رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
11:21 ص calendar السبت 18 يوليو 2026

اكتشاف فيروسات السيركو في الأوركا وحيتان الطيار بشمال الأطلسي

في أعماق المحيط، تكشف فيروسات جديدة في الأوركا وحيتان الطيار عن عالم خفي قد يحمل مفاتيح غير متوقعة لفهم صحة الحيتانيات.

فيروسات السيركو والحيتانيات:
فيروسات السيركو والحيتانيات: أسئلة بلا إجابات

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد بقيادة باحثين من جامعة ولاية أريزونا، كشفت دراسة منشورة في مجلة Virology عن رصد نوعين جديدين من فيروسات السيركو في الأوركا وحيتان الطيار قصيرة الزعانف بالكاريبي في شمال الأطلسي. التحليل الجيني لعينات محفوظة من حيتان نافقة أظهر سبعة جينومات كاملة لفيروسات غير معروفة سابقًا. النتائج تفتح نقاشًا واسعًا حول تاريخ هذه الفيروسات التطوري، وانتقالها بين الحيتانيات، واحتمال ارتباطها بتغيرات صحية لم تُفهم بعد.

    فيروسات جديدة تثير تساؤلات حول صحة الأوركا
    فيروسات السيركو في الأوركا وحيتان الطيار بشمال الأطلسي

    اكتشاف فيروسات جديدة في الأوركا وحيتان الطيار بشمال الأطلسي

     

    في أعماق البحر، لا تتوقف المفاجآت عند الكائنات الضخمة التي نعرفها بالاسم والشكل، بل تمتد إلى عوالم دقيقة لا تُرى بالعين. ومع اتساع الاهتمام بصحة الحياة البحرية، تزداد أهمية تتبع الفيروسات التي قد تصيب الحيتانيات، لا لمعرفة وجودها فقط، بل لفهم ما إذا كانت تنتقل بسهولة أو ترتبط بتغيرات صحية لا تزال غير واضحة.

    لتسليط الضوء على هذا الجانب، أعلنت مجموعة بحثية دولية تقودها جامعة ولاية أريزونا (Arizona State University) عن اكتشاف فيروسين لم يكونا معروفين من قبل لدى حيتان الطيار قصيرة الزعانف (short-finned pilot whale) والأوركا (orca) في منطقة الكاريبي في شمال المحيط الأطلسي. الدراسة نُشرت في Virology، وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يتم فيها رصد فيروسات السيركو في حيتانيات من هذه المنطقة، بما يضيف فصلًا جديدًا إلى قائمة الفيروسات المعروفة التي قد تصيب الفقاريات البحرية.

    فريق دولي وعيّنات محفوظة من حيتان نافقة

     

    الدراسة جاءت بعنوان "Novel circoviruses identified in short-finned pilot whale and orca from the North Atlantic Ocean"، وقادها عالم الفيروسات أرفيند فارساني (Arvind Varsani) من كلية علوم الحياة ومعهد بايوديزاين (School of Life Sciences and Biodesign Institute) في جامعة ولاية أريزونا، بينما كان المؤلف الأول ماثيو دي كوك (Matthew De Koch).

    وضم الفريق طلابًا وباحثين من جامعة ولاية أريزونا (Arizona State University)، وجامعة كوستال كارولاينا (Coastal Carolina University)، وجامعة الجنوب (The University of the South) في الولايات المتحدة، إلى جانب باحثين في سانت فنسنت والغرينادين، وجامعة جزر الهند الغربية في كايف هيل (The University of the West Indies at Cave Hill) في باربادوس، وجامعة كيب تاون (University of Cape Town) في جنوب أفريقيا، ومعهد باستور (Institut Pasteur) في فرنسا.

    واعتمد الباحثون على عينات أنسجة محفوظة أُخذت من حيتان نافقة. هذه العينات جُمعت عبر تعاون طويل الأمد بين راسل فيلدينغ (Russell Fielding) من جامعة كوستال كارولاينا وصيادين محليين يعتمدون على صيد معيشي حرفي في جزيرة سانت فنسنت. وبعد ذلك جرى تحليل العينات باستخدام التسلسل الجيني عالي الإنتاجية، وهو أسلوب يسمح بقراءة المادة الوراثية بكفاءة عالية للكشف عن بصمات الفيروسات الموجودة داخل الأنسجة.

    سبعة جينومات كاملة لفيروسات السيركو ونوعان جديدان

     

    أظهر التحليل أن الباحثين تمكنوا من استعادة سبعة جينومات كاملة لفيروسات السيركو. خمسة من هذه الجينومات جاءت من حيتان الطيار قصيرة الزعانف، بينما عُثر على اثنين في عينات تعود للأوركا.

