سباق تسلح نووي جديد يهدد العالم: القوى الكبرى تعيد تشكيل ترساناتها
الترسانات النووية القديمة تعود للواجهة وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية
الأسلحة النووية تعود للواجهة: تحديث الترسانات النووية وتباطؤ نزع السلاح يثيران تحذيرات من سباق تسلح نووي جديد تقوده روسيا وأمريكا والصين وسط اضطرابات عالمية.
في خضم الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، تحذر التقارير من تصاعد سباق تسلح نووي جديد مع سعي القوى الكبرى إلى تحديث ترساناتها الاستراتيجية والتكتيكية. تقود الولايات المتحدة وروسيا، اللتان تمتلكان أكثر من 90% من الأسلحة النووية العالمية، هذا التحول الذي يهدد بإنهاء عصر التراجع النووي الذي بدأ منذ الثمانينيات. وتُظهر الصين تطورًا سريعًا في قدراتها، بينما تسير دول مثل بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل على نفس النهج. مع تباطؤ جهود نزع السلاح وتفكك بعض المعاهدات مثل "نيو ستارت"، تبدو المعادلة النووية في منحنى تصاعدي، يزيد من خطورة النزاع في حال عدم تداركه بجهد دبلوماسي عاجل.

الدول الكبرى تتجه إلى تحديث شامل لترساناتها النووية
رغم التراجع النسبي في أعداد الرؤوس النووية منذ ذروة الحرب الباردة، تشهد القوى النووية الكبرى اليوم عودة إلى تطوير الأسلحة. تقرير حديث لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) كشف أن معظم الدول النووية، وعلى رأسها روسيا، الولايات المتحدة، والصين، تقوم بتحديث بنيتها النووية وتوسيع مخزونها.
روسيا علّقت مشاركتها في معاهدة "نيو ستارت" في 2023 على خلفية الحرب في أوكرانيا، وواصلت تطوير صواريخها الاستراتيجية. بينما ترفض الولايات المتحدة تجديد الاتفاق دون تضمين الصين، التي تسعى لتوسيع ترسانتها من خلال بناء أكثر من 300 منصة إطلاق جديدة.
نهاية عصر نزع السلاح النووي: المعاهدات تفقد فاعليتها
منذ معاهدة عدم الانتشار (NPT) في 1968 حتى معاهدة "نيو ستارت" في 2010، سعت الدول الكبرى لتقليص أعداد الأسلحة النووية تدريجيًا. وقد انخفض عدد الرؤوس من 70,300 في عام 1986 إلى نحو 12,241 في بداية 2025. لكن هذه الديناميكية بدأت في الانعكاس، وفق تقرير SIPRI، الذي حذّر من أن معدلات التفكيك لم تعد تواكب إدخال رؤوس جديدة.
معاهدة "نيو ستارت"، التي تحدد عدد الرؤوس القابلة للنشر بـ1550 رأسًا لكل من روسيا والولايات المتحدة، ستنتهي في فبراير 2026. وحتى الآن، لا تلوح في الأفق مؤشرات على اتفاق بديل، ما يزيد احتمالية التصعيد.
الصين في سباق اللحاق: ترسانة نووية تتضاعف
الصين، التي طالما اتبعت سياسة امتلاك ترسانة نووية محدودة، غيرت استراتيجيتها بشكل جذري منذ عام 2020. تشير التقديرات إلى امتلاكها نحو 600 رأس نووي، مع إمكانية مضاعفة هذا العدد خلال السنوات المقبلة. كما بنت أكثر من 300 منصة إطلاق لصواريخ باليستية عابرة للقارات، مما يضعها في موقع تنافسي مع روسيا والولايات المتحدة بحلول نهاية العقد.
إسرائيل وفرنسا وبريطانيا... تحديثات خفية لكنها فعالة
رغم الغموض الإسرائيلي، يقدّر الخبراء أن تل أبيب تمتلك ما يصل إلى 90 رأسًا نوويًا. وتُظهر بيانات من معهد العلوم والأمن الدولي أن إسرائيل تُحدث أنظمة إطلاقها وتطوّر موقع ديمونا سريًا.
من جهتها، تعمل فرنسا على تطوير رأس حربي جديد لصواريخها من نوع M51، بينما تزيد بريطانيا إنفاقها الدفاعي النووي رغم الالتزام الشكلي بمعاهدة NPT.
الأسلحة التكتيكية: قوة مدمرة بحدود "محدودة"
السلاح النووي لم يعد فقط مرادفًا لـ"نهاية العالم". فقد تحوّلت بعض الترسانات إلى تطوير أسلحة تكتيكية ذات قدرة تفجيرية منخفضة تتراوح بين 0.3 و10 كيلوطن، مقارنة بقنبلة هيروشيما (15 كيلوطن). تمتلك الولايات المتحدة قنابل B61 بإنتاج متغير، بينما تطوّر روسيا نماذج متقدمة تُركّز على الدقة العالية.
رغم انخفاض القوة، إلا أن خطورة هذه الأسلحة تكمن في تقليل "العتبة النووية"، أي رفع احتمال استخدامها فعليًا في النزاعات المحدودة.

تطور القوة التدميرية للأسلحة النووية: من هيروشيما إلى الرؤوس الذكية
منذ أن ألقت الولايات المتحدة قنبلتها الذرية الأولى على مدينة هيروشيما عام 1945، والتي بلغت قوتها 15 كيلوطن، تغيّر مفهوم الدمار النووي بشكل جذري. في البداية، كانت الأسلحة النووية تُقاس فقط بحجم انفجارها، ومع الوقت بدأت الدول تطوّر قنابل ذات قدرة تفجيرية أكبر بكثير. قنبلة ناغازاكي بعد أيام قليلة كانت بقوة 20 كيلوطن، لكن هذه القدرات تضاعفت بسرعة خلال العقود التالية.
بحلول الستينيات، اختبرت روسيا السلاح الأضخم في التاريخ، "تسار بومبا"، بقوة 50 ميغاطن، أي ما يعادل 3,300 ضعف قنبلة هيروشيما. رغم أن تلك القنبلة لم تُصمم للاستخدام العملي، فقد شكّلت علامة فارقة في سباق القوة التدميرية. ومع مرور الزمن، تغيّرت الاستراتيجية من "القوة القصوى" إلى "الدقة القصوى".
اليوم، تتراوح قوة الأسلحة النووية بين 0.3 كيلوطن (الأسلحة التكتيكية الصغيرة) إلى حوالي 170 كيلوطن (الأسلحة الاستراتيجية)، وفقًا لـ Arms Control Association. على سبيل المثال، رأس W76 المستخدم في صواريخ ترايدنت الأمريكية يمتلك قدرة تدميرية تصل إلى 100 كيلوطن، في حين أن القنبلة B61 تمتلك إنتاجًا متغيرًا يمكن ضبطه من 0.3 كيلوطن إلى أكثر من 50 كيلوطن حسب المهمة.
هذا التغيير لم يعكس فقط تطورًا في التكنولوجيا، بل في فلسفة الاستخدام أيضًا. فبدلًا من تهديد شامل بالدمار المتبادل، تركز الدول اليوم على تطوير أسلحة قابلة للاستخدام في ساحة المعركة، ما يعرف بـ "الأسلحة التكتيكية". هذه الأسلحة أقل تدميرًا نظريًا، لكنها أكثر خطورة سياسيًا لأنها تجعل قرار استخدامها أسهل.
باختصار، تطورت الأسلحة النووية من أدوات دمار شامل إلى أدوات ردع دقيقة وقابلة للتخصيص، مما يزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية الحالية ويعيد طرح الأسئلة الأخلاقية والوجودية التي طرحها العالم لأول مرة بعد هيروشيما.
التوزيع العالمي للرؤوس النووية (يناير 2025)
تشير بيانات اتحاد العلماء الأمريكيين إلى أن الدول النووية تمتلك ما مجموعه 12,241 رأسًا نوويًا، توزّع كما يلي:
روسيا: 5,459
الولايات المتحدة: 5,177
الصين: 600
فرنسا: 290
المملكة المتحدة: 225
باكستان: 170
الهند: 180
إسرائيل: 90
كوريا الشمالية: 50
من هذه الرؤوس، هناك 3,912 رأسًا جاهزة للنشر الفوري، ونحو 2,100 رأس على درجة تأهب قصوى.
هل يشهد العالم ولادة سباق نووي جديد؟
التقارير الحديثة لا تترك مجالًا للشك: سباق التسلح النووي يعود، بوتيرة متسارعة وتحت ظروف أكثر هشاشة من فترة الحرب الباردة. في ظل غياب التفاهمات، وتآكل المعاهدات، وتنامي الطموح النووي في الشرق والغرب، يبقى العالم أمام مفترق طرق. إما استعادة منظومة الردع المتوازن عبر اتفاقات جديدة، أو الغرق في سباق تسلح لا أحد يعرف نهايته.




