تزايد صعوبات الذاكرة والتركيز بين البالغين الأميركيين: أزمة إدراكية جديدة
في تحول غير مسبوق، تظهر دراسة جديدة أن صعوبات الذاكرة والتركيز لم تعد تقتصر على كبار السن بل تضرب الفئات الشابة بقوة.
ملخص
من المواعيد المنسية إلى العجز عن اتخاذ القرارات، تزايد صعوبات الذاكرة والتركيز بين البالغين الأميركيين يسلّط الضوء على أزمة إدراكية متنامية تطال الفئات الشابة.
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Neurology التابعة للأكاديمية الأميركية لطب الأعصاب، رصد باحثون من جامعة ييل تزايدًا مقلقًا في صعوبات الذاكرة والتركيز بين البالغين الأميركيين، خصوصًا الفئات الأصغر من 40 عامًا. بتحليل أكثر من 4.5 مليون استبيان خلال عقد كامل، أظهرت النتائج أن العوامل الاجتماعية، والفقر، والتعليم المحدود، تلعب دورًا محوريًا في تفاقم الإعاقة الإدراكية. تكشف هذه البيانات عن اتجاه متصاعد يستدعي دراسة أعمق وتدخلاً سياسياً وصحيًا لمواجهة تدهور القدرات المعرفية لدى الجيل الشاب.

تزايد صعوبات الذاكرة والتركيز بين البالغين الأميركيين مع تفاقمها لدى من هم دون الأربعين
من قلق نسيان المواعيد إلى التردد في اتخاذ قرارات بسيطة، باتت الشكاوى من القدرة على التذكّر والتركيز حديثًا متكررًا في الولايات المتحدة. في دراسة نُشرت في Neurology، المجلة التابعة للأكاديمية الأميركية لطب الأعصاب، يقدّم فريق بحثي أدلة على أن هذه الصعوبات لم تعد محصورة بكبار السن، بل تمتد بسرعة بين البالغين الأصغر سنًا، ما يطرح سؤالًا ملحًا حول دور العوامل الاجتماعية والبنيوية في صحة الإدراك.
دراسة تتتبّع الاتجاهات لعقد كامل
قاد البحث آدم دي هافينون (Adam de Havenon)، الحاصل على درجتي MD وMS، من مدرسة الطب بجامعة ييل (Yale School of Medicine) في نيوهافن، كونيتيكت، وهو زميل الأكاديمية الأميركية لطب الأعصاب (American Academy of Neurology). يقول دي هافينون: "برزت تحديات الذاكرة والتفكير كقضية صحية رئيسية يُبلغ عنها البالغون في الولايات المتحدة. وتُظهر دراستنا أن هذه الصعوبات قد تصبح أكثر انتشارًا، خاصة بين البالغين الأصغر سنًا، وأن العوامل الاجتماعية والبنيوية تؤدي على الأرجح دورًا رئيسيًا".
منهجية واسعة النطاق تعتمد 4.5 مليون استبيان
حلّل الباحثون بيانات أكثر من 4.5 مليون استبيان سنوي جُمعت بين 2013 و2023. سُئل المشاركون: "بسبب حالة جسدية أو نفسية أو عاطفية، هل لديك صعوبة شديدة في التركيز أو التذكّر أو اتخاذ القرارات؟" صُنّف من أجابوا بـ"نعم" ضمن فئة الإعاقة الإدراكية. ولتفادي التحيز، استبعد الفريق ردود الأفراد الذين أبلغوا عن اكتئاب، كما استُبعدت بيانات عام 2020 نظرًا للأثر الفريد لجائحة كوفيد-19 على أنماط الإبلاغ.

أرقام تُظهر اتجاها تصاعديًا واضحًا
بين 2013 و2023، ارتفعت نسبة البالغين الذين أبلغوا عن إعاقة إدراكية من 5.3% إلى 7.4%. بدأ المنحنى بالارتفاع نحو 2016، وظهر التغيّر الأشد بين من تقل أعمارهم عن 40 عامًا، حيث تضاعفت النسبة تقريبًا من 5.1% إلى 9.7%. وعلى النقيض، سجّل البالغون بعمر 70 عامًا فأكثر تراجعًا طفيفًا من 7.3% إلى 6.6% خلال الفترة نفسها. يعلّق دي هافينون بأن المسح لا يقيس عجزًا إدراكيًا سريريًا بشكل مباشر، لكن ارتفاع معدلات الإبلاغ الذاتي بين الأصغر سنًا يشير إلى قضية صحة عامة آخذة في الظهور.
الفقر والتعليم يوسّعان الفجوة الإدراكية
تكشف البيانات دور العوامل الاقتصادية والتعليمية في هذه الاتجاهات. فبين من يقل دخلهم السنوي عن 35000 دولار ارتفعت المعدلات من 8.8% إلى 12.6%، بينما سجّل من تفوق دخولهم 75000 دولار زيادة متواضعة من 1.8% إلى 3.9%. وظهر الانقسام ذاته مع التعليم: ارتفعت النسب لدى من لم يحصلوا على شهادة الثانوية من 11.1% إلى 14.3%، مقابل ارتفاع من 2.1% إلى 3.6% بين خريجي الجامعات. يقول دي هافينون: "تشير النتائج إلى أننا نشهد أعلى الزيادات بين مَن يواجهون أصلًا معيقات بنيوية. علينا فهم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية ومعالجتها".
فروقات عرقية وإثنية تتّسع عبر الوقت
على الرغم من أن معظم المستجيبين بيض، فإن الصعوبات الإدراكية المبلّغ عنها زادت في معظم المجموعات. بلغ الأميركيون الأصليون وسكان ألاسكا الأصليون أعلى انتشار، من 7.5% إلى 11.2%. وارتفعت المعدلات بين ذوي الأصول اللاتينية من 6.8% إلى 9.9%، وبين السود من 7.3% إلى 8.2%، وبين البيض من 4.5% إلى 6.3%، وبين الآسيويين من 3.9% إلى 4.8%. هذا النمط ينسجم مع فكرة أن المخاطر الاجتماعية تتراكم لدى فئات بعينها، ما يفاقم أثرها على الإدراك اليومي.
لماذا يتأثر البالغون تحت الأربعين على نحو خاص؟
يرجّح الباحثون أننا أمام مجموعة أسباب متداخلة قد تشمل تغيّرات فعلية في صحة الدماغ، وزيادة الوعي والاستعداد للإبلاغ عن المشكلات، وعوامل صحية واجتماعية أخرى. "لكن بغض النظر عن الأسباب المحتملة، فالارتفاع حقيقي — وهو أوضح ما يكون بين من هم دون الأربعين"، يضيف دي هافينون، لافتًا إلى تبعات بعيدة المدى على الصحة والإنتاجية وسعة النظم الصحية.
قيود الدراسة وما تعنيه للقراءة النقدية
تعتمد النتائج على بيانات مُبلّغة ذاتيًا عبر استبيانات هاتفية، ما يعني احتمال عدم تذكّر جميع التفاصيل بدقة لدى بعض المشاركين. كما أن تعريف الإعاقة الإدراكية كان واسعًا، وقد يلتقط طيفًا من الخبرات لا يطابق تشخيصًا سريريًا محددًا. ومع ذلك، يقدّم هذا الرصد واسع النطاق إشارة إنذار مبكرة لصنّاع السياسات ومقدمي الرعاية بشأن اتجاه يحتاج إلى متابعة بحثية عاجلة.




