رئيس مجلس الإدارة
نيفين منصور
رئيس التحرير
إبراهيم مصطفى
02:35 م calendar السبت 18 يوليو 2026

تنوع جيني يضع البرازيل في قلب أبحاث طول العمر

بينما يظل طول العمر الفائق لغزًا نادرًا، تشير أبحاث جديدة إلى أن البرازيل قد تحمل مفاتيح علمية غير مستغلة لفهم كيف يعيش بعض البشر بعد 110 أعوام.

هل تخفي البرازيل
هل تخفي البرازيل أسرار طول العمر الفائق؟ - illustration

    ملخص

    في اكتشاف علمي جديد نشره باحثون من جامعة ساو باولو في مجلة Genomic Psychiatry، طُرحت البرازيل كواحدة من أهم البيئات العالمية لدراسة طول العمر الفائق بعد سن 110 عامًا. يستند الطرح إلى تنوع جيني استثنائي ومجموعة نادرة من المعمّرين الفائقين تم التحقق من أعمارهم. تشير البيانات إلى وجود متغيرات جينية ومناعية غير موثقة سابقًا، وقدرات ملحوظة على المرونة البيولوجية، ما يفتح آفاقًا لفهم الشيخوخة الصحية بعيدًا عن النماذج السكانية المتجانسة.

    معمرون فوق 110 أعوام يفتحون بابًا علميًا جديدًا
    طول العمر بعد 110 أعوام: ماذا تكشفه البرازيل؟ - illustration

    لماذا يُعد طول العمر بعد 110 عامًا لغزًا علميًا

     

    الحديث عن “طول العمر” لا يتوقف عند حلم الوصول إلى سن متقدمة، بل يمتد إلى سؤال علمي محيّر منذ عقود. لماذا يتمكن عدد قليل جدًا من البشر من العيش فوق 110 عامًا، بينما لا يصل معظم الناس حتى إلى 100؟ وبينما تراكمت الدراسات حول العالم، ما زالت الإجابات الحاسمة قليلة، ليس لأن الظاهرة نادرة فحسب، بل لأن عدسة البحث نفسها قد تكون ضيقة.

    في هذا السياق، نشر فريق تقوده الدكتورة مايانا زاتس (Mayana Zatz) وزملاؤها في مركز أبحاث الجينوم البشري والخلايا الجذعية (Human Genome and Stem Cell Research Center) التابع لجامعة ساو باولو (University of São Paulo) مقال رأي علمي في Genomic Psychiatry. ويجادل المقال بأن البرازيل قد تكون واحدة من أهم البيئات لدراسة طول العمر الفائق، لكنها لا تحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع ما تملكه من فرص علمية.

    البرازيل وتنوع جيني قد يكشف ما تغفله قواعد البيانات

     

    يرى الباحثون أن مشكلة أبحاث طول العمر ليست فقط في صعوبة العثور على معمّرين فائقين، بل في الاعتماد الكبير على قواعد بيانات جينية تهيمن عليها مجموعات سكانية متقاربة وراثيًا. هذا يترك فجوات واسعة عندما يتعلق الأمر بمجموعات مختلطة الأنساب، وهي مجموعات قد تحمل متغيرات جينية واقية لا تظهر بسهولة في عينات أكثر تجانسًا.

    ماتيوس فيديغال دي كاسترو (Mateus Vidigal de Castro)، المؤلف الأول لمقال الرأي والباحث في المركز نفسه، يوضح أن هذا النقص يصبح أكثر إعاقة في أبحاث طول العمر، لأن المعمّرين الفائقين من مختلطي الأنساب قد يملكون متغيرات حماية “غير مرئية” إذا ظل التركيز منصبًا على مجتمعات متجانسة.

    هنا يبرز تاريخ البرازيل السكاني كعامل حاسم. المقال يربط هذا الثراء الوراثي بمسار طويل بدأ بالاستعمار البرتغالي منذ عام 1500، ثم الهجرة القسرية لنحو 4 ملايين إفريقي مستعبد، تلاها موجات هجرة أوروبية ويابانية. ووفق وصف المؤلفين، هذا الخليط صنع تنوعًا وراثيًا استثنائيًا يميّز البرازيل عن كثير من البيئات التي تهيمن على قواعد البيانات العالمية.

    أرقام تكشف فجوات كبيرة في الجينوم العالمي

     

    يستند المقال إلى نتائج من بحوث جينومية مبكرة لدعم هذه الفكرة. دراسة شملت أكثر من 1000 برازيلي فوق 60 عامًا كشفت نحو مليوني متغير جيني غير معروف سابقًا. وبين كبار السن وحدهم، رُصد أكثر من 2000 إدخال لعناصر متنقلة في الجينوم، إضافة إلى أكثر من 140 أليلًا من HLAلم تكن موجودة في قواعد البيانات الجينومية العالمية.

