رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

هل التسمير الداخلي أخطر من الشمس؟

لم تعد مخاطر التسمير الداخلي مجرد تحذيرات عامة، بل حقائق جينية موثقة تكشف كيف يتحول الجمال المؤقت إلى تهديد صحي طويل الأمد.

جمال سريع أم سرطان
جمال سريع أم سرطان قاتل؟ الحقيقة العلمية عن أسرّة التسمير

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد أجراه باحثون من Northwestern Medicine وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ونُشر في مجلة Science Advances، تبيّن أن استخدام أسرّة التسمير الداخلي لا يضاعف خطر الإصابة بالورم الميلانيني فحسب، بل يُحدث طفرات واسعة في الحمض النووي لخلايا الجلد عبر معظم سطح الجسم. التحليل السريري والجينومي أظهر أن الضرر لا يقتصر على المناطق المكشوفة للشمس، بل يشمل الجلد السليم ظاهريًا، ما يخلق بيئة خفية مهيأة لتطور سرطان الجلد القاتل لاحقًا.

    كيف تزرع أجهزة التسمير سرطان الجلد في أماكن لا تتعرض للشمس؟
    التسمير الداخلي والورم الميلانيني: علاقة مثبتة بالأدلة الجينية

    الوجه الخفي لأسرّة التسمير الداخلية

     

    كثيرون يلجأون إلى التسمير الداخلي في صالونات التجميل بحثًا عن لون برونزي سريع، خاصة قبل المناسبات أو العطلات، من دون أن يدركوا أن دقائق قليلة تحت ضوء الجهاز قد تعني سنوات من القلق الطبي لاحقًا. فالمسألة لا تتوقف عند حروق بسيطة أو اسمرار زائد، بل تمتد إلى تغيّرات عميقة في الحمض النووي لخلايا الجلد، وترتبط بواحد من أفتك أنواع سرطان الجلد.

    لتسليط الضوء على حجم هذه المخاطر، قاد فريق من باحثي نورث وسترن ميديسن (Northwestern Medicine) بالتعاون مع جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (University of California, San Francisco) دراسة جديدة نُشرت في مجلة Science Advances، تتبعت تأثير أجهزة التسمير الداخلي على خطر الإصابة بالورم الميلانيني (melanoma) وعلى نمط تلف الحمض النووي في الجلد تقريبًا على كامل سطحه.

    التسمير الداخلي، الورم الميلانيني وتلف الحمض النووي

     

    الورم الميلانيني هو أفتك أنواع سرطان الجلد، ويتسبب في نحو 11 ألف حالة وفاة سنويًا في الولايات المتحدة. منذ سنوات، يحذر الأطباء من استخدام أجهزة التسمير الداخلي، لكن شركات التسمير كانت كثيرًا ما تدّعي أن هذه الأجهزة لا تختلف كثيرًا عن التعرض لأشعة الشمس الطبيعية، وأن العلاقة بينها وبين السرطان ليست مفهومة بالكامل.

    الدراسة الجديدة تقدّم ردًا حاسمًا على هذه المزاعم. فالباحثون وجدوا أن استخدام أسرّة التسمير يرتبط بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف في خطر الإصابة بالورم الميلانيني، كما أظهروا لأول مرة كيف تُحدث هذه الأجهزة تلفًا مرتبطًا بالميلانوم في الحمض النووي لخلايا الجلد عبر معظم سطح الجلد، وليس فقط في المناطق المعرّضة عادةً للشمس.

    في الجزء السريري من العمل، حلّل الفريق سجلات طبية لنحو 3,000 شخص لديهم تاريخ من استخدام أسرّة التسمير، وقارنوها بما يقارب 3,000 شخص من نفس الأعمار لم يستخدموا هذه الأجهزة مطلقًا. تبيّن أن الورم الميلانيني شُخّص في 5.1% من مستخدمي التسمير الداخلي، مقابل 2.1% فقط في غير المستخدمين. حتى بعد أخذ العمر والجنس وتاريخ حروق الشمس والتاريخ العائلي للورم الميلانيني في الاعتبار، ظل التسمير الداخلي مرتبطًا بزيادة قدرها 2.85 مرة في خطر الإصابة.

    كما أظهرت السجلات أن مستخدمي أسرّة التسمير كانوا أكثر عرضة للإصابة بالورم الميلانيني في مناطق عادة ما تكون محمية من الشمس، مثل أسفل الظهر والأرداف، ما دعم فكرة أن أجهزة التسمير تُحدث ضررًا أوسع وأعمق من التعرض العادي للشمس.

    خريطة طفرات على امتداد الجلد

     

    للتحقق من مدى انتشار هذا الضرر، انتقل الفريق إلى المختبر واستخدم أدوات جينومية متقدمة. بدأ الباحثون أولًا بدراسة أنماط الطفرات في 182 خزعة جلدية مأخوذة من أشخاص استخدموا أسرّة التسمير وآخرين لم يستخدموها، لرسم صورة عن كيفية تغيّر الحمض النووي عبر الجلد.

    ثم استخدموا تقنيات تسلسل الحمض النووي على مستوى الخلية المفردة لفحص الخلايا الميلانينية، وهي الخلايا المنتجة للصبغة التي ينشأ منها الورم الميلانيني. شملت الدراسة ثلاث مجموعات من المتبرعين بالجلد: 11 مريضًا من عيادة الباحث الأساسي الدكتور بيدرام جيرامي (Pedram Gerami) لديهم تاريخ طويل من التسمير الداخلي، وتسعة أشخاص لم يستخدموا أجهزة التسمير لكنهم مماثلون تقريبًا في العمر والجنس وخطر السرطان العام، إضافة إلى ستة متبرعين متوفين وفّروا عينات إضافية لتعزيز مجموعة الضبط.

