رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
06:53 م calendar السبت 18 يوليو 2026

ميكروبات الأمعاء تغيّر وظائف الدماغ بشكل مباشر

لم يعد محور الأمعاء والدماغ فكرة نظرية غامضة، إذ تكشف دراسة جديدة أن ميكروبات الأمعاء قادرة فعليًا على إعادة تشكيل نشاط المخ ومسارات التعلم.

دراسة تكشف كيف يؤثر
دراسة تكشف كيف يؤثر محور الأمعاء والدماغ على نشاط المخ

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد، نشرت دراسة لجامعة نورث وسترن في مجلة PNAS دليلًا تجريبيًا مباشرًا على أن محور الأمعاء والدماغ يلعب دورًا أساسيًا في تشكيل وظائف المخ. أظهرت النتائج أن نقل ميكروبات الأمعاء من رئيسيات مختلفة إلى فئران غيّر نشاط الدماغ، والتعبير الجيني المرتبط بالطاقة واللدونة التشابكية. كما كشفت الدراسة عن صلات محتملة بين الميكروبيوم المعوي ومسارات عصبية مرتبطة باضطرابات النمو العصبي.

    ما دور محور الأمعاء والدماغ في التعلم؟
    هل تتحكم ميكروبات الأمعاء في نشاط الدماغ؟

    محور الأمعاء والدماغ يوضح كيف تؤثر ميكروبات الأمعاء على الدماغ

     

    لطالما بدا الدماغ وكأنه عالم مستقل، تحكمه الجينات والخلايا العصبية وحدها. لكن دراسة جديدة تعيد رسم الحدود بين الأمعاء والمخ، بعدما أظهرت أن تغيّرات الميكروبيوم المعوي (gut microbiome) يمكن أن تؤثر مباشرة في طريقة عمل الدماغ. واللافت أن الأمر لا يبدو مجرد ملاحظة ارتباطية، بل تأثير يمكن تتبعه في نشاط المخ ومسارات التعلم، ما يضع محور الأمعاء والدماغ في قلب أسئلة علمية عن نمو الدماغ وتطوره.

    ولتفسير هذا الرابط بمقاربة تجريبية واضحة، نشر باحثون من جامعة نورث وسترن (Northwestern University) دراسة فيProceedings of the National Academy of Sciences   قدمت، وفق الفريق، أول دليل تجريبي مباشر على أن الميكروبيوم المعوي يساعد في تشكيل اختلافات وظيفية في الدماغ بين أنواع الرئيسيات.

    لغز الدماغ الكبير ومتطلبات الطاقة

     

    يمتلك الإنسان أكبر حجم دماغ مقارنة بحجم الجسم بين جميع الرئيسيات، ومع ذلك ما زال العلماء يعرفون القليل بشكل مدهش عن كيفية تطور الثدييات ذات الأدمغة الكبيرة لتلبية الطلب الهائل على الطاقة اللازمة لنموها والحفاظ عليها. هذه النقطة تحديدًا جعلت الباحثين ينظرون إلى الأمعاء باعتبارها شريكًا محتملًا في القصة، لأن الدماغ يحتاج وقودًا مستمرًا كي يعمل ويتطور.

    كايتي أماتو (Katie Amato)، الأستاذة المشاركة في الأنثروبولوجيا البيولوجية والباحثة الرئيسية في الدراسة، قالت إن النتائج تشير إلى أن الميكروبات تتدخل في سمات لها صلة مباشرة بفهم التطور، وبشكل خاص تطور أدمغة البشر.

    من نتائج سابقة إلى سؤال أكثر جرأة

     

    بنت الدراسة الجديدة على عمل سابق من مختبر أماتو كان قد أظهر أن ميكروبات الأمعاء القادمة من رئيسيات ذات دماغ أكبر نسبيًا تنتج طاقة أيضية أكثر عندما تُنقل إلى الفئران. هذه الزيادة في الطاقة بدت مهمة، لأن الدماغ يتطلب كميات كبيرة من الوقود كي يتشكل ويؤدي وظائفه.

    لكن فريق أماتو لم يتوقف عند سؤال الطاقة وحده. في الدراسة الحالية انتقل الباحثون خطوة أبعد وركزوا على الدماغ نفسه، وتحديدًا على ما إذا كان اختلاف الميكروبيوم المعوي بين الأنواع قادرًا على تغيير طريقة عمل دماغ الكائن المستضيف، حتى لو كان هذا الكائن فأرًا.

    دراسة على الفئران تكشف دور الميكروبيوم في نشاط المخ
    ميكروبات الأمعاء والطاقة العصبية: رابط غير متوقع

    نقل الميكروبيوم من الرئيسيات يبدّل نشاط دماغ الفئران

     

    أجرى فريق جامعة نورث وسترن تجربة مخبرية مضبوطة بدقة، أدخل فيها ميكروبات الأمعاء من نوعين من الرئيسيات ذات الدماغ الأكبر نسبيًا، وهما الإنسان وقرد السنجاب (squirrel monkey)، ومن نوع رئيسي ذي دماغ أصغر نسبيًا هو المكاك، إلى فئران لا تحمل ميكروبات أصلًا. وبذلك نفّذ الباحثون ما يشبه زرع ميكروبيوم الأمعاء من الرئيسيات إلى فئران خالية من الميكروبات.