    وبناءً على خصائصها الوراثية، خلص الفريق إلى أن هذه الفيروسات تمثل نوعين جديدين بالكامل، وأطلقوا عليهما اسمي "shofin circovirus" و"orcin circovirus". وأوضحت الدراسة أن النوعين الجديدين يختلفان بوضوح عن فيروس حيتاني آخر كان معروفًا سابقًا ضمن هذه الفئة، هو "beaked whale circovirus" الذي تم التعرف عليه في وقت سابق لدى حوت جرفته الأمواج في المحيط الهادئ.

    فيروسات جديدة في الأوركا قد تغيّر فهم صحة الحيتانيات
    ماذا نعرف عن فيروسات السيركو المكتشفة حديثًا في الحيتان؟

    ما الذي يميز الفيروسين على مستوى الغلاف الخارجي؟

     

    ركزت فحوص لاحقة على بروتينات القفيصة (capsid proteins)، وهي البروتينات التي تكوّن الغلاف الخارجي للفيروس. ووجد الباحثون حلقات كبيرة مكشوفة على السطح بشكل غير معتاد، وبصورة خاصة ما يُعرف بحلقة "E-F loop".

    وتشير النتائج إلى أن هذه المنطقة تكاد تكون أطول بنحو الضعف مقارنة بالبنية نفسها في "porcine circovirus 2"، وهو أحد فيروسات السيركو الأكثر دراسة. وبمعنى أبسط، فإن بعض تفاصيل الغلاف الخارجي في هذه الفيروسات الجديدة تبدو مختلفة بوضوح عند مقارنتها بما هو موثق عن فيروسات سيركو أخرى.

    كما أظهر التحليل الجيني أن فيروسات السيركو التي عُثر عليها في الحيتان وكائنات حيتانية أخرى تتجمع في مجموعة أحادية الأصل (monophyletic group) داخل جنس (Circovirus). ويعني ذلك أنها تبدو كفرع واضح ومتماسك وراثيًا ضمن هذا الجنس.

    إشارات تطورية مبكرة وتحذير من محدودية البيانات

     

    استنادًا إلى البيانات المتاحة حاليًا، اقترحت الدراسة احتمال أن فيروسات السيركو قد تكون أصابت أسلاف الحيتانيات الحديثة في مرحلة مبكرة من تاريخها التطوري. وفي الوقت نفسه، شدد الباحثون على أن اختبار هذه الفكرة يحتاج إلى بيانات وراثية إضافية من نطاق أوسع من الأنواع، لأن العينة الحالية تظل محدودة.

    أسئلة مفتوحة عن انتقال الفيروسات وتأثيرها الصحي

     

    رغم أن الدراسة وصفت الفيروسين كاكتشاف جديد في منطقة الكاريبي في شمال المحيط الأطلسي، إلا أن الأسئلة الأهم تظل معلّقة حول الصحة والانتقال. كيف تنتشر هذه الفيروسات بين الحيتان؟ وهل يمكن أن ترتبط بمرض لدى الأوركا، المعروفة أيضًا باسم الحوت القاتل، أو لدى حيتان الطيار قصيرة الزعانف؟

    يشير الباحثون إلى عمل سابق حول "beaked whale circovirus" اقترح وجود صلة محتملة بتثبيط المناعة (immunosuppression). وترى الدراسة أن هذا النمط يتماشى مع الطريقة التي تؤثر بها فيروسات السيركو في بعض الثدييات والطيور على اليابسة، لكن مع التأكيد أن فهم ما إذا كان الأمر ينطبق على الحيتانيات يتطلب أبحاثًا أوسع وبيانات إضافية.

    ولهذا، يضع الفريق أولوية بحثية لفهم تنوع فيروسات السيركو لدى الحيتانيات، وطرق انتقال الفيروسات بين الحيتان، وما إذا كانت ترتبط بتغيرات صحية لدى الأوركا أو لدى حيتان الطيار قصيرة الزعانف. كما تفتح النتائج بابًا لفهم أوسع لفيروسات تصيب الحيتانيات في مناطق مختلفة، بما في ذلك مناطق أخرى من شمال الأطلسي حيث قد تتباين الأنواع والمسارات البيئية.

    لماذا يهم اكتشاف فيروسات السيركو في الحيتانيات؟

     

    أهمية النتائج لا تتوقف عند إضافة اسمين جديدين إلى قائمة الفيروسات. فكون هذا أول رصد لفيروسات السيركو في حيتانيات من منطقة الكاريبي في شمال المحيط الأطلسي يعني أن خريطة الفيروسات التي تصيب الفقاريات البحرية ما زالت تتوسع، وأن ما نعرفه قد يكون جزءًا صغيرًا من الصورة الأكبر.

    وفي الوقت الذي تظل فيه الأسئلة الصحية مفتوحة، يقدم الاكتشاف أساسًا علميًا جديدًا لدراسة العلاقة بين التنوع الفيروسي وصحة الحيتان، مع الحاجة إلى مزيد من البيانات الجينية وتغطية أنواع ومناطق أوسع لفهم مسارات الانتقال وما قد تعنيه هذه الفيروسات لمستقبل الأوركا وحيتان الطيار قصيرة الزعانف في هذه المياه.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط