نموذج جديد للتنبؤ بسلالات كورونا عبر تحليل سلوك الخفافيش
دراسة حديثة تكشف كيف يمكن لسلوك الخفافيش والتغيرات البيئية أن يصبحا أداة لتنبؤ ظهور سلالات كورونا المستقبلية
من عينات فضلات الخفافيش إلى تنبؤات مستقبلية دقيقة بسلالات كورونا... العلم يقترب من الوقاية بدل الرد
اعتمد باحثون في جامعة سيدني على تحليل سلوك الخفافيش والتغيرات الموسمية والبيئية لتطوير نموذج تنبؤي جديد يرصد نشأة سلالات فيروس كورونا قبل انتقالها للبشر. ركّزت الدراسة على فترات العدوى المتزامنة لدى صغار الخفافيش، والتي تهيّئ لإعادة التركيب الفيروسي، ما يمهّد لظهور سلالات جديدة. النتائج تفتح آفاقًا لأدوات استباقية أكثر دقة، تساعد في الوقاية من أوبئة مستقبلية، قبل أن تتحول إلى تهديد عالمي.

البحث في فيروسات الخفافيش يقدم نموذجًا للتنبؤ بظهور سلالات كورونا المستقبلية
في إطار الجهود العلمية المستمرة لفهم نشأة وتطور الفيروسات التاجية، توصل باحثون من جامعة سيدني إلى نتائج مهمة حول كيفية نشوء سلالات جديدة من فيروس كورونا في الخفافيش. الدراسة المنشورة في مجلة Nature Communications قدّمت نموذجًا تحليليًا جديدًا يربط بين السلوك البيئي للخفافيش وتوقيت ظهور سلالات فيروسية جديدة. هذا النموذج يمكّن العلماء من التنبؤ المسبق بمخاطر انتقال هذه الفيروسات إلى الإنسان، مما يشكل أداة حيوية للوقاية من أوبئة مستقبلية محتملة.
تأثير التغير البيئي على انتقال فيروسات الخفافيش إلى البشر
رغم أن الخفافيش لا تشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان في الظروف الطبيعية، إلا أن تدهور المواطن البيئية يدفع هذه الكائنات إلى الاقتراب من التجمعات السكانية. هذا القرب يزيد من احتمال حدوث ما يعرف بالانسكاب الفيروسي (spillover)، أي انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان عبر مضيف وسيط. وأشار الباحثون إلى أن معظم فيروسات كورونا في الخفافيش ليست معدية للبشر، لكن عندما تتوفر الظروف البيئية المناسبة، كما حدث في أوبئة سابقة مثل سارس وكوفيد-19، فإن الخطر يصبح ملموسًا.
دور صغار الخفافيش في نشوء السلالات الجديدة من فيروس كورونا
أظهرت الدراسة أن صغار الخفافيش، خصوصًا خلال فترات الفطام والبلوغ بين مارس ويوليو، أكثر عرضة للإصابة بعدة أنواع من فيروسات كورونا في آنٍ واحد. هذا التزامن في العدوى يُعرف باسم co-infection، وهو أمر يُعد محفزًا طبيعيًا لإعادة التركيب الجيني وظهور سلالات جديدة. وعلقت الدكتورة أليسون بيل، قائدة فريق البحث من كلية العلوم البيطرية بجامعة سيدني، بأن هذه النتائج كانت مفاجئة، خاصة معدلات العدوى المزدوجة لدى الخفافيش الصغيرة، والتي تخلق بيئة خلوية مناسبة لتداخل الفيروسات وتطوّرها.
جمع بيانات دقيقة حول فيروسات كورونا في الخفافيش على مدى ثلاث سنوات
استند الباحثون إلى أكثر من 2500 عينة من فضلات الخفافيش تم جمعها من خمسة مواقع مختلفة على الساحل الشرقي لأستراليا خلال فترة ثلاث سنوات. وتم التركيز على نوعين من الخفافيش هما الثعلب الطائر الأسود والثعلب الطائر رمادي الرأس. باستخدام تقنيات متقدمة لتحليل الجينوم، استطاع الفريق تتبع العدوى على مستوى الحيوان الفردي، وهو أمر نادر في الدراسات الفيروسية. ووفقًا للدكتور جون-سيباستيان إيدن من معهد ويستميد، فإن هذا النهج يقدم نموذجًا رائدًا في دراسة تطور الفيروسات داخل المجتمعات البرية.
سلالات nobecoviruses: غير معدية لكنها تكشف تطور فيروسات كورونا الخطيرة
توصل الباحثون إلى تحديد ستة أنواع من فيروسات كورونا من فئة nobecoviruses، ثلاث منها تُكتشف للمرة الأولى. ورغم أن هذه الفيروسات لا تنتقل إلى البشر، إلا أن قربها التطوري من فئة sarbecoviruses التي تضم فيروسات سارس وكوفيد-19 يجعل دراستها ضرورية. فهم كيفية تطور هذه السلالات يساعد العلماء في رسم خريطة التهديدات المحتملة والتعامل مع نشوء أنواع أكثر عدوى في المستقبل.

التوتر البيئي يضعف مناعة الخفافيش ويزيد قابلية العدوى
أظهرت النتائج أن المناعة الضعيفة لدى صغار الخفافيش، سواء بسبب عدم اكتمال الجهاز المناعي أو التوتر الناتج عن البلوغ والتكاثر، تُعد عاملاً مساهمًا في قابلية الإصابة بعدة أنواع فيروسية. وأكدت الدكتورة بيل أن هذه الظواهر تتفاقم عندما تتعرض الخفافيش لضغط بيئي مثل فقدان المواطن الطبيعية أو نقص الغذاء، وهو ما ثبت في دراسات سابقة عن فيروسات مثل هندرا، حيث يرتبط التدهور البيئي بشكل مباشر بزيادة خطر انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر.
مشروع بحثي طويل الأمد يبني قاعدة بيانات للتنبؤ بأوبئة مستقبلية
بدأ هذا المشروع في عام 2020 بالتوازي مع انتشار جائحة كوفيد-19، مستندًا إلى خبرات سابقة في دراسة فيروس هندرا. اليوم، وبعد جمع بيانات مكثفة على مدى سنوات، يرى فريق جامعة سيدني أن هذه القاعدة المعلوماتية الغنية تُعد من أندر ما تم إنجازه حتى في الأبحاث المتعلقة بالفيروسات البشرية. ومن خلال تتبع تطور الفيروسات في بيئاتها الطبيعية، يتمكّن الباحثون من فهم العوامل البيئية والموسمية التي تهيئ لظهور سلالات جديدة.
نحو أدوات استباقية لرصد سلالات كورونا الجديدة قبل انتقالها للبشر
تمثل هذه الدراسة خطوة متقدمة في بناء أدوات تنبؤية تتيح للعلماء تتبع نشأة وتطور سلالات كورونا في البرية قبل أن تتحول إلى تهديد صحي عالمي. الجمع بين المعلومات البيئية والسلوكية والتحليلات الجينومية الدقيقة يمهّد الطريق لفهم أعمق لعلاقات الانتقال الفيروسي بين الأنواع، ويمكّن صناع القرار الصحي من تطوير استراتيجيات وقائية مبكرة أكثر فعالية.




