رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:46 م calendar السبت 18 يوليو 2026

من الطبيعة إلى التقنية: فطريات المشروم تقود ثورة الإلكترونيات الحيوية

شبكات الفطريات تمهد الطريق نحو حوسبة شبيهة بالدماغ مع دقة عالية واستهلاك منخفض للطاقة

هل يمكن للمشروم أن
هل يمكن للمشروم أن يحل مكان الرقائق الإلكترونية؟ - illustration

    ملخص

    ما كان مجرد فطر مأكول أصبح اليوم محور ثورة في الإلكترونيات الحيوية؛ إذ تُظهر التجارب أن فطريات المشروم قادرة على بناء ممريستور طبيعي ذكي.
    في دراسة مبتكرة نُشرت في PLOS One، قدّم باحثون من جامعة ولاية أوهايو دليلاً على أن فطريات المشروم يمكن أن تتحول إلى ممريستور عضوي قادر على حفظ الحالات الكهربائية السابقة. هذا الاكتشاف يعزز توجه الإلكترونيات الحيوية نحو صناعة مكونات حوسبة قابلة للتحلل، تقلل النفايات وتستهلك طاقة أقل من أشباه الموصلات التقليدية. التجارب أظهرت أن المشروم يحاكي عمل الذاكرة العصبية بدقة تقارب 90%، ما يفتح آفاقًا لتطبيقات في الحوسبة العصبية والأجهزة الذكية المستدامة.

    شبكات الفطريات: مستقبل الحوسبة العضوية الصديقة للبيئة
    الابتكار الأخضر: فطريات المشروم تحل محل الرقائق الإلكترونية التقليدية - illustration

    شبكات الفطريات تمهد لذاكرة حاسوبية عضوية صديقة للبيئة

     

    تُظهر دراسة جديدة أن شبكات الفطريات قد تصبح بديلًا محتملًا للمكوّنات المعدنية الدقيقة التي تعالج بيانات الحواسيب وتخزنها. العمل البحثي، الذي قاده فريق من جامعة ولاية أوهايو (The Ohio State University)، يبرهن أن أصنافًا مأكولة من المشروم يمكن توجيهها للعمل كعناصر ذاكرة عضوية تحتفظ بسجل من الحالات الكهربائية السابقة. وقد نُشرت النتائج في PLOS One، ضمن مسار متنامٍ للإلكترونيات الحيوية التي تمزج البيولوجيا بالتقنية لصناعة مواد حوسبة مبتكرة وقابلة للاستدامة.

    من المزرعة إلى دائرة إلكترونية فعّالة

     

    الفكرة الجوهرية بسيطة وجريئة: تحويل فطريات مأكولة مثل الشيتاكي إلى ممريستور عضوي قادر على تذكّر الإشارات. الممريستور هو مكوّن يشبه خلية ذاكرة، يحتفظ بمعلومة عن الحالة الكهربائية التي مرّ بها. تجارب الفريق أوضحت أن الأجهزة المعتمدة على المشروم أعادت إنتاج سلوك ذاكرة مشابه لما يحدث في شرائح أشباه الموصلات، ما يفتح نافذة نحو أدوات حوسبة شبيهة بالدماغ تُصنع بتكلفة أقل وببصمة بيئية أخف.

    طاقة أقل واستفادة أعلى

     

    يقول جون لاروكو (John LaRocco)، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث العلمي في الطب النفسي بكلية الطب بجامعة ولاية أوهايو، إن القدرة على تطوير رقائق تحاكي نشاطًا عصبيًا فعليًا تعني أنك لا تحتاج إلى قدر كبير من الطاقة في وضع الاستعداد أو عندما لا يكون الجهاز قيد الاستخدام. ويضيف أن ذلك قد يمثل أفضلية حسابية واقتصادية معتبرة. ويوضح لاروكو أن الإلكترونيات الفطرية ليست فكرة وليدة اليوم، لكنها أصبحت أكثر عملية مع الاهتمام المتزايد بالحلول المستدامة وخفض النفايات الإلكترونية.