    في المجمل، قام الفريق بتسلسل الحمض النووي لـ 182 خلية ميلانينية منفردة. النتيجة كانت واضحة: الخلايا الميلانينية لدى مستخدمي أسرّة التسمير حملت ما يقرب من ضعف عدد الطفرات الجينية مقارنة بالمجموعات الضابطة، كما كانت أكثر احتمالًا أن تحتوي على طفرات مرتبطة بالورم الميلانيني. الأخطر أن هذه الطفرات لم تظهر فقط في مناطق الجلد المعرّضة عادةً للشمس، بل أيضًا في أجزاء من الجسم تبقى في الغالب مغطاة ولا تتعرض لأشعة الشمس المباشرة، ما يؤكد أن أجهزة التسمير تخلق "حقلًا واسعًا" من تلف الحمض النووي على امتداد الجلد.

    يشير جيرامي إلى أن التعرض للشمس في الهواء الطلق يركز أشد الضرر عادة في نحو 20% من سطح الجلد الأكثر تعرضًا، بينما أظهر تحليلهم أن مستخدمي أسرّة التسمير يحملون الطفرات الخطرة نفسها تقريبًا عبر معظم سطح الجلد.

    طفرات خفية في الجلد: الثمن الحقيقي للتسمير الداخلي
    من التجميل إلى الخطر: ما الذي تفعله أسرّة التسمير بخلاياك؟

    تغيرات صامتة في الجلد السليم

     

    يؤكد جيرامي أن ما يثير القلق بشكل خاص هو أن هذه التغيرات في الحمض النووي ظهرت حتى في مناطق الجلد التي تبدو طبيعية تمامًا، ولا تحتوي على شامات أو آفات واضحة. فقد وجد الفريق فيما يُسمى "الجلد الطبيعي" لدى الأشخاص الذين استخدموا التسمير الداخلي طفرات مسبقة تهيئ الطريق للإصابة بالورم الميلانيني في المستقبل.

    هذه هي المرة الأولى التي تُثبت فيها دراسة بهذا الوضوح أن أجهزة التسمير لا تضر فقط بالبقع أو الشامات التي يلاحظها الناس، بل تغيّر الخلفية الجينية لخلايا الجلد ككل بشكل يمكن أن يرفع احتمال ظهور السرطان لاحقًا، حتى في أماكن لا يلتفت إليها الشخص أمام المرآة.

    حكاية ناجية مع أسرّة التسمير

     

    جزء مهم من هذه الدراسة اعتمد على استعداد الناجين من الورم الميلانيني للتبرع بعينات من جلدهم. من بين هؤلاء هايدي تار، سيدة في التاسعة والأربعين من ضواحي شيكاغو، استخدمت أسرّة التسمير بكثرة خلال سنوات المراهقة في المدرسة الثانوية، بمعدل جلستين إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، لأن صديقاتها والمشاهير كانوا يفعلون ذلك، ولأن البشرة البرونزية كانت تُرى علامة على الجمال آنذاك.

    بعد سنوات، وفي الثلاثينيات من عمرها، وكانت قد أصبحت أمًا، لاحظت شامة على ظهرها وأحسّت فورًا بأن هناك شيئًا مقلقًا. أظهرت الفحوص أن الشامة كانت ورمًا ميلانينيًا، ما استدعى جراحة، ثم سنوات من المتابعة والفحوص المتكررة، وأكثر من 15 خزعة أخرى مع ظهور شامات جديدة. تصف تار الألم الجسدي للخزعات بأنه محتمل، لكنها تشير إلى أن القلق النفسي وانتظار نتيجة كل فحص هما الجانب الأصعب.

    عندما عرض عليها جيرامي المشاركة في الدراسة الجديدة والتبرع بخزعات إضافية، وافقت سريعًا لأنها تؤمن بالعلم، كما تقول، ولأنها أرادت أن تساعد الآخرين على فهم المخاطر الحقيقية للتسمير الداخلي، حتى لا يكرروا تجربتها.

    دعوة لتشديد القوانين وفحوصات مبكرة

     

    الجمع بين البيانات السريرية والجينية أقنع جيرامي بأن الوقت حان لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة. فهو يرى أن الحد الأدنى هو حظر استخدام أجهزة التسمير الداخلي على القُصّر، خاصة أن معظم مرضاه بدأوا التسمير وهم صغار في السن، وفي فترات كانوا فيها أكثر هشاشة وأقل وعيًا بالمخاطر. كثير منهم يشعر اليوم بأنه خُدع من قِبل هذه الصناعة ويندم على اختيارات شبابه.

    يرى جيرامي كذلك أن أجهزة التسمير يجب أن تحمل تحذيرات واضحة على غرار التحذيرات الموجودة على علب السجائر، مع التأكيد على أن منظمة الصحة العالمية تصنف التسمير الداخلي في نفس فئة الخطورة المسرطِنة مثل التدخين والأسبستوس؛ فهو من العوامل المسرطِنة من الفئة الأولى.

    وينصح أي شخص استخدم أسرّة التسمير بكثرة في فترة من حياته بأن يحدد موعدًا لفحص شامل للجلد مع طبيب الأمراض الجلدية، وأن يناقش معه الحاجة إلى فحوص دورية مستمرة لمراقبة أي تغيّرات جديدة في الجلد. فالتقاط الورم الميلانيني في مراحله الأولى قد يصنع فارقًا حاسمًا بين علاج ناجح ومعاناة طويلة.

    تم نسخ الرابط