    بعد ثمانية أسابيع ظهرت فروق واضحة في نشاط الدماغ. الفئران التي تلقت ميكروبات من الرئيسيات الأصغر دماغًا أظهرت أنماطًا مختلفة من وظائف الدماغ مقارنة بالفئران التي تلقت ميكروبات من الرئيسيات الأكبر دماغًا. وبذلك تحولت الفكرة إلى اختلافات مرصودة ظهرت بعد تغيير مصدر الميكروبيوم وحده.

    جينات الدماغ ومسارات التعلم تتغير مع الميكروبيوم المعوي

     

    عند تحليل ما يحدث داخل الدماغ على مستوى الجينات، وجد الباحثون أن الفئران التي تلقت ميكروبات من الرئيسيات الأكبر دماغًا أظهرت نشاطًا أعلى في الجينات المرتبطة بإنتاج الطاقة. وفي الاتجاه نفسه، ارتفع نشاط الجينات المرتبطة باللدونة التشابكية، وهي العملية التي تمكّن الدماغ من التعلم والتكيف.

    في المقابل، كانت هذه المسارات أقل نشاطًا بكثير لدى الفئران التي تلقت ميكروبات من الرئيسيات الأصغر دماغًا. وتشير النتائج إلى أن ميكروبات الأمعاء تؤثر على الدماغ ليس فقط عبر دعم الطاقة، بل عبر مسارات مرتبطة بقدرة الدماغ على التعلم والتغير مع الخبرة.

    أماتو لفتت إلى مفاجأة إضافية ظهرت عند مقارنة بيانات جينات أدمغة الفئران مع بيانات من أدمغة بشرية وأدمغة مكاك حقيقية. كثير من أنماط التعبير الجيني في أدمغة الفئران جاءت مشابهة للأنماط الموجودة في الرئيسيات نفسها التي جاءت منها الميكروبات. وبصياغتها، تمكن الفريق من جعل أدمغة الفئران تبدو أقرب إلى أنماط أدمغة الرئيسيات التي استُخرجت منها الميكروبات.

    إشارات جينية مرتبطة باضطرابات النمو العصبي

     

    لم تتوقف النتائج عند مسارات الطاقة والتعلم. فقد وجد الباحثون أن الفئران التي تلقت ميكروبات من الرئيسيات الأصغر دماغًا أظهرت أنماط تعبير جيني مرتبطة بحالات مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، والتوحد.

    وكانت دراسات سابقة قد رصدت ارتباطات بين حالات مثل التوحد واختلافات في تركيب الميكروبيوم المعوي، لكن الأدلة المباشرة على مساهمة هذه الميكروبات في تلك الحالات ظلت محدودة. من هنا رأت أماتو أن الدراسة الجديدة تقدم مزيدًا من الأدلة على احتمال وجود مساهمة سببية، وبالتحديد أن الميكروبيوم المعوي يشكّل وظيفة الدماغ خلال مرحلة التطور.

    وفي تعليق يحمل طابعًا استكشافيًا، قالت أماتو إنه يمكن التكهن بأن تعرض الدماغ لما وصفته بالميكروبات الخطأ قد يغيّر مسار تطوره، وهو ما قد ينعكس في أعراض هذه الحالات. وأضافت أن عدم التعرض للميكروبات البشرية المناسبة في وقت مبكر من الحياة قد يجعل الدماغ يعمل بصورة مختلفة، وقد يرتبط ذلك بظهور أعراض مرتبطة بهذه الاضطرابات.

    ماذا تعني النتائج لفهم تطور الدماغ البشري؟

     

    ترى أماتو أن النتائج لا تهم علم الأحياء التطوري فقط، بل قد تحمل دلالات سريرية أيضًا، لأنها تفتح طريقة جديدة للتفكير في منشأ بعض الاضطرابات النفسية، وتدعو إلى النظر إلى نمو الدماغ عبر عدسة تطورية تربط بين الأنواع المختلفة وبين الأفراد داخل النوع الواحد.

    الدراسة حملت عنوان "Primate gut microbiota induce evolutionarily salient changes in mouse neurodevelopment"، وطرحت سؤالًا يتجاوز التجربة نفسها حول ما إذا كان يمكن اكتشاف قواعد عامة لكيفية تفاعل محور الأمعاء والدماغ عبر الأنواع، ثم فهم ما إذا كانت هذه القواعد تساعد في تفسير أنماط تطور الدماغ أيضًا داخل النوع الواحد.

    تم نسخ الرابط