الدكتور محمد وسام: الشريعة تهذب الضمير وتصنع إنسانًا ربانيًا
رحلة الضمير بين إشراقات الوحي وتزكية النفس في ضوء الشريعة الإسلامية
هل يمكن أن يُصبح الإنسان ربانيًا في زمن الصراعات؟ أمين الفتوى بدار الإفتاء يكشف عن دور الشريعة الإسلامية في تزكية الضمير، ويوضح كيف يكون الذكر والتفكر بوابة ليقظة القلب، وكيف تؤسس الشريعة وعياً روحيًا يجعل المسلم حارسًا للأخلاق لا يحتاج رقيبًا إلا الله.
في حوارٍ يفيض بالمعاني الروحية العميقة، تحدث الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن فلسفة الشريعة الإسلامية في تهذيب الضمير الإنساني وتزكيته حتى يغدو الإنسان ربانيًا يتعامل بإحسان وإن لم يره أحد. الشريعة، وفقًا لما أوضح، تخاطب أعماق النفس وتغرس فيها مراقبة الله، فيرتقي الإنسان في مدارج القيم. أكد أن يقظة الضمير لا تأتي فجأة بل تُكتسب بالتدرج عبر الذكر والفكر ومجاهدة النفس، مشددًا على أن غياب الضمير يهدد المجتمعات والدول. كيف نحيي الضمير؟ وكيف ندربه؟ يجيب أمين الفتوى في رحلة فكرية وروحية ماتعة تجمع بين الفقه والأخلاق.

الشريعة الإسلامية تهذب الضمير وتصنع الإنسان الرباني
أكد الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الشريعة الإسلامية تخاطب الإنسان في ضميره أولًا، وتنير داخله بنور الله والوحي، ليرتقي إلى مقام الإنسان الرباني، ذاك الذي يحمل في قلبه وعيًا عميقًا بأسئلة الوجود: من أين أتى؟ ولماذا هو هنا؟ وإلى أين المصير؟
فالشرائع لم تأتِ فقط لتنظم المعاملات، بل لتبني إنسانًا يتعامل مع الله قبل أن يتعامل مع الناس. الإنسان الرباني هو من يرى في الخير واجبًا ذاتيًا، وفي الشر قبحًا فطريًا، حتى إن لم يره أحد.
متى يكون الضمير حيًا؟.. التعامل مع الله لا مع البشر
يظهر الضمير الحي في أنقى صوره عندما يصدر من الإنسان فعل الخير في السر، فيُحسن، ويصبر، ويغفر، ويبتغي بذلك وجه الله وحده، لا مدح الناس أو رياءهم.
الشريعة جاءت لتعزز هذا النوع من الوعي، حيث أن 97٪ من نصوصها مرتبطة بالإيمان بالغيب وعلاقته بالأخلاق. الإنسان المتصل بالله يحرص على مواضع رضاه، ويتجنب مواطن الظلم، ويرعى حق الغير، ويصبح أكثر شفافية ومحاسبة لنفسه.
غياب الضمير يهدد المجتمعات ويقوض المبادئ
شدد الدكتور وسام على أن غياب الضمير لا يؤثر في الفرد فقط، بل يهز كيان المجتمع والدولة. ففي زمن تتصارع فيه السياسات والمصالح، لا بد من وجود حارس أخلاقي داخلي، يحفظ المبادئ من السقوط، ويمنع انزلاق القيم نحو الانتهازية.
وأشار إلى أن مصر نموذج يحتذى، بثبات مواقفها ورفضها لأي ضغوط تمس ثوابتها الوطنية أو العربية أو الإسلامية، مؤكداً أن هذه المواقف تنبع من ضمير حيٍّ جماعيٍّ راسخ.
الضمير اليقظ.. كيف يُصنع؟ وما وسائله؟
طرح أمين الفتوى سؤالاً محوريًا: كيف يدرب الإنسان ضميره؟، وأجاب: بالإكثار من الذكر، والمداومة على العبادات، واستحضار معية الله في كل وقت. فالحضور الإلهي في الذهن يُوقظ القلب، ويجعل الإنسان حيًا في وجدانه، منتبهًا في سلوكه.
وقد كان مشايخنا يقولون: “حاضر ناظر يا إخواني”، أي أن الله معنا ويرانا، وهذا كفيل بردع النفس عن الخطأ.

الذكر والتفكر مفتاحا يقظة القلب والضمير
أوضح الدكتور وسام أن الجمع بين الذكر والفكر هو مفتاح يقظة الضمير، مستشهدًا بقول الله تعالى: “ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، حيث يجتمع الذكر مع التأمل ليربي الإنسان على حضور دائم مع الله.
وكلما ازداد اللسان ذكرًا، ازداد القلب حضورًا، ومن هنا يتولد الواعظ الداخلي، الذي يذكر الإنسان بالصواب ويمنعه من الخطأ.
ميزان يقظة الضمير.. ماذا تفعل لو كنت تحت الأنظار؟
قدم وسام مقياسًا بسيطًا لكنه بالغ الأثر لقياس يقظة الضمير: هل ستقوم بالفعل ذاته لو علمت أن الناس يرونك؟ وهل يطمئن قلبك إليه؟
فإن حاك في النفس وتمنيت ألا يطلع عليه أحد، فهو إثم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
إن هذا المعيار الذهني الدقيق يجعل من الضمير الحيّ رقيبًا أمينًا على أفعالنا، حتى في غياب الرقيب الخارجي.
الضمير لا يُولد فجأة.. بل يُربى بالمجاهدة والصحبة الصالحة
اختتم الدكتور محمد وسام حديثه بالتأكيد على أن الضمير الحي لا يُخلق دفعة واحدة، بل هو ثمرة مجاهدة النفس، وكثرة الذكر، وحسن التربية، ومصاحبة الصالحين.
وأن حضور القلب مع الله هو الهدف الأسمى، وهو ما يبني شخصية ربانية تعرف قيمة العدل وتحفظ حقوق الغير وتكره الظلم.
فالضمير الرباني ليس حالة شعورية فقط، بل مشروع تربية مستمرة تبدأ من النية وتنتهي بالسلوك الراشد.




