رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:48 م calendar السبت 18 يوليو 2026

الموجات الثقالية تكشف أدق تفاصيل الثقوب السوداء بعد اكتشاف GW250114 التاريخي

بعد عشر سنوات من أول اكتشاف للموجات الثقالية، تكشف دراسة GW250114 تفاصيل دقيقة وغير مسبوقة عن اندماج الثقوب السوداء

أقوى دليل على ثقب
أقوى دليل على ثقب أسود من نوع كير يظهر عبر الموجات الثقالية - illustration

    ملخص

    أحدثت تطورات كواشف الموجات الثقالية نقلة نوعية في قدرتنا على دراسة الثقوب السوداء، إذ باتت تحمل معلومات دقيقة تكشف تفاصيل لم يكن بالإمكان رصدها قبل سنوات قليلة. وفي اكتشاف لافت، أعلن تعاون LIGO-Virgo-KAGRA عن رصد الإشارة GW250114 التي تُعد أوضح اصطدام بين ثقبين أسودين حتى الآن. وقد مكّنت هذه الإشارة العلماء من قياس اهتزازات الثقب الأسود الناتج واختبار تنبؤات ستيفن هوكينغ المتعلقة بأفق الحدث. وتبيّن أن مساحة سطح الثقب الجديد لا تقل عن مساحة الثقبين الأصليين، ما يؤكد صحة قانون مساحة هوكينغ. كما تطابقت الاهتزازات المرصودة مع نموذج كير للثقوب السوداء الدوارة، وهو ما يُعد أقوى دليل تجريبي على دقة تنبؤات النسبية العامة. هذا الاكتشاف يمنح الباحثين نافذة غير مسبوقة لفهم بنية الزمكان وسلوك الثقوب السوداء.

    تحليل GW250114 يكشف اهتزازات الثقب الأسود ويتحقق من تنبؤات آينشتاين
    الموجات الثقالية تعيد تعريف فهمنا للثقوب السوداء  - illustration

    الموجات الثقالية تكشف من جديد أسرار الثقوب السوداء بعد عقد على أول اكتشاف

     

    منذ أعلن العلماء قبل عشر سنوات عن أول رصد للموجات الثقالية (gravitational waves) الناتجة عن اندماج ثقبين أسودين، تغيّرت نظرتنا للكون. فجأة أصبح بإمكان البشر "الاستماع" لارتجاف الزمكان نفسه بدل الاكتفاء بالنظر إلى الضوء القادم من النجوم والمجرات. ومع ذلك ظل كثير من تنبؤات الفيزياء المتعلقة بالثقوب السوداء بحاجة إلى اختبارات أدق وأكثر وضوحًا.

    لتسليط الضوء على هذه الأسئلة، عاد تعاون LIGO-Virgo-KAGRA، الذي يضم عالم الفلك ماكسيميليانو إيزي (Maximiliano Isi) من جامعة كولومبيا (Columbia University)، لتحليل اصطدام جديد بين ثقبين أسودين بدا شبيهًا جدًا بالحدث الأول التاريخي الذي نُشرت نتائجه في Physical Review Letters، لكنه هذه المرة أكثر نقاءً وتفصيلًا بنحو أربعة أضعاف بفضل تحسّن حساسية الكواشف. هذا الوضوح غير المسبوق أتاح للفريق اختبار بعض أهم التنبؤات حول الثقوب السوداء والموجات الثقالية.

    اصطدام أوضح بأربع مرات من أول موجة ثقالية

     

    يشير الباحثون إلى أن الإشارة الجديدة تشبه كثيرًا أول إشارة اندماج رُصدت قبل عقد، لكنها أوضح بشكل لافت بفضل التحديثات في كواشف LIGO في ولايتي واشنطن ولويزيانا، إلى جانب مساهمة شبكة Virgo وKAGRA. يصف إيزي هذا الحدث، المعروف باسم GW250114، بأنه "إشارة غير مسبوقة الوضوح لاندماج ثقبين أسودين تختبر بعضًا من أهم افتراضاتنا عن الثقوب السوداء والموجات الثقالية".

    هذا التحسن في الحساسية سمح للعلماء هذه المرة برؤية تفاصيل أدق في ما يحدث قبل لحظة الاندماج مباشرة وبعدها، أي في المرحلة التي تتكون فيها "الثقوب السوداء الجديدة" من بقايا الثقبين الأصليين. ومن خلال هذه التفاصيل الدقيقة، أمكنهم فحص ما إذا كانت القوانين النظرية التي وضعها ستيفن هوكينغ (Stephen Hawking) وألبرت آينشتاين (Albert Einstein) تصمد أمام اختبار البيانات.