    ثم جاءت دراسة لاحقة لترسم صورة أوسع. فقد أبلغت عن أكثر من 8 ملايين متغير جيني غير موصوف عبر السكان البرازيليين، منها أكثر من 36 ألف متغير اعتُبر محتمل الضرر. بالنسبة للباحثين، هذه الأرقام لا تعني مجرد “ثراء” في الاختلافات، بل احتمال وجود إشارات مهمة عن جينات طول العمر أو متغيرات وقائية مرتبطة بالمرونة لا تظهر في مجتمعات متجانسة.

    لماذا يعيش بعض البرازيليين أكثر من 110 أعوام؟
    طول العمر الفائق خارج النماذج الغربية التقليدية - illustration

    مجموعة نادرة من المعمّرين الفائقين من أنحاء البرازيل

     

    لا يتوقف الأمر عند التنوع الجيني، فالفريق يتحدث أيضًا عن قيمة بحثية نادرة تمتلكها البرازيل على الأرض. دراستهم الطولية المستمرة تشمل أكثر من 160 معمّرًا تجاوزوا 100 عام، وبينهم 20 معمّرًا فائقًا تم التحقق من أعمارهم. وتأتي هذه المجموعة من مناطق برازيلية متنوعة، بخلفيات اجتماعية وثقافية وبيئية واسعة التباين، ما يمنح الباحثين فرصة لمقارنة مظاهر المرونة عبر سياقات حياتية مختلفة.

    من بين المشاركين كانت “الأخت إيناه” (Sister Inah)، التي اعترف بها باعتبارها أكبر شخص حي في العالم حتى وفاتها في 30 أبريل 2025 عن عمر 116 عامًا. كما تضم المجموعة اثنين من أكبر الرجال عمرًا في العالم، أحدهما توفي في نوفمبر الماضي عن 112 عامًا، بينما لا يزال الآخر حيًا بعمر 113 عامًا.

    طول العمر بعيدًا عن الطب الحديث

     

    ما يراه المؤلفون لافتًا في هذه المجموعة لا يرتبط بالأرقام وحدها. فعندما جرى التواصل مع بعض المعمّرين الفائقين، كان عدد منهم لا يزال محتفظًا بحدة ذهنية، وقادرًا على إدارة المهام اليومية الأساسية بنفسه.

    كما أن كثيرين عاشوا معظم حياتهم في مناطق تعاني نقص الخدمات وقلة الوصول إلى رعاية صحية حديثة، وهو ما يتيح دراسة مرونة بيولوجية تشكلت إلى حد كبير دون تدخل طبي مستمر. بذلك، يصبح السؤال أقرب إلى فهم آليات داخلية للصمود، بدل تفسير طول العمر على أنه نتيجة متابعة طبية متقدمة فقط.

    عائلات تتحدى الاحتمالات بين الوراثة والوراثة اللاجينية

     

    ضمن العينة، يورد الباحثون مثالًا لعائلة قد تساعد في تفكيك خيوط الوراثة. امرأة عمرها 110 أعوام لديها ثلاث قريبات أعمارهن 100 و104 و106 أعوام، ويصف المؤلفون هذه الحالة بأنها من أطول العائلات عمرًا التي وُثقت في البرازيل. وتضيف القصة تفصيلًا نادرًا، إذ إن أكبرهن، التي تبلغ الآن 106 أعوام، كانت لا تزال تنافس كبطلة سباحة عندما بلغت 100 عام.

    ويربط المقال ذلك بنتائج سابقة تشير إلى أن أشقاء المعمّرين لديهم فرصة تتراوح بين 5 و17 مرة للوصول إلى طول عمر فائق مقارنة بغيرهم. دي كاسترو يرى أن تتبع مثل هذه التجمعات العائلية النادرة قد يفتح نافذة مهمة لفهم الوراثة متعددة الجينات للمرونة، وقد يساعد في فصل التأثيرات الوراثية عن التأثيرات البيئية أو تأثيرات الوراثة اللاجينية (epigenetics).

    ماذا نعرف عن مناعة المعمّرين الفائقين؟

     

    يجمع مقال الرأي بين نتائج حديثة حول خصائص بيولوجية تميز المعمّرين الفائقين عن عامة السكان. يشير المؤلفون إلى أن خلايا المناعة لديهم تحافظ على أنظمة “إعادة تدوير البروتينات” بمستويات أقرب إلى ما يوجد لدى الأصغر سنًا، مع بقاء عمليات “تنظيف الخلايا” نشطة وفعالة، ما يقلل تراكم البروتينات التالفة.

