه الكمية من الطين يمكن أن تحتوي على كميات هائلة من الميثان، تعادل تقريبًا كمية ثاني أكسيد الكربون التي يُعتقد أنها اختفت من الغلاف الجوي للمريخ عندما جف الكوكب وتحول إلى صحراء باردة.

الغلاف الجوي المفقود: مخبأ داخل الطين؟

 

يرى الباحثون أن السميكتايت يمكن أن يكون قد احتجز كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون الأولي للمريخ كمواد عضوية داخل القشرة الغنية بالطين. يقول موراي: “نجد أن تقديرات أحجام الطين العالمية على المريخ تتوافق مع نسبة كبيرة من ثاني أكسيد الكربون الأولي للمريخ المحتجز كمواد عضوية داخل القشرة الغنية بالطين. بطرق معينة، يمكن أن يكون الغلاف الجوي المفقود للمريخ مختبئًا في العلن”. هذه النتائج تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الغلاف الجوي المريخي الذي يُعتقد أنه قد تبخر واختفى قد يكون في الواقع محبوسًا داخل طبقات الطين السميكة التي تغطي مساحات واسعة من سطح الكوكب.

ما هو المستقبل: هل يمكن استعادة هذا الكربون؟

 

إذا كان هذا السيناريو صحيحًا، فإن الطين المريخي ليس مجرد دليل على تاريخ الكوكب، بل يمكن أن يصبح مصدرًا محتملاً للكربون في المستقبل. هذه الطينات التي تختزن كميات هائلة من الميثان وثاني أكسيد الكربون قد توفر موارد طاقة محتملة للبعثات المستقبلية إلى المريخ. من الممكن أن يتم استعادة هذا الكربون واستخدامه في دعم الحياة على الكوكب، سواء من خلال تحويله إلى وقود أو استخدامه في بناء بيئات صالحة للسكن.

أهمية الدراسة: إعادة التفكير في تاريخ المريخ

 

تكشف هذه الدراسة أن فهم تاريخ الغلاف الجوي للمريخ يتطلب التفكير خارج نطاق الفرضيات التقليدية. إذا كانت الطينات المريخية قادرة على تخزين كميات كبيرة من الكربون على مدى فترات زمنية طويلة، فإن ذلك يغير من تصورنا حول كيفية تحول المريخ من كوكب غني بالمياه والغازات إلى صحراء باردة ومقفرة. هذه النتائج قد تدفع العلماء إلى إعادة النظر في تاريخ مناخ المريخ وتقدير دور التفاعلات الكيميائية في تشكيل الغلاف الجوي. في نهاية المطاف، يمكن أن يكون سر الغلاف الجوي المفقود للمريخ مخبأً في العلن، داخل

الاكثر مشاهدة

تم نسخ الرابط