    اختبار مباشر لتنبؤ ستيفن هوكينغ حول أفق الحدث

     

    في عام 1971، اقترح ستيفن هوكينغ أن أفق الحدث (event horizon) للثقب الأسود، أي الحد الفاصل الذي لا يستطيع الضوء أو المادة تجاوزه إلى الخارج، لا يمكن أن يتقلص. بمعنى آخر، المساحة الكلية لسطح أفق الحدث يجب ألا تصبح أصغر مع مرور الزمن.

    في عام 2021، استخدم إيزي وزملاؤه بيانات LIGO ليقدّموا واحدة من أولى التأكيدات الرصدية لفكرة هوكينغ، في دراسة لفتت الانتباه إلى أن تأكيدًا كهذا لو وصل قبل وفاة هوكينغ ربما كان ليقرّبه من جائزة نوبل.

    التحليل الجديد يعيد زيارة هذه الفكرة بدقة أعلى بكثير. فقد أظهرت الإشارة أن مساحة سطح الثقب الأسود الناتج عن الاندماج لا تقل أبدًا عن مجموع مساحتي سطحي الثقبين الأصليين، بل تكون مساوية لها أو أكبر. هذه النتيجة تقوّي ما يُعرف أحيانًا بـ"قانون مساحة هوكينغ"، وتمنحه سندًا تجريبيًا أوضح بفضل بيانات متزامنة من مرصدي LIGO في واشنطن ولويزيانا.

    أقوى دليل على ثقب أسود من نوع كير يظهر عبر الموجات الثقالية
    الموجات الثقالية تكشف من جديد أسرار الثقوب السوداء - illustration

    اهتزاز ثقب أسود كجرس… وتحقق تنبؤات النسبية العامة

     

    لم يكتف الفريق بقياس ما يحدث لأفق الحدث، بل نجح أيضًا في فصل الجزء من الموجات الثقالية الذي يُطلَق بعد حدوث الاندماج مباشرة، حين يبدأ الثقب الأسود الجديد في "الاهتزاز" وهو يستقر في حالته النهائية. هذه المرحلة، التي يسمّيها الفيزيائيون أحيانًا "ringdown"، شبيهة بصوت جرس يُقرَع ثم يخفت تدريجيًا.

    ركز الباحثون على "نغمة" هذه الاهتزازات ومدتها الزمنية. كما أن مهندس الصوت يمكنه من تردد نغمة آلة موسيقية أن يستنتج حجمها وشكلها، استخدم علماء LIGO تردّد الموجات الثقالية ومدة اهتزازها لاستنتاج حجم وخصائص الثقب الأسود الجديد من الداخل والخارج. النتيجة أن سلوك هذا الثقب الأسود المهتز جاء مطابقًا تقريبًا لما تتنبأ به نظرية النسبية العامة لآينشتاين، التي تصف كيف يجب أن يهتز الزمكان حول جسم فائق الكثافة مثل الثقب الأسود.

    أقوى دليل حتى الآن على ثقب أسود من نوع كير

     

    منذ ستينيات القرن الماضي، قدّم عالم الرياضيات روي كير (Roy Kerr) حلًا دقيقًا لمعادلات آينشتاين يصف البنية المثالية لثقب أسود دوّار، يُعرف باسم "ثقب أسود من نوع كير" (Kerr black hole). يعتقد معظم الفيزيائيين أن جميع الثقوب السوداء في الكون الحقيقي يجب أن تتبع هذا الحل تقريبًا، لكن الحصول على دليل مباشر كان مهمة شديدة الصعوبة.

    عبر تحليل اهتزازات الثقب الأسود الناتج في هذه الإشارة الواضحة بشكل استثنائي، توصّل إيزي وفريق LIGOإلى أن خصائصه تتطابق مع توقعات نموذج كير بدرجة غير مسبوقة. يصف الباحثون هذه النتيجة بأنها أقوى دليل حتى الآن على أن الثقوب السوداء الفعلية في الكون تشبه إلى حد كبير الثقوب السوداء المثالية التي تصفها معادلات كير في إطار النسبية العامة.

    مستقبل رصد الموجات الثقالية

     

    يرى إيزي أن ما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية. فمع استمرار تحسّن حساسية كواشف الموجات الثقالية مثل LIGOخلال العقد المقبل، يتوقع العلماء الحصول على "صور صوتية" أوضح وأغنى لتصادمات الثقوب السوداء وغيرها من الأحداث العنيفة في الكون.

    كل إشارة جديدة، خاصة لو كانت واضحة مثل GW250114، ستسمح باختبار تنبؤات أعمق عن الثقوب السوداء، من شكل أفق الحدث إلى طبيعة الزمكان حولها. وبحسب إيزي، فإن التطورات المقبلة قد تكشف عن تفاصيل لم نكن نتخيل سابقًا أن بوسعنا قياسها، وهو ما يزيد الفضول حول ما يمكن أن تحمله الموجات الثقالية من أسرار في السنوات القادمة.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط