رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
10:53 م calendar السبت 18 يوليو 2026

ميكروبيوم الأمعاء قد يعيد تعريف علاج السمنة والسكري

نتائج علمية جديدة تشير إلى أن ميكروبيوم الأمعاء يلعب دورًا مباشرًا في تنظيم الأيض وليس مجرد هضم الطعام.

كيف يعيد ميكروبيوم
كيف يعيد ميكروبيوم الأمعاء تشكيل الأيض؟ - illustration

    ملخص

    في اكتشاف جديد نشر في Cell Metabolism، كشف باحثون من جامعة هارفارد أن مستقلبات مشتقة من ميكروبيوم الأمعاء تنتقل عبر الوريد البابي إلى الكبد ثم إلى الدورة الدموية، حيث تؤثر مباشرة في مسارات الأيض وحساسية الإنسولين. وأظهرت الدراسة أن العوامل الوراثية والنظام الغذائي يغيّران بصمة هذه المركبات، وأن بعض المستقلبات، مثل الميزاكونات، تحسّن إشارات الإنسولين وتنظيم الدهون في الكبد، ما يفتح آفاقًا علاجية جديدة للسمنة وداء السكري من النوع الثاني.

    ميكروبيوم الأمعاء قد يعيد تعريف علاج السمنة والسكري - illustration
    ميكروبيوم الأمعاء قد يعيد تعريف علاج السمنة والسكري - illustration

    من الأمعاء إلى القلب: طريق خفي يتحكم في الأيض

     

    السمنة وداء السكري من النوع الثاني لم يعودا مجرد مشكلتين مرتبطتين بالطعام الزائد وقلة الحركة، بل يرتبطان أيضًا بما يحدث في أعماق الأمعاء وبين الكبد والقلب والدم. في السنوات الأخيرة، بدأ العلماء ينظرون إلى ميكروبيوم الأمعاء، أي مجتمع البكتيريا والكائنات الدقيقة المقيمة في جهازنا الهضمي، باعتباره حلقة مفقودة تربط بين الجينات والبيئة والتمثيل الغذائي.

    لتسليط الضوء على هذا الرابط، قدّم فريق بحثي عمل في جامعة هارفارد (Harvard University) بالولايات المتحدة، بدعم من مؤسسة فابِسْب (FAPESP)، دراسة جديدة نُشرت في Cell Metabolism. حدّد الباحثون فيها مجموعة من المستقلبات التي تتحرك من الأمعاء إلى الكبد عبر الوريد البابي الكبدي، ثم إلى القلب، الذي يوزعها بعد ذلك في الدورة الدموية. هذه المركبات الدائرة في الدم بدت قادرة على التأثير في مسارات الأيض داخل الكبد وفي مدى حساسية الجسم لهرمون الإنسولين، ما يفتح آفاقًا لعلاجات جديدة للسمنة وداء السكري من النوع الثاني.

    الوريد البابي والكبد… أول من يستقبل رسائل الميكروبيوم

     

    يوضح فيتور روسيتو مونيوز (Vitor Rosetto Muñoz)، الباحث في مرحلة الدكتوراه بعد التخرج في كلية ريبيراو بريتو للتربية البدنية والرياضة بجامعة ساو باولو (EEFERP-USP)، أن الوريد البابي الكبدي هو الطريق الرئيسي الذي ينقل جزءًا كبيرًا من الدم القادم من الأمعاء إلى الكبد. لذلك فهو أول محطة تستقبل منتجات ميكروبيوم الأمعاء. في الكبد، يمكن أن تُربَط هذه الجزيئات بمركبات أخرى، أو تتحول كيميائيًا، أو تُزال، قبل أن تدخل الدورة الدموية العامة.

    خلال فترة عمله في مركز جوسلين للسكري (Joslin Diabetes Center) بكلية الطب في جامعة هارفارد (Harvard Medical School)، وبإشراف الباحث كارل رونالد كاهن (Carl Ronald Kahn)، قام مونيوز وفريقه بتحليل الدم الخارج من الأمعاء عبر الوريد البابي، ومقارنته بالدم المحيطي المتداول في الجسم. هذا النهج سمح لهم برؤية أوضح لكيفية إثراء الدم بمستقلبات مشتقة من الميكروبيوم في كل موقع، وفهم أفضل لكيفية تأثيرها لاحقًا في أيض الكبد وصحة الأيض عمومًا.

    تنوع ميكروبيوم الأمعاء وخطر الأمراض الاستقلابية

     

    خلال السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن ميكروبيوم الأمعاء يمثل حلقة أساسية تربط بين العوامل الوراثية والبيئية وتطور الاضطرابات الاستقلابية. فقد أظهرت دراسات عديدة أن الأشخاص والحيوانات المصابة بالسمنة، أو داء السكري من النوع الثاني، أو عدم تحمل الغلوكوز، أو مقاومة الإنسولين، يميلون إلى امتلاك تركيبات ميكروبية مميزة في الأمعاء مقارنة بمن لا يعانون هذه الحالات.

    مع ذلك، لا يزال من الصعب تحديد البكتيريا أو المنتجات الميكروبية المسؤولة تحديدًا عن هذه الاختلافات، أو فهم كيف تتفاعل مع أنسجة الأمعاء. ولتجاوز هذه الفجوة، ركزت الدراسة الجديدة على المستقلبات الموجودة في دم فئران تختلف في قابليتها للإصابة بالسمنة والسكري. جرى أخذ عينات من الوريد البابي الكبدي الذي ينقل الدم من الأمعاء إلى الكبد، وعينات أخرى من الدم المحيطي الذي يغادر الكبد إلى القلب ثم إلى بقية الجسم.

    يشير مونيوز إلى أن الدراسات السابقة كانت تميل غالبًا إلى فحص المستقلبات الموجودة في البراز أو في الدم المحيطي فقط، وهي لا تعكس بدقة ما يصل أولًا إلى نسيج الكبد، وهو عضو استقلابي محوري يرتبط بأنواع مختلفة من الأمراض.

    ميكروبيوم الأمعاء قد يعيد تعريف علاج السمنة والسكري
    السمنة والسكري: دور خفي لميكروبيوم الأمعاء - illustration

    تفاعل الجينات والبيئة في تشكيل بصمة المستقلبات

     

    في الفئران السليمة، سجّل الفريق وجود 111 مستقلبًا في مستويات مرتفعة في الدم القادم عبر الوريد البابي، و74 مستقلبًا في الدم المحيطي. لكن عندما تم إطعام فئران ذات قابلية وراثية للإصابة بالسمنة وداء السكري من النوع الثاني نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون، انخفض عدد المستقلبات المرتفعة في الوريد البابي من 111 إلى 48 فقط. هذا التراجع الحاد يشير إلى أن العوامل البيئية، مثل نوع الغذاء، يمكن أن تؤثر بقوة في توزيع هذه المركبات.

    في الوقت نفسه، اختلفت بصمة المستقلبات في هذه الفئران الحساسة عن تلك التي لوحظت في سلالة فئران مقاومة طبيعيًا لمتلازمة الأيض. هذا التباين بين المجموعتين يكشف أن الخلفية الوراثية تلعب هي الأخرى دورًا أساسيًا في تحديد أي المستقلبات تظهر في الوريد البابي وتتجه إلى الكبد.

    يعلق مونيوز بأن هذه النتائج تُظهر كيف يمكن للبيئة وجينات العائل أن تتفاعلا بطرق معقدة مع ميكروبيوم الأمعاء. ونتيجة لهذه التفاعلات، يمكن أن تُرسل مجموعات مختلفة من المستقلبات إلى الكبد ثم إلى الدوران العام، حيث يحتمل أن تسهم في الظروف التي تقود إلى السمنة، وداء السكري من النوع الثاني، ومتلازمة الأيض.

    تعطيل الميكروبيوم واختبار تأثير المستقلبات

     

    للتحقق من مساهمة البكتيريا والمنتجات الميكروبية في هذه الأنماط، عالج الباحثون فئرانًا معرضة للسمنة والسكري بمضاد حيوي يستهدف كائنات معينة في الأمعاء. كما هو متوقع، أدى العلاج إلى تغيير تركيب الميكروبيوم، وبالتالي غيّر توازن المستقلبات في الدم المحيطي وفي الوريد البابي الكبدي.

    إحدى النتائج اللافتة كانت زيادة مستقلب يُدعى ميزاكونات (mesaconate)، وهو مركب يشارك في دورة كريبس (Krebs cycle)، وهي إحدى المسارات الأساسية لإنتاج الطاقة داخل الخلايا. انطلاقًا من هذه الملاحظة، قام الفريق بتعريض خلايا كبدية معزولة (hepatocytes) لمركب ميزاكونات ومجموعة من نظائره، وهي جزيئات تشترك في الصيغة الجزيئية نفسها لكن بهياكل مختلفة.

    أدت هذه المعالجات إلى تحسن في إشارات الإنسولين داخل الخلايا وتنظيم عمل الجينات المرتبطة بتكوين الدهون في الكبد (lipogenesis) وبأكسدة الأحماض الدهنية، وهما عمليتان حاسمتان للحفاظ على صحة الأيض.

    نحو علاجات تستهدف مسارات الميكروبيوم

     

    تشير النتائج إلى أن المستقلبات الموجودة في الدم في هذين الموقعين، أي الوريد البابي والدم المحيطي، تلعب أدوارًا رئيسية في الوساطة بين تأثيرات ميكروبيوم الأمعاء وأيض الكبد وتطور داء السكري من النوع الثاني ومقاومة الإنسولين المرتبطة باتباع نظام غذائي غني بالدهون.

    يخطط العلماء الآن إلى توصيف كل مستقلب بمزيد من التفصيل ومعرفة كيفية إنتاجه. هذا الفهم الأعمق لتأثيرات الميكروبيوم على الأيض قد يقود في النهاية إلى تحديد جزيئات يمكن استخدامها كخيارات علاجية جديدة للأمراض الاستقلابية، بما في ذلك السمنة وداء السكري من النوع الثاني، عبر استهداف الإشارات القادمة من الأمعاء ومن مسارات المستقلبات المرتبطة بها داخل الكبد ضمن رؤية أشمل لصحة الأيض في الجسم كله.

    تم نسخ الرابط