    كيف تخزن الفطريات البيانات في الحوسبة العضوية؟
    الحوسبة الشبيهة بالدماغ باستخدام المشروم - illustration

    لماذا الفطريات مرشحة للحوسبة الخضراء؟

     

    الفطريات مادة قابلة للتحلل الحيوي ويمكن إنتاجها بكلفة منخفضة، ما يجعلها خيارًا مساعدًا في الحد من المخلفات الإلكترونية. وعلى النقيض، تعتمد المكوّنات التقليدية في صناعة أشباه الموصلات على معادن نادرة وتتطلب طاقة كبيرة للتصنيع والتشغيل. ويشير الفريق إلى أن العمل الحالي يدفع أحد الأنظمة الممريستورية الفطرية إلى حدوده القصوى، في محاولة لاختبار ما إذا كانت هذه المواد الحية قادرة على تلبية متطلبات الحوسبة العملية.

    كيف حوّل الباحثون المشروم إلى ذاكرة؟

     

    زرع الفريق عينات من فطر الشيتاكي وفطر الأزرار، ثم جُففت بعد نضجها للحفاظ على بنيتها، ووُصلت بدوائر إلكترونية مخصّصة. خضعت العينات لتيارات كهربائية مضبوطة عند جهود وترددات متعددة، مع تثبيت أسلاك ومجسّات في نقاط مختلفة من جسم الفطر، لأن الخصائص الكهربائية تتباين بين أجزائه. يوضح لاروكو أن الأداء كان يتغير حسب الجهد وطريقة التوصيل، وهو ما أتاح معايرة الاستجابة وقراءة سلوك الذاكرة بدقة في هذه العناصر العضوية.

    أرقام أداء لافتة بخصائص شبيهة بالدماغ

     

    على مدى شهرين من الاختبارات، أظهر ممريستور المشروم أنه قادر على التحول بين حالات كهربائية مختلفة بمعدل يصل إلى 5,850 مرة في الثانية، مع دقة تقارب 90 في المئة. وعند رفع تردد الإشارة انخفض الأداء، لكن ربط عدة فطرات معًا أعاد الاستقرار إلى المنظومة، في مشهد يذكّر بتقوية الروابط العصبية عندما تتكامل العقد في الشبكات البيولوجية. هذه النتيجة تمنح منهج الحوسبة الشبيهة بالدماغ دفعة إضافية، إذ يبدو أن التنوع البنيوي داخل الفطريات يمكن أن يصبح ميزة وظيفية لا عائقًا.

    آفاق استخدام من الأطراف إلى الفضاء

     

    تقول قدسية تهمينا (Qudsia Tahmina)، الباحثة المشاركة وأستاذة الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في جامعة ولاية أوهايو، إن النتائج تُبرز مدى سهولة تكييف المشروم مع متطلبات الحوسبة. وتشير إلى أن وعي المجتمع بضرورة حماية البيئة قد يكون من العوامل الدافعة وراء تبنّي أفكار صديقة للطبيعة مثل هذه. وترى أن المرونة التي يتيحها المشروم تفتح الباب أمام توسيع النطاق: فالنُّظم الأكبر قد تكون مفيدة في الحوسبة الطرفية (edge computing) واستكشاف الفضاء الجوي، بينما قد تُستخدم الأنظمة الأصغر لتعزيز أداء المنظومات الذاتية والأجهزة القابلة للارتداء. وبذلك يتحول المشروم من مادة غذائية إلى ركيزة تقنية يمكن تصميمها بحسب الحاجة.

    خطوات تطويرية على الطريق

     

    رغم أن الممريستورات العضوية ما تزال في مراحلها الأولى، يطمح الباحثون إلى تحسين أساليب الزراعة وتصغير أحجام المكوّنات لرفع الكفاءة والاعتمادية. الوصول إلى عناصر فطرية أصغر وأكثر فاعلية سيكون عنصرًا حاسمًا لطرح بدائل واقعية للمكوّنات المعدنية الدقيقة. يقول لاروكو إن كل ما يلزم لاستكشاف الحوسبة المعتمدة على الفطريات قد يكون بسيطًا مثل كومة كومبوست وبعض الإلكترونيات المنزلية الصنع، أو كبيرًا بحجم منشأة استزراع مزوّدة بقوالب جاهزة، وكلها خيارات ممكنة بالإمكانات المتاحة حاليًا. وتلمّح هذه الرؤية إلى أن بنية الميكيليوم (mycelium) يمكن أن تتحوّل إلى وسيط حوسبي فعّال متى ما ضُبطت تغذيته واتصاله داخل دوائر مصممة خصيصًا.

    تم نسخ الرابط