    وتلفت تحليلات على مستوى الخلية الواحدة إلى توسع غير مألوف في خلايا تائية (CD4+) ذات سلوك قاتل يشبه أكثر خلايا تائية (CD8+). ويؤكد المقال أن هذا النمط المناعي نادر لدى الأصغر سنًا، ما يجعله علامة فارقة تستحق التفسير ضمن إطار المرونة.

    ويتوقف المؤلفون عند دراسة متعددة الجوانب (multi-omics) لمعمر فائق أمريكي إسباني بلغ 116 عامًا، رُصدت لديه متغيرات نادرة أو حصرية في جينات مناعية مثل HLA-DQB1 وHLA-DRB5 وIL7R، إلى جانب متغيرات مرتبطة بصيانة البروتين واستقرار الجينوم. وفي مقارنة ذات دلالة، يشير المقال إلى أن هذه المرأة اتبعت نظامًا غذائيًا متوسطيًا، بينما أفاد المعمّرون الفائقون في البرازيل بعدم وجود قيود غذائية لديهم.

    ويرى المؤلفون أن شيخوخة المناعة لدى المعمّرين الفائقين ينبغي فهمها كتكيّف يحافظ على الوظيفة، لا كتراجع عام شامل.

    مرونة استثنائية خلال الجائحة

     

    تأخذ “المرونة” معنى أكثر وضوحًا عند التوقف أمام تجربة الجائحة. يذكر المقال أن ثلاثة معمّرين فائقين في البرازيل نجوا من عدوى COVID-19 في عام 2020 قبل توفر اللقاحات. وأظهرت التحاليل لديهم استجابات IgGقوية وأجسامًا مضادة معادِلة ضد SARS-CoV-2، إلى جانب بروتينات ومستقلبات مرتبطة بالدفاع المبكر لدى الجسم.

    ويبقى السؤال الذي يطرحه المؤلفون حاضرًا: كيف استطاع أشخاص فوق 110 أعوام بناء استجابة مناعية فعالة ضد فيروس جديد تسبب في وفاة ملايين من الأصغر سنًا؟ ويقترح المقال أن الحفاظ على وظيفة المناعة، إلى جانب سلامة أنظمة صيانة البروتين والاستقرار الفسيولوجي العام، قد يجعل المعمّرين الفائقين نماذج قوية لدراسة مقاومة التدهور المرتبط بالعمر.

    موقع البرازيل عالميًا في طول العمر الفائق

     

    يدعم المؤلفون حجتهم بأرقام عالمية عن طول العمر الفائق. ثلاثة من أصل عشرة من أطول الرجال عمرًا بين المعمّرين الفائقين الذين تم التحقق منهم عالميًا هم برازيليون، وبينهم أكبر رجل حي حاليًا من مواليد 5 أكتوبر 1912. ويعد ذلك لافتًا لأن طول العمر الفائق أقل شيوعًا لدى الرجال، الذين يواجهون عادة مخاطر قلبية وعائية أعلى، ومعدلات أمراض مزمنة أكبر، وأنماطًا مختلفة من الشيخوخة الهرمونية والمناعية.

    وعلى مستوى النساء، يشير المقال إلى أن عدد النساء البرازيليات ضمن أطول 15 امرأة عمرًا في العالم يتجاوز ما تسجله دول أكثر ثراءً وأكثر سكانًا، من بينها الولايات المتحدة.

    أين يتجه البحث بعد ذلك؟

     

    لا يقتصر المشروع على تسلسل الحمض النووي. يعمل الفريق أيضًا على تطوير نماذج خلوية من مشاركين مختارين لإجراء تجارب وظيفية وتحليلات متعددة الجوانب (multi-omics). الهدف، كما يوضح المقال، ليس تكرار ما خرجت به دراسات في مجتمعات أقل تنوعًا، بل الكشف عن متغيرات واقية وآليات بيولوجية قد تكون خاصة بالسكان البرازيليين، مع إمكانية أن تصبح مفيدة عالميًا ضمن طب دقيق يعكس تنوع البشر بشكل أفضل.

    وفي تعاون مع البروفيسورة آنا ماريا كايتانو دي فاريا (Ana Maria Caetano de Faria) من الجامعة الاتحادية في ميناس جيرايس (Universidade Federal de Minas Gerais)، يخطط الفريق لتعميق دراسة الملفات المناعية لهذه المجموعة. وفي ختام مقالهم، يدعو المؤلفون اتحادات أبحاث طول العمر والجينوميات إلى توسيع التجنيد ليشمل مجموعات متنوعة ومختلطة الأنساب مثل البرازيل، أو توفير دعم مالي لدراسات جينومية ومناعية وطويلة الأمد تعزز المعرفة وتخدم العدالة في البحث الصحي عالميًا.

    الاكثر مشاهدة

    تم نسخ الرابط